; بعد انتقال أردوغان للرئاسة.. تركيا في مواجهة تحديات كبرى | مجلة المجتمع

العنوان بعد انتقال أردوغان للرئاسة.. تركيا في مواجهة تحديات كبرى

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الاثنين 01-سبتمبر-2014

مشاهدات 63

نشر في العدد 2075

نشر في الصفحة 39

الاثنين 01-سبتمبر-2014

ـ مصير العدالة والتنمية بعد انفصال مؤسسه ورئيسه وزعيمه على مدى 12 عاماً.. على المحك

ـ حزبا "الوطن الأم" و"الطريق القويم" اندثرا بعد انتقال رئيساهما للرئاسة.. هل يلقى حزب العدالة والتنمية المصير نفسه؟

ـ سقف خطاب أردوغان كان أعلى بكثير من سقف الشارع أو الأحزاب فكيف ستكون وجهة تركيا بعد توليه الرئاسة تراجعاً أم ثباتاً أم تقدماً؟

ـ الانتخابات البرلمانية القادمة ستحدد وجهة تركيا في العشرين عاماً القادمة

ـ إذا ما خسر الحزب الحاكم أغلبيته المطلقة.. أصبح ضرورياً تحديد صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء

ـ قادة تركيا يطمحون لاستكمال المسيرة وصولاً لأهداف تركيا القوية عام 2023م وعلى رأسها الدخول لأفضل 10 اقتصادات في العالم

لم تحمل نتائج انتخابات الرئاسة التركية أي مفاجأة تذكر، فأصبح رئيس الوزراء الحالي رجب طيب اردوغان الرئيس الثاني عشر للجمهورية التركية، وأول رئيس ينتخب من قبل الشعب بالاقتراع المباشر.. الأمر الذي ينقل النقاش بشكل تلقائي لاستحقاقات ما بعد الانتخابات الرئاسية في تركيا، وانعكاساتها على مختلف الملفات الداخلية والخارجية التي تهم تركيا ودول المنطقة.

نحو نظام رئاسي

لم يخف اردوغان يوماً رغبته في تحويل النظام البرلماني في تركيا إلى نظام رئاسي ورؤيته أنه أفضل وانسب لتركيا من النظام الحالي، لكنه لم يستطع ذلك، إذ لم تتفق الأحزاب الأربعة المنضوية تحت قبة مجلس الأمة التركي على صياغة الدستور الجديد، لكنه أيضاً لم يعلن يوماً عن تراجعه عن هذا الحلم وهذه الرؤية.

خلال حملته الانتخابية أكد الرجل غير مرة أنه في حاله انتخابه سيستعمل "كل صلاحياته" التي يعطيها الدستور لرئيس الجمهورية، والتي لم يستعملها الرؤساء قبله لسنين طويلة، تحديداً منذ انقلاب عام 1980م، باعتبار أن السلطات كانت بيد رئيس الحكومة (المنتخب) بينما كان الرئيس (المنتخب من قبل البرلمان) يكتفي بمنصب شبه بروتوكولي، الأمر الذي يعني تغيير النظام السياسي في تركيا إلى نظام شبه رئاسي تحت وطأة التطبيق العملي وسياسة الأمر الواقع، ثم يتوقع أن يتغير ذلك نظرياً ودستورياً، وقد يصل إلى شكل النظام الرئاسي الكامل، من خلال صياغة دستور جديد أو طرح بعض التعديلات القانونية والدستورية على استفتاء شعبي.

ولئن كانت هذه الصلاحيات التي يعطيها الدستور لرئيس الجمهورية ليست مطلقة ولا تقود بشكل آلي إلى نظام رئاسي، لكنها أيضاً صلاحيات لا يستهان بها ويمكن البناء عليها، خاصة مع شخصية قوية وطموحة مثل أردوغان، فالدستور يعطي الرئيس حق اختيار رئيس الوزراء، وأعضاء المحكمة الدستورية، وتعيين رؤساء الجامعات (بعد انتخاب أولي من قبل الهيئة التدريسية في كل جامعة)، ورئاسة اجتماعات الحكومة ومجلس الأمن القومي شهرياً، إلى غيرها من الصلاحيات التي تجعل الرئيس في قلب الحدث وعلى رأس منظومة اتخاذ القرار.

ولئن كانت الفترة الممتدة من الآن وحتى الانتخابات البرلمانية المقبلة في 2015م لن تحمل – في غالب الظن – أي إشكاليات تتعلق بتنازع السلطات، باعتبار أنه من المتوقع أن يكلف أردوغان برئاسة الحكومة أحد قيادات العدالة والتنمية المتفقة معه في الفكرة والموقف والمتناسقة معه في الأداء السياسي، إلا أن مرحلة ما بعد الانتخابات قد تحمل الجديد، إذا ما خسر الحزب الحاكم أغلبيته المطلقة، وصار الأمر إلى حكومة ائتلافية أو حكومة من حزب آخر.. هنا، سيصبح من الضروري بمكان تحديد صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بطريقة تراعي شرعية كل منهما الانتخابية وتمنع التعارض أو التضاد أو التشابك في الصلاحيات، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى أهمية صياغة دستور جديد للبلاد يتوافق مع المرحلة الحالية، بعد أن حكمت تركيا بدستور عام 1980م الذي صاغه قادة الانقلاب العسكري حينها، مع بعض التعديلات التي طرأت عليه في عدة مناسبات.

الحزب الحاكم بعد أردوغان

لا شك أن أحد أهم تحديات أردوغان بشكل شخصي، والحزب الحاكم وتركيا بشكل عام، هو مصير العدالة والتنمية بعد انفصال مؤسسه ورئيسه وزعيمه على مدى 12 عاماً وانتقاله لقصر "تشانقايا" الرئاسي، ذلك أن الرجل بشخصيته وإمكاناته وخبرته والكاريزما التي يملكها كان القائد المتوج الذي يخضع له الجميع، ولذلك غاب عن قاموس الحزب حتى الآن مفردات الانقسام والتيارات والانشقاقات، فهل يحمل المستقبل شيئاً مغايراً له بعد اليوم؟

حسناً، إن تاريخ تركيا غير مشجع في هذا الإطار، فهناك تجربتان ماثلتان للعيان ومشابهتان جداً لتجربة العدالة والتنمية، لقد كان حزب "الوطن الأم" ملء السمع والبصر يوم أن كان الرئيس الراحل تورجوت أوزال على رأسه، لكنه اندثر أو يكاد بعد أن انتقل الأخير إلى كرسي الرئاسة، فافتقد الحزب مؤسسه وموجهه والشخصية التاريخية التي يجمع عليها الجميع، مما أودى بالحزب إلى أودية الضعف والنسيان، ويمكن قول نفس الأمر تقريباً عن حزب "الطريق القويم" ما قبل وما بعد الرئيس الأسبق سليمان دميريل، حيث لا وجود للحزبين في الخارطة الحزبية البرلمانية أو الحياة السياسية الفاعلة، ويكتفيان بالاسم والتوصيف على الأوراق، وفي صفحات التاريخ.

ضمن هذا الإطار تطرح قضية خلافة أردوغان سؤالين رئيسين، أحدهما يتعلق بتجديد الدماء في قيادة الحزب، والثاني يتعلق بالمحاور داخله، ذلك أن الأسماء المطروحة حتى الآن لقيادة الحزب (على الأقل حتى الانتخابات البرلمانية العام القادم) كلها من الصف الأول المؤسس للحزب، باستثناء وزير الخارجية الحالي أحمد داود أوغلو الذي انضم إليه لاحقاً، لكنه أيضاً من قيادات الصف الأول.

الأمر الذي يطرح تخوفاً مشروعاً فيما يتعلق بمستقبل الحزب وتطويره عبر نقل القيادة للجيل الجديد، فمن بين الأسماء المطروحة نواب رئيس الحزب بولند أرينتش ومحمد علي شاهين وعلي باباجان ونعمان كورتولموش، والوزير السابق بن علي يلدرم، إضافة إلى الرئيس السابق عبدالله جول، وأغلب هذه الشخصيات من المحاربين القدامى مؤسسي الحزب الذين يمنعهم النظام الداخلي فيه من الترشح للبرلمان وتسلم أي حقائب وزراية بسبب مادة "المدد الثلاث المتتالية" فيه.

المعارضة التركية

لاشك أن أكبر الخاسرين في الانتخابات الرئاسية هي المعارضة التركية، ليس فقط لأنها الانتخابات التاسعة على التوالي التي تخسرها أمام العدالة والتنمية منذ 2002م، لكن أيضاً لأن توحد 14 حزباً، في مقدمتهم حزبا المعارضة الرئيسان الشعب الجمهوري والحركة القومية، لم يغن مرشحهم التوافقي أكمل الدين إحسان أوغلو من الخسارة شيئاً أمام أردوغان، وكما هي الأعراف السياسية، فإن الهزيمة تبحث دائماً عن مسؤول عنها وضحية لها، وتشير كل التوقعات والتطورات إلى رئيسي حزبي المعارضة كمال كليتشدار أوغلو ودولت بهجلي.

تركيا والسياسة الخارجية

إحدى أهم القضايا التي تشغل بال المراقبين، وخاصة من منطقة الشرق الأوسط، هي تأثير هذه الانتخابات المفصلية على السياسة الخارجية التركية، تحديداً فيما يتعلق بقضايا المنطقة، إذ لاشك أن تركيا دولة إقليمية كبيرة وحاضرة على الصعيد العالمي، كما كان لها دائماً، وخاصة مع الربيع العربي، مواقف جيدة وداعمة للحراك الثوري في البلاد العربية، من منطق دعم حرية الشعوب وحقها في صياغة مستقبلها، صادف ذلك مصالح تركيا أم عارضها.

واللافت في الموقف التركي – خلافاً لكثير من الدول – أن سقف خطاب رئيس الوزراء (السابق) أردوغان يبدو أعلى بكثير من سقف الشارع أو الأحزاب السياسية المختلفة، وهو ما يطرح سؤالاً منطقياً حول وجهة تركيا بعد توليه الرئاسة، تراجعاً أم ثباتاً أم تقدماً.

لا شك أن منصب الرئاسة ما زال مقيّد الصلاحيات، حتى مع تفعيل مواد الدستور الخاصة به، وهو ما قد يشير إلى حدود معينة لن يستطيع الخطاب التركي الرسمي أن يتخطاها، فضلاً عن أن يترجمها إلى سياسات على الأرض، ولذلك، فليس من المتوقع، والحال كذلك، أن يطرأ تغير كبير على سياسة تركيا الخارجية، بل سنشهد تأكيداً على نفس الرؤية واستمراراً لذات الخطوات، في المرحلة الأولى على الأقل.

لكن استقرار مفردات السياسة الداخلية، واشتعال المحيط العربي أكثر فأكثر سيضطر تركيا للتفاعل بشكل أعمق وربما فعلي – ميداني أحياناً في تطورات المنطقة.

ولئن كانت التفاعلات في ملفات مثل العدوان على غزة والثورة في سورية والانقلاب في مصر يمكن التعامل معها عن مسافة معينة، إلا أن تطورات الوضع في العراق ربما لن تترك لتركيا رفاهية التحدث من بعيد، مع الزحف المستمر لمنظمة "داعش" نحو الحدود التركية، والتغيرات السياسية في المشهد السياسي العراقي، وقد رأينا أولى ثمرات التدخل الإيجابي التركي، حين صرح وزير الخارجية داود أوغلو أن تركيا شاركت في منع حدوث انقلاب عسكري في العراق، من خلال إعفاء المالكي من مسؤولياته وتكليف العبادي بتشكيل الحكومة.

من ناحية أخرى، ليس من المنتظر أن يشهد ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أي تطورات إيجابية ملموسة في الفترة القادمة، إذ لازالت أولوية صانع القرار التركي داخلية منذ أحداث "جزي بارك" العام الماضي، ولا زالت المواقف والبيانات الأوروبية والغربية بشكل عام سلبية بخصوص تركيا، الأمر الذي تعتبره تركيا استهدافاً لها على خلفية الافتراق في المواقف في عدد من القضايا، على رأسها السورية والمصرية.

الجمهورية الثانية

هكذا، تمر تركيا بمرحلة تاريخية مهمة، ربما هي الأخطر في تاريخها المعاصر، وهي التي ستحدد – مع الانتخابات البرلمانية القادمة – وجهتها في العشرين سنة القادمة. فأردوغان - ومن خلفه حزب العدالة والتنمية - مصمم على الاستمرار في مسيرة التنمية والتطوير التي قطعت تركيا منها أول 12 عاماً، وكان عنواناها الأبرز التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

ففي هذه السنوات تحولت تركيا من دولة صغيرة منكفئة على نفسها إلى قوة إقليمية مؤثرة، ومن دولة مدينة يتحكم بسياساتها صندوق النقد الدولي إلى دولة دائنة تقرض هذا الأخير.

ويدرك قادة تركيا أن المسيرة ما زالت في أولها وتحتاج للاستكمال وصولاً إلى أهداف تركيا القوية عام 2023م، الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، وعلى رأسها دخول نادي العشرة على مستوى اقتصادات العالم.

لكن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفي، لذلك عكفت الحكومة التركية بقيادة أردوغان على تدعيم السلم المجتمعي عبر حل المشكلة الكردية من خلال "عملية السلام"، والتي ستدخل - وفق توقعنا – في طور تسريع جديد ومهم، سيما إذا ما دعمت بحزمة إصلاحات ديمقراطية مقبلة، تمهيداً لترسيخ كل هذا التطور في المجال الحقوقي - الثقافي في دستور البلاد الجديد المزمع صياغته بعد انتخابات مجلس الشعب في 2015م.

أهمية هذه القضية وحساسيتها توحي بتشكل تحالف انتخابي أو سياسي مقبل بين العدالة والتنمية وحزب ديمقراطية الشعوب (الكردي) لإتمام عملية السلام وصياغة الدستور الذي يتطلب موافقة ثلثي البرلمان القادم، كما أن أردوغان سيكون أمام استحقاق تخفيض حدة الاستقطاب المجتمعي والسياسي في البلاد من خلال الخطاب الذي سيتبناه خلال فترة رئاسته.

كما أنه أكد في كل خطاباته على أن الحرب على التنظيم الموازي في مؤسسات الدولة سيكون من أولى أولوياته، لبناء تركيا قوية مستقلة القرار ومستقرة البنيان، ولعل الأسابيع التي سبقت الانتخابات حملت تسخيناً لهذا الملف يشي بالكثير من التطورات فيه في المستقبل القريب.

كل هذه الملفات وغيرها ستكون في ذهن وعلى طاولة الرئيس الجديد لتركيا وهو يخطط للسنوات الخمس القادمة في حكم تركيا، وربما الخمس التي تليها كما يخطط ويأمل، لتشهد تركيا ذكرى تأسيسها المائة، عام 2023م في عهده، وهي على أبواب عهد جديد، يختلف تماماً بمفرداته وأشخاصه وقياداته وسياساته عن عهد الجمهورية الأول الذي صاغة وقاده مصطفى كمال أتاتورك، بعد كل المتغيرات وكل التطورات التي عاشتها البلاد، وهي ما يرشحه بقوة وتجرد لأن يسمى بحق عهد الجمهورية الثانية في تركيا.

الرابط المختصر :