العنوان بعد انتصارات الأرتيريين منغستو باتجاه إسرائيل!
الكاتب يوسف عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 55
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 17-أبريل-1990
• إرادة الشعب هي الفيصل لكنها
بحاجة إلى دعم العرب والمسلمين.
• النظام الأثيوبي يتحالف مع
إسرائيل لإنقاذه من الهزيمة.
عقدت في صنعاء خلال الأسبوع المنصرم
جولة جديدة من المفاوضات بين وفد موحد يضم أربعًا من فصائل جبهة التحرير الأريترية
ووفدًا يمثل الحكومة الأثيوبية.. وتأتي هذه الجولة في أعقاب اللقاء التمهيدي الذي
عقده الجانبان في العاصمة السودانية الخرطوم في وقت سابق من العام الماضي، كما
تأتي الجولة وسط ظروف شديدة التعقيد على امتداد الساحة السياسية والعسكرية في
أثيوبيا.. وهي مؤشرات تؤكد دلالاتها على تبدل المواقف المتشددة التي كانت أثيوبيا
تصر على سريانها.
فقد اتسعت دائرة القتال حتى لم تترك
لنظام منغستو إمكانية تسديد ضرباته لأي منها؛ بل إن الإمبراطورية الهرمة لم تعد
خاضعة لأوامر أديس أبابا، فالمناطق التي حررتها فصائل جبهة التحرير الأرتيرية بما
فيها الجبهة الشعبية لم تبق لأثيوبيا في أرتيريا غير أقل من ١٠% من مساحتها
هي عبارة عن بضعة مدن والطرق المؤدية إليها. وفي المنطقة الجنوبية لأرتيريا فإن
قوات التحرير الشعبية التغيراي استطاعت إجلاء قوات «الدرق» الحبشية عن إقليم
التغيراي وتقدمت نحو أديس أبابا بنحو ١٦٠ كيلومترًا، وأما في جنوب شرق
أثيوبيا فإن فصائل الجهاد التابعة لتحرير أرومو تمتلك قطاعات واسعة من الأراضي
الإقليمية الاستراتيجية فوق هذا وذاك، فإن المعركة الفاصلة التي خاضتها القوات
الأرتيرية واستولت فيها على ميناء مصوع الاستراتيجي قد أفقدت نظام منغستو زمام
المبادرة في أرتيريا بصورة شبه نهائية مما يجعل استراتيجية الحسم العسكري لا محل
لها من الإعراب.
غير أن روح التعنت والتعالي المهيمنة
على حركة النظام الأثيوبي لا تسمح بالاعتراف بحقائق المتغيرات، وهو ما جعل التوجه
الأثيوبي الباحث عن الحلول يتولى شطر «إسرائيل» ظنًّا منه بأن القوة العسكرية هي
مكمن الغلبة والانتصار.. وعلى ما يبدو فإن لجوء النظام الأثيوبي إلى مائدة
المفاوضات يمثل التغيير النوعي في مفاهيم النظام بقدر دلالته على النوايا
الاحتوائية وأساليب الاستهلاك الوقتي للقضايا.. وربما ذهبت فصائل جبهة التحرير
الأرتيرية إلى صنعاء وفي خلدها أن اللقاء مع وفد حكومة الدرك لا يرجى منه إيجاد
حلول؛ بل إن التجارب السابقة وما تمخضت عنه من نتائج كافية لفهم المناهج
الالتوائية لنظام منغستو، غير أن اللقاء له فوائد أخرى بعضها يتعلق بذات الفصائل
ومساعيها لتوحيد وجهات النظر، كما أن بعض تلك الفوائد يتصل بالعلائق الدبلوماسية
طردًا وعكسًا للقضية الأرتيرية.
«إسرائيل» على الخط
لما كانت إسرائيل من البلدان التي
تشرف على شمال البحر الأحمر من خلال خليج «إيلات» فإنها من زمن طويل ترقب بحذر
وانتباه كل التطورات الجارية في المنطقة، خاصة وأنها تعتبر أثيوبيا دولة غير عربية
واقعة بالقرب من «كيانها» لذا عملت بجد طوال السنوات السابقة لإحياء استراتيجية
تقوم على المصالح المشتركة معتمدة على إحياء توازن مع بيئة عربية معادية لإسرائيل..
وأثيوبيا تهتم بضرورة تأمين حرية
الملاحة في البحر الأحمر بما يحقق مصالحها الاستراتيجية خاصة وأنها المنطقة التي
اختارها الغرب للمنطلق التبشيري وللمظهر الكاذب التي لبسته مدعية تمسكها
بالماركسية والاشتراكية!
كل هذه العوامل جعلت من أثيوبيا محطة
مثالية لإسرائيل التي أعادت علاقاتها في شهر نوفمبر ١٩٨٩ معها بعد أن شعر
الكولونيل «منغستو هيلا مريام» بأن الاتحاد السوفيتي متجه لتطبيق نظام
البيرويسترويكا وعزمه على تحييد علاقاته بنظامه الماركسي.. فسارع إلى إسرائيل
أملًا في أن تساعده في الانفتاح على الولايات المتحدة.
والغريب في العلاقات الأثيوبية-
الإسرائيلية التي قطعت عام ١٩٧٣ غداة حرب أكتوبر أنها كانت شكلية؛ فلقد أوقف التعاون بين
البلدين، ولكن ظلت العلاقات في المجال العسكري مستمرة.
أرتيريا.. تغلي!
ويعترف الإسرائيليون بأنهم ونظام
الدرق في وضع حرج لأن أكثر من نصف شعب أرتيريا من المسلمين، وأن تعاظم الدعوة
الإسلامية والصحوة التي يشهدها الإسلام في العالم سيكون لها تأثير مباشر على هذه
العلاقات التي هي بالأساس وجهان لعملة واحدة.
منافع مشتركة
عندما زار أحد كبار المسؤولين
الأثيوبيين الكيان اليهودي في بداية شهر إبريل ١٩٩٠ وهو «كاسا كيبيدي»
الرجل الثاني في حلق النظام قال: «هناك منافع مشتركة تجمع بين أثيوبيا وإسرائيل
وهي منافع «جيواستراتيجية» هدفها حماية البحر الأحمر من سيطرة العرب عليه، وبحيث
لا يصبح بحرًا عربيًّا».
وكيبيدي من المقربين جدًّا من
منغستو، ويجيد «العبرية» لأنه درس الاقتصاد في الجامعة الإسرائيلية عام ١٩٦٠.
وبعد زيارته أعلنت الخارجية
الإسرائيلية أنها لن ترضخ للضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية لأنهم
يعتبرون أثيوبيا الصديقة على البحر الأحمر، ولأنهم لا يريدون أن يتعرض نظام منغستو
للانهيار، وبحيث لا يكون للدول العربية أي نفوذ من خلال استقلال أرتيريا المطلة
على البحر الأحمر.
وتبقى الحقائق
مع تزايد الأصوات الأرتيرية المطالبة
بالإعلان عن الجهاد المقدس لتحرير أرتيريا أعرض بعض من تاريخ مسلمي أرتيريا وأضواء
على الحركة الإسلامية التي بدأت تقود مسيرة الجهاد المبارك.
أمريكا أيضًا
في غضون العام الماضي شهدت الساحة الأثيوبية-
الأرتيرية لقاءات عدة بين الأطراف المتنازعة، كان أهمها اللقاءات
الثلاثة التي نظمت اثنان منها بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق
وسيط غير رسمي هو الرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» وذلك لتمرير السياسة
الرسمية عن طرائق أكثر تحررًا ومرونة؛ حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية تتبنى
مشروعًا تكوينيًّا لصياغة أثيوبيا قلعة للتحالف المسيحي، ويعتمد هذا المشروع على
تحالف القوميات الكبرى ذات الثقل المسيحي التاريخي، وهي الأمهرة والتغيراي،
بالإضافة لمسيحي الأرومو الأريتريين، وهو ما يفسر تركيز مبادرة كارتر على الجبهة
الشعبية لتحرير أرتيريا ذات الوجود المسيحي الواضح، كما أن المسلمين المنتمين
إليها لم يعد أكثرهم يقيم وزنًا للثقافة العربية الإسلامية في صياغة المجتمع
الأرتيري.. غير أن المبادرة الأمريكية حتى الآن لم تسفر عن إمكانية مثولها للواقع،
وظاهريًّا ما زالت الولايات المتحدة -الرسمية- لا ترى جدوى من تعاطفها مع نظام
منغستو بالرغم من أن هذا الأخير أبدى حرصًا شديدًا على إقامة علاقات متميزة معها..
خاصة بعد التغيرات الدولية الكبرى التي أبدلت التحالفات السابقة وتخلت بموجبها دول
المنظومة الاشتراكية عن دعم أثيوبيا؛ حيث كانت ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي
يقدمان كل المتطلبات اللازمة لبقاء النظام الأثيوبي ذي السنحة الماركسية.. وفيما
يبدو أن الدعوة الأمريكية لمشروع أثيوبيا المسيحية مازالت رهن إخفاق الإحساس
القومي تجاه الهيمنة الأمهرية التي يمثلها نظام منغستو ومن قبله النظام
الإمبراطوري، كما أن الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا لا تملك أن تخرج على الإجماع
الأرتيري في تقرير المصير مهما بلغت قوتها العسكرية، ناهيك عن أن كثيرًا من
عناصرها ترفض أساليب التذويب القومي لصالح الشوفينية الأمهرية..
إن نظام الدرك قصم ظهره توالي
الضربات من حركات المقاومة ولم يعد قادرًا على تلقي المزيد، كما أن سوء الإدارة
والانهيار الاقتصادي أتى على كل بادرة في معالجة أوضاعه الصعبة، وتبقى الإمكانية
في إنعاشه معتمدة حسب خططه على الخارج الذي تمثله إسرائيل، وهو ما لم يف بالمطلوب
مع الإخفاقات والاختناقات الاقتصادية والسياسية، بالإضافة لفقدانه لإمكانية
الاستمرار مع سرعة الإشكالات المتولدة عن الهزائم العسكرية، هذا إضافة للمجاعة
التي تحصد البلاد بصورة مأساوية.. فمن أين يأتيها الفرج؟!
إن القضية الأرتيرية -فيما نرى- قد توجهت، وإن
النصر آت بإذن الله؛ إلا أن قوى الشر لن تقف مكتوفة الأيدي حتى يتحول مشروعها
الاستراتيجي إلى كابوس مزعج، وهو ما يجعل المعركة حامية الوطيس والقضية لها
ملابساتها الدولية خاصة فيما يتعلق بالتقدم الإسلامي في القرن الإفريقي والهيمنة
العربية على البحر الأحمر.
ولذا فإن مصالح الولايات المتحدة كما
ذكر جون فوستر دلاس وزير خارجية أمريكا في مطلع الخمسينيات لا تتوافق واستقلال
أرتيريا، وهي استراتيجية غير قابلة للتبدل ما لم تعمل إرادة الشعب الأرتيري فعلها
حتى تأخذ زمام المبادرة بيدها، وبالطبع فإن مشوار التحرر يبقى أكبر من الإمكانية
الأرتيرية المنفردة، ولابد أن يدعم ذلك بجهود صادقة من قبل الدول العربية
والإسلامية والتي تتصل مصالحها مباشرة بفك التحالف الإسرائيلي- الأثيوبي الساعي
لخنق شريان البحر الأحمر وإخراجه من دائرة الوجود العربي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل