العنوان بعد الوفاق الدولي: معسكر واحد يسعى لتكريس الكيان اليهودي
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 887
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
يتردد القادة الفلسطينيون بين الحين والأخر على موسكو كلما أغلقت في وجوههم أبواب واشنطن، أو كلما تأزَّمت العلاقة بينهم وبين بعض العواصم العربية ذات العلاقة الجيدة- ظاهريًّا- مع موسكو، وفي كل مرة يعودون من هناك دون أن يحصلوا على إجابة حاسمة بنيَّة الروس أو قدرتهم على إجابة مطالب الفلسطينيين، ومع الحركة السياسية النشطة التي أحدثتها الانتفاضة الفلسطينية المباركة على الساحة العربية والدولية، وبعد القرارات الأردنية بفك الارتباط الإداري والقانوني بالضفة الغربية كان لابد للقادة الفلسطينية أن يجتمعوا لتَدَارُسِ الإجراءات الواجب اتخاذها إزاء المتغيرات الجديدة.
لماذا حكومة المنفى؟
وظهرت على السطح بشكل مُتسرع وغير مدروس فكرة حكومة المنفى أو الحكومة المؤقتة بعد أن أعلن بسام أبو شريف وثيقته المشهورة التي لاقت ارتياحًا في الولايات المتحدة ودوائر الغرب وأثارت جدلًا حادًّا في أوساط الفلسطينيين.
ثم رأى قادة الفصائل الفلسطينية أن يجتمعوا في تونس للوصول إلى اتفاق فيما يجب عمله قبل أن يستطلعوا رأي الدول العربية والغربية والشرقية فيما هم مُقدِمُونَ عليه.
وبينما الجدل قائم حول الخيارات الفلسطينية، وبينما الاستطلاع قائم لمواقف الدول العربية والغربية والشرقية ظهرت على السطح تصريحات من بعض القادة الفلسطينيين الموسومين بالتطرف أو بالاعتدال على حد سواء تُبدي استعدادها للاعتراف بالكيان الصهيوني والتفاوض معه سواء بطريق مباشر أو عن طريق مؤتمر دولي والقبول بدولة فلسطينية سواء بحدود قرار التقسيم رقم 181 أو بحدود عام 1967 أو أقل من ذلك....!!
ويبدو أن ضغوطًا ووعودًا دولية وعربية دفعت هؤلاء القادة الفلسطينيين إلى هذه التصريحات لزحزحة الموقف الإسرائيلي وإحراجه ولكن رد الفعل الإسرائيلي تراوح بين التصلُّب التام على لسان شامير والمراوغة والتلاعب بالألفاظ على لسان بيريز، وكل منهما يحاول أن يكسب مزيدًا من الأصوات الانتخابية فحزب الليكود بقيادة شامير يحاول أن يكسب مزيدًا من أصوات المتشددين اليهود على اعتبار أن سياسته المتشددة هي التي أجبرت قادة المنظمة على التنازل، وحزب العمل بقيادة بيريز يريد أن يكسب أصوات اليهود المعتدلين وأصوات العرب حاملي الجنسية الإسرائيلية باعتباره الأكثر اعتدالًا تجاه المطالب الفلسطينية.
المعارضة الفلسطينية:
ولكن المعارضة الفلسطينية داخل صفوف المنظمة، والمعارضة الفلسطينية داخل صفوف الانتفاضة وخاصة التيار الإسلامي الذي أثبت فاعليته على الشارع الفلسطيني جعل بعض هؤلاء القادة يتراجعون عن بعض تصريحاتهم سيما وأن الغرب طالبهم بمزيد من التنازُل دون أن يقدم لهم شيئًا مضمونًا.
المتحاورون في تونس:
وظهرت في أوساط المتحاورين الفلسطينيين في تونس اتجاهات أربعة إزاء موضوع الحكومة الفلسطينية والدولة الفلسطينية والتفاوض مع اليهود والاعتراف بدولتهم على أرض فلسطين.
الاتجاه الأول: يتمثل في الاستثمار السريع للانتفاضة عن طريق إعلان وثيقة الاستقلال وتشكيل حكمة مؤقتة من شخصيات مستقلة تجيزها منظمة التحرير وتتبنَّى برنامجًا سياسيًّا معتدلًا يتضمن الاعتراف بقرار مجلس الأمن رقم 242 والاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة والاعتراف المتبادل مع الكيان الإسرائيلي.
الاتجاه الثاني: يدعو إلى إعلان وثيقة الاستقلال دون إعلان حكومة مؤقتة أو الالتزام بخطوات سياسية قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، وقبل اتضاح معالم الوفاق الدولي الذي ظهرت آثاره في القضية الأفغانية وحرب الخليج واستقلال ناميبيا وضمان أمن أنغولا وموضوع نيكاراجوا ولم تتضح معالمه بعد فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط.
الاتجاه الثالث: يرى طرح خطة سياسية لتحقيق البرنامج المرحلي الداعي إلى العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة عن طريق:
- تشكيل حكومة مؤقتة من المجلس الوطني وإعلان وثيقة الاستقلال.
- أو تشكيل حكومة مؤقتة والإعلان عن الموافقة على المؤتمر الدولي على أساس القرار 242 وحق تقرير المصير.
- أو تشكيل حكومة مؤقتة من فصائل المنظمة للمشاركة في المؤتمر الدولي على أساس قرارات «الشرعية الدولية» مع ترك مسألة توقيت إعلان الحكومة وتشكيلها للجنة التنفيذية والمجلس المركزي.
الاتجاه الرابع: الإعلان عن وثيقة الاستقلال مع تأجيل موضوع الحكومة المؤقَّتة والمطالبة بالإشراف الدولي على الضفة الغربية وقطاع غزة.
استمزاج رأي الكرملين:
وقد كلف أحد قادة الفصائل الفلسطينية من أصدقاء موسكو باستمزاج رأي الكرملين حول موضوع الإشراف الدولي فكان جوابهم: نحن الآن في وفاق مع الأمريكان ولابد من أخذ رأيهم... وقد كان رأي الأمريكان رفضًا قاطعًا لفكرة الإشراف الدولي؛ لأن في ذلك «تحايُلًا على إسرائيل» كما يقولون وهو ما لا يمكن قبوله من طرفهم على الإطلاق!
وقد طرح المسؤول الفلسطيني على الروس موضوع القرار 181 فقالو: إن الزمن قد تجاوز هذا القرار، وإن هناك قرارات أخرى صدرت بعده منها القراران 242 و338 وهناك أيضًا قرارات قمَّة فاس العربية وبالتالي فلا مجال لبحث قرار التقسيم في الوقت الحاضر.
ومن المعروف أن فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة تلقى معارضة شديدة من الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة وقد انضمت إليهما بريطانيا في الآونة الأخيرة حيث أعلنت مارغريت تاتشر بعد اجتماعها بوزير الخارجية الإسرائيلي في 14/ 9/ 1988 أنه لا حاجة لإعلان دولة فلسطينية مستقلة، كما أنها ترفض أية أفكار تتعلق بإعلان حكومة فلسطينية مؤقتة أو في المنفى.
حدود الدولة الفلسطينية:
أما الدول التي توافق على قيام دولة فلسطينية مثل الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبعض الدول الغربية فإنها تسأل الفلسطينيين عن حدود هذه الدولة وتنسى أن اليهود لم يحددوا رسميًّا وحتى الآن حدود دولتهم التي يريدونها من النيل إلى الفرات كما تقول وثائقهم.
وتطلب الدول «الصديقة» من الفلسطينيين أن يعترفوا بالكيان الإسرائيلي أي أن يعترفوا للغاصب بشرعية اغتصابه دون أن يعترف اليهود بحق الفلسطينيين في وطنهم فلسطين.
موقف الاتحاد السوفييتي:
إن الاتحاد السوفييتي لم يعد يقف من القضية الفلسطينية موقفًا مستقلًا ومتميزًا عن موقف الولايات المتحدة في ظل الوفاق الدولي الجديد على اقتسام مناطق النفوذ حيث سلم الاتحاد السوفييتي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وبالذات فيما يسمَّى بقضية الشرق الأوسط ولكل شيء مقابل، وقد أصبح واضحًا موقف الاتحاد السوفييتي لكل القادة الفلسطينيين الذين يزورون موسكو ويمكن تلخيصه فيما يلي:
* إن الاتحاد السوفييتي يرى تأجيل اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية التي ستُجرى في النصف الأول من شهر نوفمبر «تشرين ثاني» المقبل لمعرفة من سيفوز في هذه الانتخابات وبالتالي يمكن صياغة البرنامج السياسي الفلسطيني ليتلاءم مع سياسة الإدارة الجديدة في كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
* ولا داعٍ لتأليف حكومة فلسطينية مؤقتة أو حكومة في المنفى في الوقت الراهن حتى لا ينشق الصف الفلسطيني «المنشق» وحتى لا تغضب بعض الجهات العربية ذات العلاقة الجيدة –ظاهريًّا- مع موسكو، ولأن هذه الحكومة لن تحظى باعتراف دولي كاف مراعاة للولايات المتحدة الأمريكية.
* من الضروري إصدار برنامج سياسي فلسطيني واقعي ومَرِن يتضمن اعترافًا بوجود الكيان الصهيوني مراعيًا في ذلك الوفاق (الأمريكي - السوفييتي) حتى يمكن للمنظمة المشاركة في المؤتمر الدولي المُزمع عقده لحل مشكلة الشرق الأوسط بما فيها المشكلة الفلسطينية.
* إن القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين لم يعد مقبولًا دوليًّا إلا باعتباره إقرارًا بالوجود الصهيوني في فلسطين وعلى المنظمة أن تبحث عن حدود للدولة الفلسطينية في إطار الضفة الغربية وقطاع غزة.
* لا داعٍ لإعلان استقلال الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف واحد حتى لا تثور الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي مما يعرقل عقد مؤتمر دولي للسلام أو إجراء مفاوضات سلام محل المشكلة الفلسطينية.
وواضح أن هذا الموقف السوفييتي لا يختلف كثيرا عن موقف الولايات المتحدة أو موقف الكيان الإسرائيلي، وإذا كان هذا ما اتفق عليه الروس والأمريكان فليس من المتوقع أن يستطيع الوفد الفلسطيني برئاسة محمود عباس «أبو مازن» أن يزحزح هذا الموقف لصالح القضية الفلسطينية، ذلك أن السوفييت ليسوا على استعداد لأن يضحوا بعلاقاتهم مع الولايات المتحدة من أجل عيون الشعب الفلسطيني.
وليس هذا الموقف مفروضًا على الاتحاد السوفييتي من قِبَل الولايات المتحدة فلم يقل السوفييت يومًا ما، أنهم مع تحرير كامل للتراب الفلسطيني، ولم سبق لهم أن ألقوا بثِقَلِّهِم السياسي والعسكري لصالح ترجيح كفة العرب- ناهيك عن المسلمين- على كفة الكيان الصهيوني، وقد ظهر ذلك جليًّا في كل الحروب التي خاضها العرب مع اليهود بدءًا بحرب 1948 وانتهاء بحرب لبنان 1982، ولم يتعد الموقف السوفييتي في الأمم المتحدة قرار التقسيم عام 1947 وإزالة آثار العدوان عام 1967. كما أن أصدقاء الروس في المنطقة العربية سواء كانوا حقيقيين أم غير حقيقيين لم يخرجوا عن إطار هذه السياسة السوفييتية، بل إن التناقض واضح تمامًا بين ما يقولون وبين ما يفعلون.
معسكر واحد لا معسكران:
وعلى هذا الأساس لا يمكن القول أن هناك معسكرين في العالم أحدهما معنا والأخر ضدنا، فهم إزاء القضية الفلسطينية معسكر واحد يسعى لتكريس الكيان اليهودي في فلسطين إلى الأبد، وليس مُهِمًّا بعد ذلك أن تقوم للفلسطينيين دولة ممسوخة منزوعة السلاح في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما كان ينادي السوفييت قبلا ولم يعد متحمسًا لها بعد وفاقه مع الولايات المتحدة، أو أن يندثر الفلسطينيون في ديار العرب بلا حيثية ولا كيان كما تنادي الولايات المتحدة، أو يخضع الفلسطينيون لحكم ذاتي إداري شكلي كما نصَّت على ذلك اتفاقيات كامب ديفيد.
المهم في نظر العالم بقاء الكيان الإسرائيلي وأمن هذا الكيان حتى يتخلص العالم من أذى اليهود، ولكن الانتفاضة الفلسطينية المباركة التي يحاول العالم استثمارها لغير الأهداف التي قامت من أجلها... هذه الانتفاضة تعلن للعالم أن أمر الله بأن تكون فلسطين مقبرة اليهود على أيدي المسلمين من عباده قد بدأت تباشريها تلوح في الأفق، وما على المسلمين إلا أن يحزموا أمرهم وأن يدخلوا باب الجهاد الذي فتح، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر، ومن أصدق من الله وعدا؟