العنوان انعكاسات الغزو الصهيوني على المجتمع اليهودي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 56
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 13-يوليو-1982
* هل تأتي الأيام القادمة بما يغير بعض المواقع الحساسة في الحكومة اليهودية؟
* أصوات عسكرية تدفع سياسية بيغن ببصمات الفشل.
* معارضة الغزو ظهرت بعد التوسع "الإسرائيلي" والإحاطة ببيروت.
* مردخاي غور يوجه أقوى نقد لسياسة شارون العسكرية.
* "الإسرائيليون" قسمان والمعارضة تتنامى يومًا بعد يوم.
في بداية الغزو لم يتعرض المشهد السياسي "الإسرائيلي" في الداخل للاهتزاز.. في الوقت الذي أرادت فيه حكومة مناحيم بيغن استغلال الموقف العسكري لترتيب البيت "الإسرائيلي" من الناحيتين «الحزبية والسياسية»، وقد هيأ ظرف الغزو منذ بداية وقوف أكبر حزب معارض، وهو ضرب العمل إلى جانب الحرب متخليًا عن انتقاده واعتراضه الذي كان مواظبًا عليه منذ شهور عديدة.
ولعلنا نستطيع تفسير انخفاض حدة المعارضة السياسية في بداية الغزو بأمرين اثنين:
أولهما: التصور اليهودي للحرب ضد الأمم الأخرى تصور عقدي مشترك بين أبناء الشعب اليهودي.. وهذا التصور يسقط جميع الاعتبارات أمام المصلحة العليا لدولة "إسرائيل".
أما ثانيهما فهو: اضطرار أحزاب المعارضة للوقوف في فترة تأمل تمكنهم من الحكم على الخط الذي تسير عليه حكومة بيغن، وهو وقوف يستدعي السكوت وانخفاض حدة المعارضة بالتالي.
البدايات:
إذا كانت العقلية اليهودية محكومة لمصلحة الدولة أولًا، فإن اختلاف وجهات النظر في أي تكتيك سياسي أو عسكري تمارسه الحكومة قد يدفع أطرافًا داخل الدولة للتأكيد على مصلحة الدولة من خلال رؤية أخرى. وهذا ما جعل بعض الأطراف داخل "إسرائيل" تعلن معارضتها للغزو منذ بدايته.. لكن انتقاد هؤلاء لا يمكن «بطبيعته- أو حجمه» أن يؤثر على سير الأحداث في معارك لبنان.
على أن أبرز صور تلك البدايات المعارضة للغزو جاءت من موقف نقدي لبعض ممثلي حزب العمل بقيادة اليهودي «يوسي ساريد».. وقد تبع ذلك موقف لـ«حركة السلام اليهودية» التي نشرت مذكرة شديدة اللهجة في الصحافة "الإسرائيلية" داخل الأرض المحتلة، وعلى مستوى الطلبة تظاهر عدة مئات من طلاب الجامعات والمثقفين تحت شعار «أوقفوا أعمال القتل في لبنان» بحسب ما نقلته صحيفة «نيوستيسمان» كما وقع أكثر من ألفي شخصية "إسرائيلية" على مذكرة تدعو الحكومة إلى الانسحاب من لبنان.. وقد نشرت المذكرة عدة مرات في صحف العدو. ومن جهة أخرى أعلن عضو سابق في الكنيست هو الكولونيل «مائير بايل» من المجموعة السياسية المعارضة لضم الأراضي العربية والمعروفة باسم «شيهلي» أن اسم الحرب الحالية يجب أن يتحول من «السلام من أجل الجليل» إلى «الدمار للبنان». وأضاف بأن الحرب المذكورة ستلطخ "إسرائيل" والصهيونية بالعار لسنوات طويلة قادمة.
أحد المحللين الغربيين كتب وهو يراقب مؤيدي الغزو ومعارضيه داخل الأرض المحتلة: «إن القلق العام الذي رافق هذه الحرب يمثل انعطافًا في الشعور الذي رافقه الانتصارات السابقة؛ ومع هذا فإن الدعم العام لموقف الحكومة ما زال قويًّا، ولا بد الآن من أن يؤدي وقف إطلاق النار الحقيقي إلى جدل حاد وعام ضمن المجتمع الإسرائيلي».
اعتراض الصهيونية الدولية
في موقف معلن حول الغزو "الإسرائيلي" للبنان أكد «ناحوم غولدمان» الرئيس الفخري للمؤتمر اليهودي العالمي أنه لا يمكن فرض دولة "إسرائيلية" على مائة مليون عربي في الشرق الأوسط طالما أن هؤلاء يرفضونها. وقد وجه غولدمان عبر جريدة لوموند الفرنسية مع شخصيتين يهوديتين عالميتين نداء لكل من "إسرائيل" ومنظمة التحرير لوقف القتال والاعتراف المتبادل، وبدء مفاوضات مباشرة بينهما، ثم تطورت هذه الدعوة إلى انتقادات واضحة من شخصيات يهودية بارزة للغزو اليهودي الأخير، لكن تلك المواقف لم تصل لدى هؤلاء إلى إمكانية التأثير على حكومة بيغن أو قراراتها الخاصة بشأن الحرب في لبنان.
تذمر أوساط الجيش
«بدأ الجنود "الإسرائيليون" بالعودة من لبنان حيث يحل محلهم جنود آخرون، ويبدو أن العائدين يحملون نظرات غامضة وابتسامات جامدة لأنهم لا يريدون ولا يستطيعون نقل مشاعرهم رغم رغبتهم الأكيدة في الكلام».
بهذا الوصف بدأت صحيفة لوموند الفرنسية حديثها عما أفرزه الغزو الصهيوني بين اليهود داخل فلسطين المحتلة.
لكن لوموند تنقل عن بعض الجنود الذي قابلتهم حالات متنوعة من التذمر والتململ من القيادة العسكرية؛ فالجندي "الإسرائيلي" يشعر أنه أداة مغرر بها، تقول لوموند:
وتساؤلات من يرفضون الثقة العمياء كبيرة بين الجنود.. إنهم يقولون عن الغزو: أين نذهب؟ وما هي الأهداف الحقيقية للحكومة؟ هل تعرف ما يجب أن تفعل الآن؟ أن تبعث منظمة التحرير من جديد؟
على أن هذه الأسئلة تعني عدم إقرار الجنود "الإسرائيليين" أو قطاع كبير منهم حكومة بيغن ووزارة شارون على فاعلية الغزو المستمر والاحتلال الدائم، لكن ضرب منظمة التحرير في الجنوب إن كان يحظى بإجماع يهودي فإن تعقب أفرادها دخل لبنان يثير اعتراض الجندي اليهودي؛ لأنه يعتقد أنه عمل بلا جدوى.. فالمنظمة ستعيد تنظيم صفوفها مرة ثانية، ومهما كانت الخسارة العسكرية النازلة بها فادحة.
تطور الحرب والانقسام "الإسرائيلي"
يرى الكثير من "الإسرائيليين" داخل الأرض المحتلة وفي لبنان أن الحكومة تصرفت تصرفًا بات معه من الصعب عليها أن تتراجع، فالحسابات التي قدمها بيغن ووزيره شارون لا تخدم المصلحة اليهودية المطلقة ضمن الشكل الذي انتهى إليه الغزو.
تقول لوموند:
إن "إسرائيل" مقسومة إلى "إسرائيليين" تتجابها من جبال الحرب، فمن جهة توجه "إسرائيل" بيغن وجماعته من اليهود الشرقين في الغالب، ومن جهة ثانية توجه "إسرائيل" المعارضة التي تسير خلفها غالبية من اليهود الأوروبيين، وهذا الانقسام يعبر عن مفهومين مختلفين للصهيونية.
ومما كتبته الصحيفة الفرنسية نستطيع فهم الانقسام حول تطورات الغزو اللبناني وانعكاساته على المجتمع اليهودي، يقول ملازم يهودي في لبنان: «في الحروب السابقة لم يكن هنالك اختلاف بهذا الحجم في ساحة المعركة، كما أن الروح المعنوية عندنا كانت أكبر».
ويقول قائد دبابة: «بل إن أقاتل عدوًّا حقيقيًّا حصل عندي انطباع بأنني أقاتل ضد الصحافة والرأي العام العالمي الذي أصبح يدين "إسرائيل" أكثر من أي يوم مضي».
ويتوقع المراقبون السياسيون أن يتطور الخلاف بين الطرفين "الإسرائيليين" بحيث يصبح صراعًا معلومًا، لكن حتى الآن لم تتجاوز الأِشياء حدود البداية، ولكن من المؤكد أن المخاوف من تفاقم الأوضاع في لبنان تثير قلقًا شديدًا يؤجج كوامن الصراع في صفوف الاتجاهات السياسية داخل فلسطين المحتلة، ولا سيما في الحالة التي لن يحصل فيها «بيغن وشارون» على النتائج التي أعلنوا للشعب اليهودي أنهم يريدون الوصول إليها.
حالات خطرة:
عندما كتب خمسة من الضباط العسكريين الذين لا زالوا في الخدمة يدعون الحكومة لترتيب وقف فوري للقتال الدائر في لبنان دون إبطاء اعتبر المراقبون هذا التحرك المعارض انتقالًا في نوع المعارضة وتأزمها داخل الهيئة العسكرية أيضًا. وهذا الأمر جعل الكثيرين يتحدثون عن انقسامات خطيرة في صفوف القوات المسلحة حول موضوع الحرب والسلام، وأن هناك نسبة لا يستهان بها بين الجنود والضباط يؤيدون وقفًا سريعًا للحرب ووضع حد للنزيف الدائم الذي ترتب عليها.
وقد لوحظ أن كثيرًا من الجنرالات المتقاعدين قد اشتركوا في تلك التظاهرات، وقد انقسم هؤلاء عن أنفسهم بين مؤيد ومعارض للحرب. ومن أبرز المعارضين الجنرال المتقاعد موردخاي غور وهو الذي رتب للغزو "الإسرائيلي" السابق للبنان قبل أربع سنوات مصت. وقد نقد موردخاي وزير الدفاع "الإسرائيلي" شارون نقدًا مريرًا بحجة أنه وسع من نطاق الحرب أكثر مما كان عليه أن يفعل. ويرى موردخاي غور أنه يصعب الآن وضع حد لتلك الحرب بعد أن وسع نطاقها شارون إلى هذا الحد. وقد انضم موردخاي غور لحزب العمل "الإسرائيلي" في نقده لتوسيع الصدام ثم تطويق بيروت.
وهكذا تبدو المؤسسة الحاكمة في "إسرائيل" في قفص الاتهام هذه المرة من داخل المؤسسة العسكرية.
معارضة الوسط الثقافي
تميزت المظاهرات اليهودية التي اندلعت في الأرض المحتلة ضد الغزو الصهيوني للبنان وتوسيع الأزمة باشتراك بعض كبار الشخصيات فيها؛ فقد اشترك فيها حوالي «40» من كبار الكتاب "الإسرائيليين" بينهم الشاعر تل جارمي، وكان قد اشترك في حرب 1948 وهو يقول: «إن الحرب هذه المرة تخلف عن سابقاتها.. وإنني لأرى أن هذه الحرب اللبنانية الأخيرة ستعقد الأوضاع السياسية أكثر مما كانت عليه في السابق، وقد رأيت أن تكون معارضتنا لها مسموعة».
صحيفة الأوبزروفر البريطانية تعقب على هذه الحالة بالقول:
إن الأرجح أن يمتد ذلك التأثير على الأوساط الأكاديمية في الجامعات والمعاهد العليا حيث يكثر المعارضون بين تلك الأوساط.
وهكذا يبدوا أن غزو لبنان لم يجد إجماعًا أو شبه الإجماع في تأييده، كما كان يحصل في حروب "إسرائيل" السابقة، الأمر الذي جعل كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن الأيام القادمة لا بد، وأن تشهد بعض التغيرات في البنية الحاكمة داخل الأرض المحتلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل