العنوان بالطبل والجيتار... والوعد بالثروة التنصير يدوي في إفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 07-مارس-2000
لاهوت الرخاء.. الرسالة التي تروق للفقراء والمعدمين إنهم يبحثون عن ثروة دنيوية.. لا في العالم الآخر.. وهذا ما تخدعهم به الكنيسة.
ماذا يجري في أسبوع «معجزات وينكر الملتهبة»؟!
الغناء والموسيقى يستهوي الشباب.. ولا بأس أن تشجع الكنيسة على ذلك إذا كان سيزيد المترددين عليها.
بقلم: مونروفيا- سيمون روبينسون[1]
هذا المقال يقدم صورة لتغلغل التنصير في القارة الإفريقية.. ويصف السباق بين الكنائس منذ عام ١٩٢١م لاجتذاب أكبر عدد من الأتباع.. وما يدور داخل الكنائس من أساليب لاجتذاب الملايين في بلاد الفقر والجهل والمرض:
إنه أسبوع المعجزات في مونروفيا بليبيريا، داخل كوخ ضخم مفتوح الجوانب ومسقف بالقش يوجد أربعة آلاف من مواطني ليبيريا يصلون، ويغنون، ويتضرعون إلى المسيح أن يساعدهم، وتقرع الطبول عندما يعتلي «القس إسحاق وينكر»، المسرح صائحًا في الميكروفون: «اغفر لنا ذنوبنا يا أبانا! اشف هذه الأمراض السرطانية والأورام! خلصنا من العمى وخلصنا من العرج!»، وفي مكان آخر من القارة في كيسومو بكينيا، وأثناء صلاة وقت الغداء، يهدر صوت «القس أونيكا إيزيبيوك» برسالة شبيهة في صالة مغطاة بالبلاط الأبيض والأسود، والتي كانت حتى وقت قريب ملهى ليليًا، ويقول: «لابد أن يقع الفقر تحت أقدامنا، آمين! لابد أن ينتهي الخوف، آمين! أنا لا أبالي إذا كنتم قد استيقظتم هذا الصباح ولم تجدوا أي طعام، فلا يمكنكم العودة إلى هناك، آمين! مدوا أيديكم واقبلوا ما يأتيكم، فأنتم تستحقون الثروة نعم، آمين!»
في الأكواخ الطينية، والخيام العملاقة ومتنزهات المدينة، وملاهي الضواحي، تنمو النصرانية في إفريقيا شبه الصحراوية بشكل أسرع من أي مكان آخر على وجه الأرض، إن معتنقي الديانة الأكثر تعدادًا في العالم يزدادون بمعدل ٥.٣٪ سنويًا في قارة إفريقيا، بالمقارنة بمعدل النمو في أمريكا اللاتينية وآسيا (٥.٢٪) ومعدله في أوروبا وأمريكا الشمالية (أقل من 1٪) لقد نمت نسبة النصارى الإفريقيين بالنسبة للنصارى جميعًا من ١: ١٠ سنة ١٩٧٠م إلى ٥:١ اليوم، وبالنسبة للاتجاهات الحالية، فإن النصارى- الإفريقيين سوف يربو عددهم على معتنقي النصرانية في أوروبا، والذين سيحتلون المرتبة الثانية بعد النصرانية أمريكا اللاتينية.
لقد جاء النمو المذهل على موجتين: ارتفاع عدد الكنائس الأهلية الإفريقية خلال السنوات الأخيرة من حكم الاستعمار في الخمسينيات والستينيات، وازدياد قوي حدث مؤخرًا في كنائس التنصير وتصحيح «الإيمان»، لقد قلبت كلتا الموجتين رؤية التنصير القديمة لتنصير القارة الإفريقية رأسًا على عقب كان أول مجيء للكنائس النصرانية إلى إفريقيا بعد حوالي خمسين عامًا من وفاة المسيح، فقد امتدت من مصر عبر شمال إفريقيا وجنوبًا من خلال أثيوبيا الحالية، واستمرت على نمط الكنيسة القبطية، وقد انحسر التأثير المسيحي حتى القرن الثامن عشر عندما بدأ المستعمرون الأوروبيون عمليات التنصير والتعميد عبر القارة، ونمت النصرانية، ولكن بحلول القرن العشرين أصبح الإفريقيون متعبين من المواقف الأبوية لكثير من المنصرين والكنائس التي تتبنى الطريقة القديمة في التنصير- الإنجليكية، والمعمدانية، والأسقفية، واللوثرية والميثودية والكاثوليكية الرومانية وبدأوا البحث عن وسائل لدمج المعتقدات التقليدية بإيمانهم الجديد بإله النصارى.
وقد ظهرت كنائس الاستقلال الإفريقية، حيث أصبحت الحركات الانفصالية معروفة، أولًا على شكل احتجاج كنسي في محاولات متزايدة لنيل الاستقلال السياسي بعد الحرب العالمية الثانية ثم قام منصرو الإذاعة والتلفاز البروتستانت ذوو النمط الأمريكي بإحداث زيادة أخرى جديدة في الثمانينيات، إن أول كنيسة إفريقية مستقلة وهي كنيسة عيسى المسيح على الأرض والتي بدأها المنصر الكنغولي سيمون كيميانجو في عام ١٩٢١ يتبعها الآن ٥.٦ مليون شخص، منهم الآلاف في أوروبا، وإجمالًا هناك حوالي عشرة آلاف كنيسة مستقلة في إفريقيا، كما أن هناك كنائس أخرى جديدة تفتح كل أسبوع.
إن كلًا من الكنائس المستقلة الإفريقية وكنائس التنصير البروتستانتية يتشابهان في كثير من الأمور، فمعظمها تستخدم اللغة المحلية في تقديم خدماتها وتركز على الروح القدس والمعجزات، كما أن معظمها يمزج بين المعتقدات الإفريقية الروحانية التقليدية- مثل توفير الأسلاف والعرافة، ومفهوم الروح الطيبة والروح الشريرة، ومبادئ العبادة الخمسينية والتي تتضمن الطبول، والات الجيتار والمنصرين الذين يسحرون الجماهير، كما أن العدد المتزايد يجسد تحولًا لاهوتيًا أساسيًا بعيدًا عن العرف الأوروبي، وبدلًا من عروض الخلاص في العالم الآخر يقوم كثير من الكنائس الإفريقية الجديدة بالتنصير بالخلاص الفوري في شكل ثروة دنيوية، إن ما يسمى «لاهوت الرخاء» هو الرسالة التي تروق لفقراء القارة ومشرديها، ويقول البروفيسور ستيفن جابوي، أستاذ علم الاجتماع، وعلم الإنسان (أنثروبولوجيا) المساعد بجامعة مونروفيا: «إنها معجزة يبحث عنها الناس ويريدونها هنا وليس في العالم الآخر».
إن الغليان الاجتماعي يضخم مثل هذه الرغبات، فقد جربت نيجيريا مثلًا نموًا مسيحيًا كبيرًا عقب حرب بيافرا (من ١٩٦٧م إلى ١٩٧٠م)، ويقول القس إيزيبيوك -وهو منصر نيجيري يعمل بواحدة من أكبر كنائس نيجيريا «كنيسة الله النصرانية المحررة»-: إنها تعلمنا الإيمان بالله وإننا نصلي لله، وقد أصبح إيمان الناس عاملًا مساعدًا على النمو في أوقات السلم وفي ليبيريا -حيث خلفت الحرب الأهلية ما بين عامي ۱۹۹۰ و ١٩٩٧م أكثر من ٢٠٠ ألف قتيل ومليون مشرد واقتصادًا مدمرًا- ارتفع عدد الكنائس بسرعة الصاروخ في موتروفيا العاصمة إلى أكثر من ٢٠٠ كنيسة، ويقول بليزينت هاريس رئيس مجلس الكنائس بليبيريا: «خلال الحرب تحول الناس إلى الدين كوسيلة للهرب لقد كانت هناك خدمات يومية بسيطة تتم في المنازل هناك، والآن تظهر الكنائس بشكل باهر في كل مكان».
ورحلة بالسيارة في مونروفيا تعطيك الدليل على هذا الانتشار، فبعد كل بضعة مبان تجد لافتة تشير إلى كنيسة جديدة ومن أكثر هذه الكنائس شعبية مركز القس وينكر للصداقة النصرانية فأكثر من خمسة آلاف ليبيري يحضرون خدمات أسبوع معجزات وينكر الملتهبة التي تعقد في الأيام السبعة الأخيرة من كل شهر، يقول وينكر: «في الحياة يريد كل فرد المرح والسعادة والمكان الذي يزيل عنه التوتر المعيشي، وبدون الله لا يمكن تحقيق هذه المطالب اليومية»، ويرى أوجستين كار -محارب قديم من الحرب الأهلية هناك يعيش الآن مع ٢٠ جندي سابق آخرين في بيت حكومي قديم- الكنيسة على أنها المكان الذي يستطيع فيه أن ينسى مشكلاته، فيقول: «ليس لدينا وظائف، ولم نتلق أبدًا ما كنا نتوقع، فلم نحصل على تعويضات والكنيسة في التي تبعدنا عن التفكير في ذلك».
وبالإضافة إلى تجنب الكنائس الإفريقية التزامات كتاب الصلوات التي تصور طوائف الاتجاه القديم في التنصير، فهي تناقش القضايا المحلية، فيقول ميتش أوديرو -رئيس قسم المعلومات والعلاقات العامة بمؤتمر كل إفريقيا للكنائس في نيروبي- «إذا كان هناك جفاف والمحاصيل تتساقط فإن الكاهن سيتحدث عن الجفاف أو مشاكل الفقر ويقول القس جوزيف أكونيومو- تبنيه: «إن التركيز على الغناء والموسيقى يستهوي الشباب فيبدو أن الدين سابقًا كان يترك للكبار أما الآن، فقد أصبحت النصرانية في إفريقيا شبابية وشعبية أكثر بكثير»، إن نمو الكنيسة النصرانية في أمريكا اللاتينية يتم تقريبًا من خلال المواليد، أما في إفريقيا فما يزيد على ربع نسبة النصارى سببه عمليات التنصير.
ومع ذلك، فرغم أن الكنائس الإفريقية قد تجذب كثيرًا من المعتنقين الجدد للنصرانية، فإن المؤسسة النصرانية لا ترحب دائمًا بالكنائس الإفريقية، إن القليل من كنائس الاستقلال الإفريقية تتبع المجلس العالمي للكنائس، وكثير من منصري الاتجاه السائد يستفسرون عن نوعية إيمان المعتنقين الجدد والتزام الكنائس تجاه تجمعاتهم، ويقول نقادهم إن لاهوت الرخاء قد يعدهم بثراء مادي وروحاني، ولكنه لا يقدم أيًا منهما، ويقول أوديرو، أحد الإنجليكيين: «إن النصرانية بالتأكيد قد تنمو هذا أسرع من أي مكان آخر، ولكن يبقى السؤال عن قيمة ذلك الإيمان، إن القدر الروحي ليس هو التركيز الأساسي كما يجب أن يكون، بل إن التركيز الأساسي هو أنت نفسك والتخلص من مشاكلك».
إن عدم الوفاء بالوعود بالثروة والنجاح يؤدي إلى خيبة الأمل والإحباط كما أن رعايا الكنائس الإفريقية لديهم معدل عائد مرتفع، ويقول الأب إيمانويل هودجز، وهو قس بالكنيسة الأسقفية في ليبيريا إن الناس يذهبون من مكان إلى مكان للبحث عن إجابة، فإذا وجدوا ما يحتاجون إليه يمكثون، أما إذا لم يجدوه فهم يتوجهون إلى المكان الذي يليه، فليس هناك أي التزام لديهم، وتقول سيلفيا أوبوكو- مانو طالبة الفلسفة بالعاصمة أكرا، إنها اعتادت على الحضور إلى الكنيسة المستقلة ولكنها أصيبت بخيبة أمل، وتقول: «إنهم يعدونك بالإيمان الآن، ويعدونك بأن أعمالك سوف تزدهر، فكل شيء جاهز لديهم، ولكن الإله لا يعمل بهذه الطريقة، فهو ليس آلة لعمل القهوة».
وهناك شكوى أخرى مألوفة مؤداها أن الكنائس المستقلة التي غالبًا ما تطلب من رعاياها دفع عشر المال أو الغلة للكنيسة تهتم بجمع المال أكثر من الاهتمام بنشر تعاليم الله أو مساعدة الفقراء وعندما افتتح الأسقف النيجيري ديفيد أويديبو -رئيس كنيسة الفائزين التي كانت تنمو بسرعة- المركز الرئيس لكنيسته مؤخرًا كان هناك نقد مكبوت بأن الأموال التي أنفقت على بناء معيد الإيمان، ذو الخمسين ألف مقعد كان من الممكن إنفاقها المساعدة أناس بالمدينة لا مأوى لهم، ويقول أوديرو: «إن الأعشار مفروضة قبل الرسوم الإضافية، إن بعض المنصرين في كينيا يتقاضون ۷۰ دولارًا مقابل هز أيديهم بالمصافحة، فما بالك بالذي يهز يده بالدعاء، إنه يستحق أكثر، هناك لوحة زيتية داخل كنيسة الله النصرانية المحررة في كيسومو عليها تساؤل: «هل قمتم بدفع العشر؟ إنه مدخل للبركات الوفيرة»، ويقول القس إيزيبيوك إنه تحد فالله يأمر رعاياه بأن يدفعوا العشر، إنها ممارسة لابد أن يقوم بها كل فرد.
وبينما تقوم كنائس الاستقلال بالحديث عن الفقر ومعاناته، إلا أن القليل منها يقوم ببناء المدارس أو المؤسسات الصحية للفقراء، فالكثير منهم يساعدون رعايا كنيستهم فقط ويقول الأب هودجز: «هذا ليس مسيحيًا على الإطلاق، فالنصرانية تنتشر وليس لها حدود، وفي تناقض صارخ للكنيستين الإنجليكية والكاثوليكية، اللتين تشكلان جزءًا مهمًا من المعارضة السياسية في كثير من الدول الإفريقية، فهما تميلان إلى تجاهل السياسة، زاعمتين ببساطة أن الله هو الذي يختار القادة وبالتالي فليس هناك الكثير للتدخل فيه ونتيجة لهذا، يفضل كثير من القادة الوطنيين الكنائس الجديدة على الكنائس القديمة.
ورغم كل ما بها من عيوب، فإن كنائس الاتجاه القديم في التنصير تعرف أنه لابد من تحديثها لكي تستمر في إفريقيا، وعندما واجهتها عمليات انخفاض في عدد رعاياها، لجأ الكثير منها إلى إضافة الطبول والجيتار وآلة الأورج إلى خدماتها، ويقول وينكر: «لابد من التغيير، فهم يحاولون فهم ما يريده الناس ولكنه ليس مجرد قرع الطبول، بل إنه شيء أكثر من ذلك»، إن المتشككين عليهم فقط أن يتوجهوا إلى كاتدرائية «كل القديسين»، بنيروبي في صباح أحد أيام الأحد ليروا أين يجد الناس هذا الشيء الأكثر من ذلك، إن الكثير من المتعبدين النازحين من المبنى الحجري الضخم يتوجهون مباشرة إلى خيمة بيضاء كبيرة في متنزه أهورو القريب، وهناك بصحبة مئات آخرين من الكينيين، يغنون ويرقصون ويشكرون الله بطريقة مختلفة تميل إلى الإفريقية أكثر.
[1] مجلة تايم الأمريكية، ٧ فبراير ٢٠٠٠م- ترجمة: مؤمن المصري.