العنوان بريطانيا التي رأيت (الخاطرة الأولى)
الكاتب محمود عبد الرزاق
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 65
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 15-أبريل-1986
إن للحضارة
الغربية إيجابيات وسلبيات، وقد تحمل الإيجابية الواحدة وجهًا سلبيًا، وقد تحمل
السلبية الواحدة وجهًا إيجابيًا. فعلينا أن ندرك هذه الحقيقة ونحن نتكلم عن
الحضارة الغربية.
أن الذين كتبوا
في الحضارة الغربية إيجابًا وسلبًا ليسوا قليلين، منهم من عبر عن هذه الحضارة
بلسان المعجب وقلم المستحسن «أو المأخوذ ببهارجها» فلم يصدر عنه إلا ذكر
الإيجابيات وتعديد المحاسن، غافلًا أو متغافلًا عن البلايا والرزايا الكامنة في
أسس هذه الحضارة وأصولها، والتي ضج أبناؤها أنفسهم من إنذارات الشقاء فأطلقوا
صيحات الاستغاثة ولا منقذ. وفريق آخر من الكتاب كان همهم عرض مفاسد الحضارة
الغربية -وأحيانًا بشيء من المغالاة- مندفعين بقوة العاطفة غير ملتزمين بأسس النقد
العلمي القائم على المقدمات ونتائجها. معتمدين في كثير من الحالات على أخبار وقصص
من هنا وهناك لم يعيشوا جو هذه الحضارة ولم يدركوا طريقة أهلها في التفكير.
ونحن مأمورون
بحكم إسلامنا بالإنصاف في تقييمنا وأحكامنا -ولو كان الموضوع يتعلق بأعدائنا-
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ٨).
وليس هدفنا من
الحديث عن الحضارة الغربية أو الإنجليز على وجه الخصوص، أن نشوه صورة أقوام
بأعينهم، أو أن نرفع شعوبًا فوق مستوى البشر، لكنها محاولة لعرض الحقائق من خلال
الواقع الذي نعيشه مع هؤلاء القوم عرضًا يعطي كل ذي حق حقه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا
النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء:
١٨٣).
هذا العرض سيوضح
لنا أن الحضارة الغربية بأسسها التي قامت عليها لا تمثل قيم الإنسان ولا تشبع
أشواق البشر وتطلعاتهم نحو إنسانية كريمة يعلو فيها جوهر الخير ويبعد فيها عنصر
الشر. وسيرى القارئ كذلك أن الإنجليز قوم من الأقوام التي تموج بهم البشرية فيهم
القوي والضعيف، والعاقل والسفيه، والطيب والأحمق، والعالم والجاهل، والذكي والغبي،
والصادق والكاذب، والأمين والخائن.. كما في غيرهم من الأقوام والشعوب.
والذي نريده من
قومنا المسلمين خاصة ومن الشرقيين عامة أن يقتنعوا بهذه الفكرة ويؤمنوا بها حتى
يتحرروا من الهيمنة الإنجليزية على عقولهم، فالإنجليز في نظرهم فوق النقد؛ لأنهم
نوع راق من البشر لا يكذبون ولا يغشون، الإنسان الإنجليزي هو الأفضل، والبضاعة
الإنجليزية هي الأجود، وكل ما هو من عند الإنجليز قد بلغ ذروة الكمال.. وهكذا. كما
أنني لا أنكر أن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية نوعين من الناس، الصالحون وغير
ذلك. كما في المجتمعات الأخرى والمجتمع الإنجليزي من بينها، فلماذا ننحي باللائمة
على مجتمعاتنا فقط ونعتبر ما عند الإنجليز هو الأفضل؟! فهل هذا من الإنصاف في شيء.
وبعد هذا
التقديم السريع أقدم للقارئ الكريم الخاطرة الأولى من خواطري وانطباعاتي عن
المجتمع الإنجليزي لتعبر تمامًا عن المعنى الذي قصدته في سياق الكلام.
كما أنني أذكر
القارئ الكريم أن هذه الانطباعات والخواطر ليست وليدة أخبار تلتقطها من هنا وهناك،
وإنما هي حصيلة تجارب وأحداث عشتها بنفسي في السنين الطويلة التي قضيتها في
المجتمع الإنجليزي، فهي انعكاسات وقائع وترجمة أحداث تتكلم من ذاتها إن وجدت من
ملك الاستعداد لتلقي حقائقها والتعامل معها ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن
كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧)
كما أنني سأعرض
بعض الجوانب الإيجابية والسلبية في هذه الخواطر، فأرجو ألا يتعجل من يريد الانتقاد
حتى تكتمل السلسلة لكي ينتقد وهو على بصيرة بعد أن تكتمل الصورة ويتحقق المعنى.
فإلى الخاطرة الأولى:
نموذجان من
حضارتهم:
ضَمَّني وبعض
الأصحاب مرة مجلس كان الحديث عن الحضارة الغربية والإنجليز محوره الأساسي، وراح كل
واحد يذكر من الوقائع التي جرت له مع الإنجليز وكل واقعة تجر إلى الأخرى، وكل قصة
تفتح الباب لقصص كثيرة.
فذكر أحد
الأطباء الجالسين، القصة التالية:
«قال: إنني كنت
أعمل في عيادة خاصة يملكها جماعة من الإنجليز وبعد فترة من العمل معهم تركت
بريطانيا إلى إحدى الدول العربية لأعمل فيها، وبعد مرور أكثر من سنة فإذا بي أتسلم
ذات يوم رسالة بداخلها صك بمقدار ضئيل (حسب ما أتذكر ما يقارب ٢٥ جنيهًا
إسترلينيًا)، ومع الصك رسالة صغيرة تقول بأن هذا المبلغ هو صافي مستحقاتك في
عيادتنا وقد بحثنا عن عنوانك الجديد طويلًا خلال هذه الفترة حتى عثرنا عليه».
يتابع صديقنا
الطبيب حديثه قائلًا: لقد أعجبت أيما إعجاب بهذه الأمانة، علمًا أنه لم يكن بيني
وبينهم عقد رسمي لأنني كنت اشتغل خارج أوقات عملي في المستشفى الرسمي الذي كنت
أعمل فيه، فعملهم هذا يمثل ذروة في الأمانة.
عقبت على هذه
الحادثة بالإعجاب وأنه موقف يشكر عليه الإنسان، ولا شك وليت القليل منهم كان على
هذه الصورة المضيئة.
وتابعت حديثي
بأنه لا بد وحتى تكتمل الصورة أن نأخذ مثالًا آخر من هذا المجتمع، وذكرت الحادثة
التالية التي جرت لي معهم: كنت قد اشتريت من مكتبة «لويس Lewis»
لبيع الكتب الطبية بلندن كتابًا في علم الأدوية، وكان للكتاب ملحق منفصل عنه،
فأرسلت لهم قيمة الكتاب والملحق معًا. فأرسلوا الكتاب وأرسلوا معه إيصالًا بمقدار
ثمن الملحق لأنه غير متوفر لديهم، وأستطيع أن استعمل الإيصال عندما أريد. مرت فترة
طويلة وأنا أسأل عن الملحق وكان الجواب دائمًا أنه لم يصدر بعد.. وهكذا حتى مرت
خمس سنوات عندما جئت فاشتريت كتابًا آخر فأبرزت لهم الإيصال القديم وشيكًا
بالمقدار المتبقي. فذهبت الموظفة وسألت المدير فقال لا أقبل بالإيصال ومن يدري أنه
لم يستعمل من قبل؟ فقلت لها أنتم في بلاد التكنولوجيا والكمبيوتر وكل شيء يسجل
بدقة لديكم فهل من المعقول أنكم لا تعرفون أن هذا الإيصال لم يستعمل؟ وكيف يستعمله
الإنسان ويبقى معه؟ ألا تأخذونه عند الحساب؟ واستفهامات كثيرة كانت نتيجتها
النهائية الإصرار على الرفض. فقلت هذا حقي تأخذونه صراحة، ولو كان مبلغًا كبيرًا
لذهبت إلى المحكمة. وكذلك لم يجد هذا الكلام شيئًا، وخرجت من المكتبة وأنا أحتفظ
بالإيصال حتى اليوم ليذكرني دائمًا بحق مهضوم وإن كانت قيمته ضئيلة.
فقال صديقنا
الطبيب ومن معه من الجالسين: لا نستغرب مثل هذا التصرف فقد حدث ما يشبهه من قبل،
فقلت الحمد الله أنني وصلت إلى ما أريد، قالوا وكيف؟ قلت: إنني لا أفرح عندما أجد
نماذج شريرة في مجتمع من المجتمعات ولو كان هذا المجتمع غير مسلم. ذلك أن عنصر
الشر يكون مصدر خراب دائمًا، ولا أتمنى للبشرية الخراب والدمار. إلا أن فرحي يتمثل
أننا ذكرنا في هذه الجلسة الواحدة مثالين اثنين على طرفي نقيض تمامًا، وكلاهما
يعبر حقيقة عن طبيعة هذا المجتمع الإنجليزي الذي نحن بصدد الحديث عنه، فكما ذكرنا
في بداية هذا الحديث فيه الخير وفيه غير ذلك وهذا ما نريد أن نقنع به المسلمين
أولًا وغيرهم ثانيًا.
فمثال الطبيب
يدل على معدن جيد وضع صاحبه إلى تحري الأمانة في المعاملة، والتي هي من دوافع
الفطرة وخصائصها لا شيء زائدًا عليها، ويستطيع أن يتمتع بهذه الخاصية كل إنسان،
مسلمًا كان أو غير مسلم، لأن هذه من الأخلاق الأساسية التي جبلت عليها فطرة البشر،
ويمكن للمسلم وغيره أن يتحلى بها، أما الأخلاق الإسلامية فهي من خصائص الإسلام
ومزايا الفرد والمجتمع المسلم، ولا يمكن لغير المسلم أن يحوز هذه الأخلاق أبدًا،
فمن هذه الأخلاق الإسلامية الإيثار الذي وصف الله به الجماعة المسلمة
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ
شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).
ومن هذه الأخلاق
الإسلامية إخلاص النية لله في القول والعمل، فالذي يتصدق إنما يتصدق ابتغاء مرضات
الله لا حبًا في سمعة ولا ابتغاء جاه.. ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا
وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٠)..
وهكذا.
واليوم عندما
تخلى المسلمون عن أخلاقهم الإسلامية، وبعض الأخلاق الأساسية من ناحية، ولما كان
الغربيون تجارًا بعيدي النظر راعوا الأخلاق الأساسية فيما يخدم مصلحتهم «فقط» إلى
جانب الدماثة في أسلوب التعامل. قال المسلمون إن الغربيين أفضل منا، فهم لا يكذبون
ولا يغشون ولا يخادعون.. إلخ. وكان هذا نتيجة لرواسب الاستعمار الثقافي والفكري
الذي رزح تحته بعضهم وحتى الآن.
نأمل أن تكون
صورة المجتمع الإنجليزي خاصة والغربي عامة واضحة في ذهن القارئ، قبل أن نتابع
مسيرتنا مع هذه المشاهدات والخواطر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل