; انهيار البورصة.. وآليات السوق | مجلة المجتمع

العنوان انهيار البورصة.. وآليات السوق

الكاتب سعيد الراجى

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

مشاهدات 106

نشر في العدد 1274

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

تعتبر البورصة إحدى المؤسسات المهمة في النظام الرأسمالي، حيث تعد أحد العوامل التي تشجع المدخرين للإقبال على الاستثمار فيجمد المدخر أصوله السائلة «النقد» في شراء حصص من إحدى المؤسسات تحت الإنشاء، لتقديم سلعة أو خدمة، وهذا التجميد للسيولة مقابل الأرباح المتوقعة من هذه المؤسسة فإذا اقتصت الظروف للمدخر الصغير أن يعيد تسييل أصوله «الأسهم» لحاجته للمال أو وجد المستثمر الكبير فرصة لاستثمار أكثر ربحية في مجال آخر لجأ إلى البورصة لتسييل أصوله وتوجيه مدخراته لقطاع آخر وهناك كثير من رجال الأعمال يدخلون في مشاريع صناعية أو تجارية أو خدمية عندما يكون معدل الربحية في هذا القطاع أعلى من غيره وعندما يدخل مستثمرون جدد في نفس القطاع ويزداد العرض وتقل الربحية يحاول تسييل أصوله ليوجه مدخراته لقطاع جديد العرض فيه قليل والربحية مرتفعة، وهذا ما حدث عندما انتقل كثير من الصناعات البريطانية واليابانية إلى هونج كونج وجنوب شرق آسيا لانخفاض أجور العمالة هناك.

كما يحاول بعض رجال الأعمال في هونج كونج منذ سنوات نقل صناعاتهم ومشروعاتهم إلى دول أخرى خارج هونج كونج نظرًا لعودة هونج كونج إلى الصين من أول يوليو 1997م، والخوف من النظام الاشتراكي السائد هناك، ويتم هذا التسييل عن طريق البورصة وعندما يبيع الناس أسهمهم بكثير تنخفض قيمة هذه الأسهم لزيادة المعروض منها.

مزايا البورصة

مما سبق يتبين أن البورصة تشجع المدخرين على توجيه مدخراتهم إلى الاستثمارات المعروضة للحصول على ربح بحيث يمكنهم استعادة السيولة لهذه المدخرات وقت الحاجة إليها دون خسارة، ويتوقف ذلك على الوقت الذي تسيل فيه هذه الأصول، فإذا كان البيع في ظروف مواتية والمشروعات تحقق ربحية جيدة يكون البيع مربحًا، أما إذا كان البيع في ظروف غير مواتية كما يحدث هذه الأيام ينجم عن ذلك خسارة في البيع، كما يؤثر في سعر السوق حجم المباع من هذه الأسهم حيث إن العرض الكبير من الأسهم يخفض سعرها.

وبالإضافة لهذه الميزة فإن البورصة تعتبر سوقًا تحقق المنافسة الكاملة حيث يجتمع المشترون والبائعون في مكان واحد، ويكون حجم كل منهما من الكثرة بحيث لا يؤثر فرد أو أفراد في الكمية المعروضة أو المطلوبة في السوق، ولا تقتصر أعمال البورصات على الأسهم فقط، بل هناك بورصات للمعادن والحبوب والمحاصيل الزراعية ويتوافر الطلب والعرض بحيث يتعذر تضليل أو استغلال البائع أو المشتري الفرد والذي يحدث مثله في الأسواق التي لا تتمتع المعاملات فيها بالمنافسة الكاملة.

عيوب البورصة

هناك اتجاهان لحركة رؤوس الأموال المدخرة، فإما أن تتجه لقطاع الاستثمار الصناعي والزراعي والخدمي فيزداد بها حجم الإنتاج السلعي أو الخدمي وهذا يحدث عندما تكون الربحية المتوقعة من هذه المشروعات مجزية وكبيرة، وإما أن تتجه الأموال للمضاربة في البورصات، إذا كانت الربحية المتوقعة لدى المدخرين أكبر ويكون هذا على حساب الاستثمار في المجال السلعي أو الخدمي، وهو الذي يحقق الرفاهة الحقيقية للبشر.

وهذا يعني أن البورصة لم تشجع على توجه المدخرين إلى الاستثمار الفعلي، ولكن أحيانًا تدفعهم إلى المضاربة في المعادن أو الأوراق المالية، أو السلعية المعروضة بالبورصة بهدف الربح السريع دون جهد إلا دراسة التوقعات الصعوبة والنزولية للأسعار وتوظيف هذه المعلومة في إصدار قرار البيع أو الشراء وينجم عن ذلك أنه عندما يسود موجات من الذعر وعدم الاستقرار تنتقل العدوى من الأسهم الهابطة إلى الأسهم في الشركات المستقرة فتهبط هي الأخرى وكذلك يحدث توقف في توجه الناس إلى شراء أسهم جديدة لمشروعات إنتاجية تزيد الدخل القومي الحقيقي للأمة.

آليات السوق

ونظرًا لأن المال والربح هدف رئيسي في الحياة في النظام الرأسمالي، بل هو المقصد الأول عندهم وهو ما يختلف عن النظام الإسلامي في أن جعل المال المقصد الخامس بعد حماية الدين، ثم حماية النفس والعرض والعقل ثم المال، ورغم أن ترتيبه الخامس إلا أنه مقصد مهم ولكن لا يقدم على غيره من المقاصد، ولما كان هو المقصد الأول في النظام الرأسمالي في حياة الناس لذلك يقال: «إن رأس المال جبان» فعندما تحدث حالة من حالات الذعر تزداد الإشاعات والتأويلات مما يترتب عليه صعود وهبوط الأسعار في البورصة مثل تصريح لمدير البنك المركزي في الولايات المتحدة الآن جرينسبان عندما يصرح أو تصريح ينتقل تصريحه إلى العالم أجمع ويعملون على تحليل هذا التصريح، مما يؤدي إلى موجات هبوطية في الأسهم وصعودية في السندات كما أن ارتباط بعض الشركات بعلاقات مساهمة أو مشاركة تعرضت للهبوط، تتأثر هذه الشركات بما يحدث من هبوط حاد من الشركات المرتبطة بها، حيث تتحرك رؤوس الأموال بحثًا عن ملاذ أمن، وسنستعرض بعضًا من هذه الآليات:

أ- رفع أسعار الفائدة في البنوك يترتب عليه اتجاه الأصول بعد تسييل الأصول في البورصة إلى البنوك ذات الفائدة المرتفعة للحصول على ربح منها بدلًا من خروجها خارج البلاد، وهذا ما حدث في هونج كونج حيث رفع سعر الفائدة اليومي فيها إلى 250% حتى تبقى الأموال فيها دون خروج.

كما أن بعض الدول أرادت أن تساعد في الأزمة فصرح مدير البوندسبنك في ألمانيا بعدم رفع سعر الفائدة وكذلك الولايات المتحدة حتى لا يترتب على ارتفاع سعر الفائدة فيها إلى هروب رؤوس الأموال من هونج كونج إلى الخارج.

ب- ومن آليات السوق في النظام الرأسمالي السماح بخروج ودخول رؤوس الأموال بسهولة وهذا يعبر عن قوة اقتصاد البلد وهذا يقتضي وجود ميزان مدفوعات متوافق أو به فائض، ولكن في حالات الذعر تخرج رؤوس الأموال بكثرة إلى البلاد الأكثر أمنًا.

ج- التوجه إلى المعادن الثمينة والسندات والعقارات: فعند هروب المدخرات من قطاع الأسهم تذهب إلى أحد الأصول التالية أو ما شابهها:

1- المعادن الثمينة مثل الذهب والبلاتين، حيث تعتبر ملاذًا أمنًا للمدخرات باعتبارها سلعًا ثمينة ومستقرة، ولكن عند زيادة الطلب عليها ترتفع أسعار هذه السلع وهو ما حدث في أول الأزمة اضطر بلدًا مثل سويسرا إلى أن تخرج من احتياطاتها الذهبية 1400 طن وهي تعتبر ثالث احتياطي من الذهب بعد الولايات المتحدة وألمانيا مما عمل على استقرار سعر الذهب، بل وانخفاضه قليلًا.

2- سوق العقارات تتأثر بمثل هذا الانهيار في البورصة لأن العقارات المبنية في بعض البلاد تعطي من 8% إلى 14% من موقع لآخر وهو أصل ثابت ومستقر وعائد ثابت أيضًا، مما جعل بعض المدخرين يذهبون إلى هذا القطاع فيرتفع من أسعارها.

3- التوجه لقطاع سندات الحكومة وأذونات الخزانة، ومعلوم أن سندات الحكومة سندات طويلة المدى عادة لا تقل عن عشر سنوات، أما أذونات الخزانة فتكون قصيرة المدى لستة أشهر وسعر فائدة منخفض، ولكن يميز كلا الاثنتين أن الحكومات هي الضامنة للسداد، ربما «من حق السيادة على شعوبها وقدرتها على فرض الضرائب فإن سدادها بالسعر المسجل عليها ودفع القسط السنوي بسعر الفائدة المقرر يعطيها ضمانًا وعادة ما ترتفع قيمة هذه السندات قرب موعد سدادها، وهناك علاقة عكسية بين سعر الفائدة السائد في السوق وقيمة السندات، فإذا انخفض سعر الفائدة في السوق ترتفع قيمة السندات لأن عائدها المقرر إن كان مرتفعًا عند التعاقد على إنشاء هذه السندات يجعل قيمة هذه السندات لحاصل أعلى من قيمة الأصول الأخرى التي تعطي فائدة أقل، كما أن الزيادة في الطلب على السندات يرفع من سعرها.

د- تغير أسعار العملات: ترتب على انهيار بورصة هونج كونج انخفاض في قيمة دولارها نتيجة زيادة المعروض من الدولار المحلي ومحاولة شراء العملات الأخرى لتشتري بها أصولها من بلاد أصحاب العملات أو الاحتفاظ بعملة البلد الآخر الأكثر أمنًا لحين وجود الأصل المناسب الذي توضع فيه، لذلك كان هناك خوف من ارتفاع سعر الدولار الأمريكي لزيادة الطلب عليه، مما يؤثر على تقليل الطلب على السلع الأمريكية ويؤثر بالتالي على ميزان مدفوعاتها، وسبب هذا التأثير راجع إلى أن بورصة هونج كونج من أقوى البورصات في جنوب شرق آسيا، كما أن بورصة لندن من أقوى بورصات أوروبا، ولذلك فإن حدوث انهيار في البورصة القوية يؤثر بالتالي على بورصات المنطقة، فمثلًا أحداث هونج كونج أثرت على بورصة إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وهكذا.

ولما كانت استثمارات هونج كونج في الأصل رؤوس أموال بريطانية، لذلك فإن الانهيار سبب خسارة بريطانيا بمقدر 35 مليار جنية إسترليني، مما يؤثر في بورصة لندن -وبالتالي تتأثر باقي بورصات أوروبا-، كما أن هروب رؤوس الأموال سيتجه إلى بلدان عدة وفي أصول مختلفة، مما يؤثر على أسعار هذه الأصول في عدة بلاد.

موقف الصين من الأزمة

ولم تحاول الصين أن تخرج مدخراتها من الذهب أو العملات الأجنبية لدعم الدولار المحلي لهونج كونج وقالت إن اقتصاد الجزيرة متين وسيستقر بعد قليل دون تدخل، وبالتالي لم تستدرج لتستهلك احتياطياتها في هذه الأزمة، كما لم تتدخل في آليات السوق أملًا في عدم هروب رؤوس الأموال وتطلعًا لضم تايوان بعد ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل