العنوان بعد ٢١ عامًا.. هل وضعت الحرب أوزارها في جنوب السودان؟
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 95
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 18
الجمعة 11-يونيو-2004
وقع وفدا الحكومة السودانية برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان والحركة الشعبية بزعامة جون جارائج في مدينة نيفاشا الكينية يوم ٢٦ مايو الماضي على ثلاثة بروتوكولات حول اقتسام السلطة، والمناطق الثلاث المتنازع عليها في جبال النوبة والنيل الأزرق وأبيي بعد 9 أشهر من التفاوض. فهل ينهي الاتفاق الحرب الأهلية التي بدأت قبل ۲۱ عامًا، بعد أن لم يبق الآن غير تسوية الجوانب الإجرائية مثل الوقف الدائم لإطلاق النار وترتيبات الفترة الانتقالية قبل إبرام اتفاق سلام شامل في شهر يوليو المقبل؟
وفي كينيا قال الرئيس الكيني مواي كيباكي في بيان تلاه وزير خارجيته كالونزو موسيوكا بعد توقيع الاتفاق: «هذا انتصار ليس فقط للشعب السوداني الذي طالما رغب في السلام والاستقرار لبلاده، لكنه انتصار للقارة بأكملها». وعقب التوقيع قال جارائج رئيس الحركة الشعبية: «وصلنا إلى القمة الأخيرة في سعينا الدؤوب للوصول للسلام. وعندما وقعنا اتفاق الترتيبات الأمنية أعتقد أننا وصلنا قمة التل، ولكن واجهتنا تلال أخرى» وأضاف: «إن العمل الأول هو التصالح والمصالحة وإزالة المشكلات المصطنعة بين الشمال والجنوب ونقول: لا للسلاح والحرب والدمار وسنبدل أسلحة الدمار بأسلحة البناء». وبعد توقيع الاتفاق ألمح الرئيس السوداني عمر البشير إلى أنه سيرفع حالة الطوارئ المعلنة في البلاد منذ خمس سنوات بعد توقيع الاتفاق النهائي للسلام وإجراء انتخابات اختيار حكام الولايات، مشيرًا إلى أن الحرب التي كانت تستهلك ۸0٪ من الجهود الرسمية والشعبية.
أبرز ما في الاتفاق
ينص الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بنسبة ٥٢% لـ المؤتمر الوطني،الحاكم و ۲۸% للحركة الشعبية و ١٤% للقوى السياسية الأخرى. و٦% للجنوبيين. واعتمد الطرفان اللغة الإنجليزية إلى جانب اللغة العربية، لغتين للعمل في البلاد كما أكد إجراء انتخابات عامة مع انتهاء الفترة الأولى من المرحلة الانتقالية.
ويحدد الاتفاق شكل الحكم خلال فترة انتقالية مدتها ست سنوات،بأنه«حكم لا مركزي،ترتبط فيه حكومات الولايات بعلاقة محددة مع الحكومة المركزية، واتفق الطرفان على تكوين مفوضية قومية لعرض دستور انتقالي «ليحكم المرحلة الانتقالية».وأكدا احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وإنشاء «مفوضية» لحقوق الإنسان «تلتزم المعاهدات الدولية للحقوق السياسية والمدنية ومناهضة التمييز العنصري وحقوق الطفل ومعاهدة الرق لسنة ١٩٢٦ والمعاهدة الإفريقية لحقوق الناس»ويفصل الاتفاق مفاهيم الطرفين لـ «الحريات الشخصية وحظر العبودية وتجارة الرقيق ومنع التعذيب »كما يعرض لما وصفه بـ«المحاكمات النزيهة،ومنح المتهمين فرص الدفاع عن النفس ومعرفة الاتهامات حال الإيقاف وتأكيد براءة المتهمين حتى يتم الحكم عليهم »،.
واتفق الطرفان على إطلاق «مبادرة العملية شاملة للمصالحة وبناء السلام» وإجراء إحصاء سكاني نهاية العام الثاني من المرحلة الانتقالية، تتبعه انتخابات عامة على كل مستويات الحكومة بنهاية العام الثالث من الفترة الانتقالية «مع مراقبة دولية وتمثيل الجنوب والشمال على المستوى القومي حسب الكثافة السكانية».
ويحدد الاتفاق مؤسسات الحكم وهي:
المؤسسة التشريعية: (مجلس ثنائي مكون من مجلس وطني ومجلس الولايات). والتنفيذية والقضائية ومؤسسات ومفوضيات أخرى. ويجيز المجلسان الوطني والولائي توزيع الموارد والعائدات، فيما يجيز «الوطني» الموازنة الوطنية العامة. ويحق للمجلسين تعديل الدستور «بغالبية ٧٥% من أعضاء كل منهما في جلسات منفصلة» ويتكون المجلس الولائي من ممثلين لكل من الولايات الست والعشرين ويتوجب إجازة إعلان الحرب والطوارئ من قبل المجلس التشريعي.
السلطة التنفيذية:وتضم الرئاسة ومجلس الوزراء،ويكون للرئيس نائبان. ويقر الاتفاق «شراكة الأطراف في عملية صنع القرار داخل المؤسسة الرئاسية لحماية اتفاق السلام». ويكون الرئيس الحالي عمر البشير أو من ينوب عنه رئيسًا ورئيس «الحركة الشعبية» أو من ينوب عنه نائبًا أولًا للرئيس ورئيسًا لحكومة الجنوب وقائدًا عامًا للجيش الشعبي. ويحدد
بروتوكول السلطة القرارات التي تتخذ بالإجماع بين الرئيس ونائبه الأول وهي إعلان حال الطوارئ، وإعلان الحرب، والتعيينات المطلوبة لاتفاق السلام ودعوة المجلس الوطني للانعقاد.
وبعد انتهاء النصف الأول من المرحلة الانتقالية يتم إجراء انتخابات لاختيار رئيس البلاد الذي يعين نائبين أحدهما من الجنوب والآخر من الشمال، وإذا كان الرئيس المنتخب من الشمال يكون نائبه الشخص المنتخب الرئاسة حكومة الجنوب، أما إذا فاز مرشح من الجنوب بالرئاسة فيجب تعيين نائبه الأول من الشمال. وإذا شعر منصب الرئيس تباشر مؤسسة الرئاسة مهماته وتتكون من النائب الأول ورئيس المجلس الوطني ونائب الرئيس، على أن يختار «المؤتمر الوطني» رئيس البلاد خلال ١٥ يومًا إذا حصل ذلك قبل إجراء الانتخابات. أما بعد الانتخابات فيتم انتخاب رئيس جديد خلال ٦٠ يومًا من فراغ المنصب». وينطبق ذلك على رئيس مجلس الجنوب، ويعتبر الرئيس ونائباه أعضاء في مجلس الوزراء.
وفي موازاة نسب تشكيل الحكومة نص الاتفاق على تمثيل الجنوبيين في الخدمة المدنية العامة بنسب تتراوح بين 20 و 30%وأن يكون الاختيار مبنيًا على الكفاءة والمؤهلات.ويؤكد إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتكوين مجلس الأمن الوطني.
ويفصل الاتفاق أوضاع الحكومات الولائية مؤكدًا تمثيل «الحركة الشعبية» بنسبة ٧٠% في حكومة الجنوب، والمؤتمر الوطني بنسبة ١٠% والجنوبيين بنسبة %١٥ على أن «يمثل المؤتمر الوطني»، بنسبة ٧٠% في الولايات الشمالية، والشعبية بنسبة ١٠% والقوى الشمالية بنسبة ١٥% في المجالس التشريعية والحكومة «التنفيذية». كما يحدد مؤسسات الحكم في الجنوب بثلاثة مجالس: تشريعي وتنفيذي وقضائي.
القضاء: ويشدد الاتفاق على أن القضاء والمحاكم التي تفرض العقوبات على غيرالمسلمين يجب أن تراعي مبادئ الشريعة في التعامل مع غير المسلمين وعدم تطبيق الحدود عليهم، وتنشأ مفوضية خاصة من جانب الرئاسة لحماية حقوق غير المسلمين وعدم تأثرهم بقوانين الشريعة الإسلامية في الخرطوم. كما يشير الاتفاق إلى القضاء والمحاكم العليا والاستئناف والدستورية.
العاصمة:يؤكد الاتفاق«أن الخرطوم هي العاصمة القومية وهي رمز للوحدة الوطنية التي تعكس التعدد في السودان ويشارك «المؤتمر الوطني»،«والحركة الشعبية»،في إدارة العاصمة بشكل تمثيلي»،وأن قوانين العاصمة ستحترم تمثيل نسبة الكثافة السكانية وتراعي حساسية التنوع الثقافي والاجتماعي والديني».
ويشير إلى «أن التسامح هو الأساس بين العادات والثقافات والأديان المختلفة»، معتبرًا «أن التصرفات التي تعبر عن عادات وثقافات من دون أن تؤذي النظام العام أو العادات الأخرى أو القانون، تعد حريات شخصية».
اللغات: وبالنسبة إلى لغات السودان يؤكد الاتفاق أن كل«اللغات المحلية هي لغات وطنية يجب احترامها وتنميتها وتطويرها، وأن اللغة العربية هي لغة وطنية واسعة الانتشار في السودان»«ويعتمد العربية لغة غالية على المستوى القومي»، والإنجليزية «لغتين رسميتين للحكومة القومية وللتعليم العالي».ويسمح باستخدام أي لغة وطنية أخرى،إضافة إلى العربية والإنجليزية للتعامل على مستوى الحكومات الفرعية، ويحرم التمييز في استخدام أي لغة على أي مستوى في الحكومة أو التعليم.ويضع الاتفاق خطوطًا عامة للسياسة الخارجية لتحقيق المصالح السودانية.
توقفت إلى غير رجعة.
كما أكد البشير أن حكومته ستستقبل الفترة المقبلة بآليات جديدة، ودعا إلى توحيد الصفوف وتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة، ووعد بحل الأزمة في دارفور حتى لا يكون السلام منقوصًا، وتوقع أن تتحسن علاقات حكومته مع مؤسسات التمويل الدولية بعد إحلال السلام.
وعقد النائب الأول علي عثمان مؤتمرًا صحافيًا أعلن فيه أن الخطوة التالية بعد التوقيع على البروتوكولات السنة هي البدء في مناقشة المناهج التفصيلية لهذه البروتوكولات بهدف الاتفاق على الإجراءات الخاصة بوقف إطلاق النار ونشر المراقبين.
وأشار إلى أن الخطوة الأخيرة من مشوار السلام ستبدأ في الثاني والعشرين من يونيو الجاري، ولم يحدد موعدًا بعينه للتوقيع النهائي، معربًا عن أمله في أن تنتهي الإجراءات في نهاية يوليو أو بداية أغسطس. وسيتم التوقيع على الملاحق بالإضافة إلى البروتوكولات الستة بعد اكتمال الإجراءات وبحضور رؤساء دول الإيجاد ورؤساء بعض الدول الأجنبية.
واعتبر علي عثمان أن ما تحقق في نيفاشا بكينيا قرار سوداني خالص لا ضغط فيه ولا إكراه، وقناعة سودانية لتحقيق مصلحة سودانية عليا. ونفي أن يكون السودان ساحة للتدخل الأجنبي عقب توقيع اتفاق السلام، موضحًا أن هناك تحديات-لم يحددها-عليهم مواجهتها، وسيعملون بكل جد من أجل إطفاء كل بؤر التوتر خاصة الصراع في دارفور.
الاتفاق يكرس التقسيم بين الشمال والجنوب حيث يحدد لكل جهة نسبتها في المناصب السياسية والإدارية
وطي صفحات العداء مع دول الجوار. من جهته رحب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بالاتفاق السوداني، لكن رغم استجابة طرفي التفاوض للضغوط الأمريكية، فقد قال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية: «لسنا في وضع يتيح لنا تقديم إعانات أو مساعدات تنشأ من اتفاق سلام إذا ما استمر الوضع في دارفور على ما هو عليه».
وكانت الولايات المتحدة قد مارست ضغوطًا على حكومة الخرطوم من أجل التوصل لاتفاق سلام: أملًا في أن يسجل الاتفاق نجاحًا للدبلوماسية الأمريكية وتغييرًا في العلاقات مع السودان الذي يشهد زيادة في إنتاج النفط رغم الحرب الدائرة فيه والحصار الاقتصادي الجائر عليه.
الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقات لا تشمل النزاع المستمر منذ أكثر من عام بين الحكومة السودانية وحركتي «تحرير السودان» و«العدالة والمساواة» المتمردتين في دارفور غرب السودان والذي تصفه الأمم المتحدة بأنه أحد أسوا الأزمات الإنسانية في العالم.
الخرطوم تقر بروتوكولات السلام الثلاثة
أيد مجلس الوزراء السوداني، اتفاق قسمة السلطة الذي وقع في كينيا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية.
وقد أطلع النائب الأول علي عثمان مجلس الوزراء على تفاصيل بروتوكولات اقتسام السلطة ومستقبل المناطق المهمشة الثلاث: جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي.
وقال وزير الإعلام الزهاوي إبراهيم مالك إن مجلس الوزراء رحب بالاتفاق واعتبر ترجمته مسؤولية الشعب وليس الحكومة وحدها.وقلل من مطالب المعارضة بتحويل الاتفاق من ثنائي إلى قومي وانتقادها ضعف نسبةك مشاركتها في الحكومة الانتقالية.وقال إن الفرصة كانت مفتوحة أمامها،وأن المجال ما زال مفتوحًا لها للمنافسة في الانتخابات التي ستجرى بعد ثلاث سنوات.
وينتظر أن يناقش مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع مشروع قرار يرحب باتفاق الحكومة و «الحركة الشعبية»، يتبعه قراران في الأشهر المقبلة لتشكيل قوات حفظ سلام دولية في السودان عقب إقرار السلام النهائي. ووصف المفوض الأمريكي في الأمم المتحدة ستيوارت هوليداي مهمة البعثة الدولية بأنها ستكون «خطيرة بعض الشيء بسبب مساحة السودان الكبيرة» مشيرًا إلى أن موعد نشر القوات سيكون مرتبطًا بقرار سيصدر هذا الشهر بعد توضيح التقويم اللوجستي لمهمتهم وعددهم ومواقع انتشارهم.
ويرى المراقبون أن الحكومة السودانية يجب أن تأخذ حذرها من هذه الاتفاقيات مع جارانج، كما يحذرون من أخطار انتشار قوات الأمم المتحدة في السودان لأن ذلك يمس بالسيادة.