العنوان بعد تجاوزه اختبار الثقة.. تحديات صعبة في مواجهة «الخصاونة»
الكاتب براء عبدالرحمن
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 34
الجمعة 23-ديسمبر-2011
- أبلغ الخصاونة جميع النواب أنه لن يستعين بصديق ولن يمارس أي ضغط ترغيبا أو ترغيبا وأنهم أحرار فيما سيذهبون إليه في تصويتهم على البيان الوزاري
- حكومة الخصاونة حصلت على ثقة 89 نائبا وحجب 25 نائبا وامتناع 3 نواب وغياب نائبين
- المطلوب من حكومة الخصاونة أن تكافح الفساد مكافحة حقيقية.. وتقدم الفاسدين إلى محاكمات علانية لا تستثني أحدا
اجتاز د . عون الخصاونة، رئيس الوزراء الأردني، الاختبار الأول في مسيرته التي بدأت منذ أقل من شهرين، حيث كان هذا الاختبار في قاعة البرلمان الأردني، حيث كان بعض أعضائه يتوعدون الخصاونة وحكومته بحجب الثقة عنهم قبل أن تقدم الحكومة بيانها الوزاري، الذي على أساسه تمنح الثقة أو تحجب!
ولعل حكومة الخصاونة هي الحكومة الأردنية الأولى في عهد الملك عبد الله الثاني التي تحصل على ثقة البرلمان بدون مساعدة، حيث دأبت الحكومات الماضية على الاستعانة بأجهزة متنفذة في الدولة لإقناع النواب بالتصويت للحكومة في حالات كانت بحاجة إلى أصواتهم لنجاح بيانها الوزاري أو لتمرير قرارات ومشاريع معينة تريد إقرارها.
الغريب أن الحكومات الأردنية تحرص على تسجيل «أرقام قياسية» في عدد الأصوات التي تحصل عليها في جلسة التصويت على الثقة، لذا سجلت حكومة سمير الرفاعي رقما قياسيا لم تصل إليه أي حكومة أردنية سابقة لا في عهد الملك الراحل الحسين ولا في عهد الملك الحالي عبد الله الثاني، ولا يتوقع أن تحصل عليه أي حكومة أردنية قادمة إذا حصلت حكومة سمير الرفاعي على ثقة 111 نائبا من إجمالي عدد النواب الذين حضروا جلسة التصويت وعددهم 119 نائبا «العدد الكلي 120 نائبا»، والغريب أنه بعد مرور 40 يوما فقط من منح مجلس النواب الثقة شبه المطلقة لحكومة الرفاعي، قام الملك بإقالتها!
وعودة إلى الخصاونة، فإنه أبلغ جميع النواب أنه لن يستعين بصديق، وأنه لن يمارس أي ضغط على النواب ترغيبا أو ترهيبا، وأنهم أحرار فيما سيذهبون إليه في تصويتهم على البيان الوزاري، لذا كانت الرسالة واضحة للجميع بأنه «لا عطايا» لمن يمنحون ثقتهم كما كانت الحال سابقا، ولا عقاب لمن يحجبون ثقتهم.. من هنا كانت التخوفات أن يشرب النواب «حليب السباع» كما يقال في المثل الشعبي الأردني، ويسقطون حكومة الخصاونة، خصوصا وأن كثيرا منهم استاء من تشكيلة الحكومة، التي خلت من أي نائب، إضافة إلى مخاوفهم من قيام الحكومة بالإيعاز إلى الملك بحل مجلس النواب الذي لا يزال أمامه ثلاثة أعوام لانتهاء مدته الدستورية.
حكومة الفرصة الأخيرة
المهم أن حكومة الخصاونة حصلت على ثقة 89 نائبا، وحجب 25 نائبا، وامتناع 3 نواب، وغياب نائبين.. هذه النتيجة شكلت مفاجأة في الأوساط السياسية، وفي مقدمتها الحكومة نفسها، حيث كانت التقديرات تشير إلى أن عدد الأصوات التي ستحصل عليها الحكومة ستتراوح ما بين 70 و80 صوتا، ولا شك أن نجاح حكومة الخصاونة بهذا العدد شكل دعما معنويا لها، خصوصا وأنها تعرضت لانتقادات شديدة.
لقد وصفنا حكومة الخصاونة بأنها حكومة «الفرصة الأخيرة»، ولم نكن بذلك مغالين أو متشائمين، وإنما معبرين عن نبض الشارع الأردني، الذي كان يعيش حالة من الغليان لم يسبق لها مثيل، وكانت المؤشرات تتجه نحو «الانفجار»، فجاء تعيين الخصاونة وهو القاضي الدولي الذي جاء من محكمة لاهاي ليسهم في إنقاذ بلده كما قال، ليكون بمثابة «الإسفنجة» التي تمتص غضب الشارع في ظل الربيع العربي الذي أوشك أن يصل إلى ربوع الأردن، فالشعب الأردني كغيره من الشعوب العربية «يمهل ولا يهمل»، وأن الحكومة الجديدة ستحاسب على أفعالها لا أقوالها
سؤال مطروح.. «المجتمع» التي أتيح لها اللقاء مع شخصيات سياسية أردنية متعددة لخصت التحديات التي تواجه حكومة الخصاونة، فيما يلي:
١ - الأزمة الاقتصادية: حيث يعيش الأردن مأزقا اقتصاديا لم يسبق له مثيل، فالمديونية تجاوزت 17 مليار دولار، ونسب البطالة في ازدياد كبير، في مقابل إيرادات لا تكاد تغطي النفقات، وقد انعكست الأزمة الاقتصادية على أحوال الناس المعيشية، فلهيب الأسعار يكاد يحرق الناس، والرواتب متدنية إلى درجة لا تقوى على تلبية الحاجات الأساسية، ويبقى هنا السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن لحكومة الخصاونة أن تقدمه للناس في ظل هذاالوضع الاقتصادي الخانق؟!
٢ - ملف الفساد: إذ يشكل هذاالملف استفزازا للمجتمع الأردني الذي هزته وتهزه قصص الفساد التي تروي في الصالونات السياسية والمجالس الشعبية، حتى أن روائحها قد زكمت الأنوف، وأصبحت مادة دسمة يتناولها الصغار والكبار دون حرج أو تحفظ، وانتقل النقاش فيها إلى أروقة البرلمان ومنابر الإعلام، والمؤسف أن الحكومات السابقة كانت تتحدث عن محاربة الفساد، ولكن كان الرأي العام يفاجأ بعد ذهاب هذه الحكومات أنها متورطة في الفساد، ولعل مثال «كازينو القمار» الذي تورطت فيه حكومة معروف البخيت الأولى «2005 – 2007»، يمثل مثالا صارخا على ذلك، وعندما طرحت قضية الكازينو خلال حكومة البخيت الثانية «2011 م» التي لم تستمر أكثر من 9 أشهر، تمت تبرئة البخيت في مجلس النواب على الرغم من أن لجنة التحقيق النيابية أدانته.. إذًا المطلوب من حكومة الخصاونة أن تكافح الفساد مكافحة حقيقية وأن تتم محاكمة الفاسدين في محاكمات علنية لا تستثنى أحدا، وإذا تجرأت حكومة الخصاونة على فتح ملفات الفساد بشفافية ونزاهة، فإنها ستستعيد ثقة الرأي العام الأردني بحكوماته، فضلا عما يمثله ذلك من وقف لهدر المال العام، وإنعاش لخزائن الدولة.
٣ - صياغة قوانين عصرية وحضارية تشمل:
قانون الانتخابات البلدية، قانون الانتخابات النيابية، قانون الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، قانون الأحزاب السياسية، إضافة إلى فتح الباب أمام تعديلات دستورية جوهرية، ولا بد لنجاح ذلك من أخذ ملاحظات القوى السياسية والاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، بعين الاعتبار، إذ إن صياغة تلك القوانين بعيدا عن القوة الأساسية والحقيقية، يعني استمرار الأزمة السياسية في الأردن.
٤ - تجسيد الولاية العامة للحكومة من الناحية العملية:
إذ يحسب للخصاونة أنه تحدث بوضوح كامل، أن الولاية العامة حسب الدستور الأردني هي للسلطة التنفيذية «الحكومة»، وأنه لن يسمح لأي جهة كانت سلب صلاحيات هذه الحكومة أو التدخل في اختصاصاتها، أو إنشاء حكومة ظل كما كان عليه الأمر سابقا، ومن المؤكد أن تحقيق ذلك لن يكون أمرا سهلا، فمراكز القوى والشد العكسي الموجودة لن تتساهل في تجريدها من النفوذ والامتيازات التي تتمتع بها، وستعمل على مقاومة سلبها لما اعتادت وتعودت عليه طيلة سنوات خلت.
٥ - ملف سحب الجنسيات
وهو من الملفات الشائكة التي تشكل تهديدا حقيقيا لـ«الوحدة الوطنية» التي يتغنى بها الجميع، ولكن على أرض الواقع تجري الأمور خلاف ذلك تماما، وهذا الملف يمس شريحة واسعة من الأردنيين من أصل فلسطيني، الذين وصفهم الخصاونة في أحد تصريحاته، بأنهم ينامون أردنيين ويستيقظون فيجدون أنفسهم غير أردنيين!
إذا لم تبادر حكومة الخصاونة إلى إيجاد آليات عملية لوقف سحب الجنسيات، وإعادة الجنسيات التي تم سحبها دون وجه حق، فإن هذا الملف سيبقى «قنبلة موقوتة» يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
تلك هي أهم وأبرز الملفات التي تواجه حكومة الخصاونة، وتمثل امتحانا حقيقيا لها، وهو ما يدركه الخصاونة جيدا، وهو عاقد العزم،كما تشير مصادر مقربة منه إلى تحقيق إنجازات و«اختراقات» في القضايا المشار إليها، وهو ما ستثبت الأيام القادمة مصداقيته.