العنوان بريطانيا التي رأيت.. ثلاثون ألف جنيه رصيد لقطته الخاطرة الثالثة
الكاتب محمود عبد الرزاق
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 765
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 29-أبريل-1986
إن حديث الناس
في هذه الأيام وشغلهم الشاغل بعض الأمور المحددة، ويأتي الحديث عن المجاعة في
أفريقيا والآلاف التي تموت يوميًا والملايين المهددة بالموت في المستقبل القريب،
هذا الحديث على رأس قائمة الموضوعات التي تهتم بها وسائل الإعلام المختلفة، لا
يقطعها أو يغطي عليها- ولفترة قصيرة- إلا أخبار اجتماعات القمة بين الرئيسين:
الأمريكي، والروسي أو أحاديث الزلازل في المكسيك أو اختطاف الطائرات ورد الفعل
الأمريكي واتخاذ الرئيس الأمريكي قرارًا باختطاف الطائرة التي تحمل «أبو عباس»،
فنرى هذه الأخبار تصعد إلى القمة ثم تتلاشى ويبقى حديث المجاعة حديث الساعة بلا
شك.
وكان لي جار
إنكليزي يملك دكانًا مقابل بيتي، وهذا الإنكليزي نموذج لكثير من أمثاله الإنكليز
رجالًا ونساء وأحيانًا شبابًا يعانون الوحدة فلا أب ولا أم ترعاهم ولا زوجة
تؤانسهم ولا ولد يمسح عنهم بابتسامته بعض آلامهم ولا أخ يساندهم ولا أخت يصلونها
رحمًا ومن باب أولى أن يكون الكلام عن العم والخال والعمة والخالة غير وارد في هذا
المقام، هؤلاء يقضون أيامهم بملل بالغ وعلى وتيرة واحدة، فإنهم لا يدرون ما يفعلون
أو بالأحرى ليس لديهم ما يعملون منهم كبار طاعنون في السن، جفاهم أهلوهم وتنكر لهم
أبناؤهم، لأن مشوار الزيارة ربما يكلف أحدهم- على الأقل- أجرة المواصلات وهم على
غير استعداد لدفعها لأنها لا تدخل ضمن نطاق ملذاتهم وشهواتهم.
كان صاحبنا
الجار الإنكليزي واسمه «سد نيوتن» يعرف كلمات متفرقة من اللغة العربية «المصرية
الدارجة» لأنه كان قد خدم في الجيش الإنكليزي أيام احتلاله لمصر، ومن هنا نشأت صلة
خاصة معه، كان منشرحًا قلبه للدقائق التي أقضيها معه، إذ على الأقل هناك من يكلمه
ويتجاذب معه أطراف الحديث، وخلال ثلاث سنوات قضيتها بجواره لم أر أحدًا يزوره،
فقلت له ذات مرة أليس لك أقرباء..؟ قال بلى، ولكنهم لا يأتون لزيارتي، قلت وكيف
تعيش وحدك؟ قال وماذا أفعل فليس لي زوجة وبالتالي لا يوجد لي أولاد، والأقارب
الآخرون مشغولون عني بشؤونهم، غير أنني لست الوحيد الذي يعاني من هذه الظاهرة، ففي
زقاقنا هذا وطوله يصل ٥٠٠ متر يوجد أحد عشر شخصًا بين رجل وامرأة ممن يعيشون
وحدهم، دونما طارق يطرق عليهم الباب، ألا تذكر جانبك- أي جارتي التي كان بيتها
ملاصقًا لبيتي- ماتت في السنة الماضية، وليس عندها أحد، ولما دخلت عاملة التنظيف
التي تأتي مرتين في الأسبوع وجدتها جثة هامدة عند أسفل الدرج؟
غادرت بلدتي
الصغيرة وودعت جاري «سد نيوتن»، وحالته الصحية متدنية وبحاجة إلى من يقوم بحوائجه،
وصرت أزور تلك البلدة بين الفينة والأخرى وأتفقد أحواله في كل زيارة وفي كل مرة
كانت حالته تزداد سوءًا إلى أن جئته ذات مرة وإذا بالدكان مغلق وعلقت على الدكان
لوحة «معروض للبيع» فعرفت مباشرة بأن جارنا «نيوتن» قد فارق الحياة.
سألت صديقي الذي
كان يسكن مكاني عن السيد نيوتن فقال إن حالته الصحية تدنت كثيرًا وأصيب بنوع من
الأورام تم نقله إلى المستشفى عدة أيام توفى بعدها، وتم دفنه من هناك دون أن يحضر
أحد إلى بيته.. وبقي دكانه مغلقًا يومين ثم رأيت شخصًا يأتي ليطعم القطة -لأن
نيوتن كان له قطة يعتني بها- وتكرر مجيئه لمدة ثلاثة أيام ثم أخذ القطة ولم أره
بعدها.
قلت: سبحان
الله! وهل القطة أكثر قيمة من الإنسان، إذ لم يأت أحد لزيارة الرجل طول حياته ثم
يأتون بعد موته مشفقين على القطة؟ فضحك صديقي وقال لا، فهؤلاء ليس في قلوبهم شفقة
سواء على الإنسان أو الحيوان، ولكن قبل وفاة جارنا سألته: أليس لك أقرباء قال بلى،
ولكن لا يأتون لزيارتي وسيحضرون عندما أموت لكي يتقاسموا ميراث البيت والدكان...!!
إلا أنني سأحرمهم من الفلوس إذ إنني أملك ثلاثين ألف جنيه في البنك سأجعلها رصيدًا
لقطتي حتى يقوم شخص على رعايتها وبذلك أحرمهم من الانتفاع بها تمامًا كما أهملوني
طوال حياتي، ولم يزرني منهم أحد.
وكان ذلك إذ رحل
الرجل وثلاثون ألف جنيه رصدت للقطة، وجاء الأقارب ليبيعوا البيت والدكان ويأخذوا
حصتهم من الإرث...
أقف عند هذا
الحادث مشدوهًا لا أدري كيف أحلل هذه النفسيات وأنماط التفكير التي درج عليها
الناس في الغرب، إنهم عبدوا الـ «أنا» وتركوا ما سواه، حتى لو كان الأب والأم والإخوة
والأخوات والأقارب جميعًا، وفي ذات الوقت أتذكر تعاليم الإسلام في التأكيد على صلة
الرحم والبر بالوالدين والإحسان إليهما. ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا
إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
﴾ (الإسراء: 23-24).
وكذلك أتذكر
معنى قول الرسول- صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بعرش الرحمن، تقول: وصل الله
من وصلني وقطع الله من قطعني».
فما الذي دعا
هؤلاء القوم إلى جفاء أهليهم والتنكر لأرحامهم؟! ثم إن هذا التصرف انعكس على
الجانب الآخر ليقابل بالتفريط، ثلاثون ألف جنيه ترصد لقطة؟ أين الجياع من بني
البشر، وأين المنكوبون من بني الإنسان؟!.. فهلا ذهبت هذه الأموال لمثل تلك
النوعيات المحتاجة فتسد عوزها وتخفف آلامها وتمحو بيد حانية تعبها ونصبها.
أم أن القلوب
خربت والعقول تحجرت فلا نور يضيء ولا سبيل مبين.
﴿وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) صدق الله العظيم.