; بعد إقالة الجنرال ليبيد: هل تتفجر الحرب في الشيشان مرة أخرى؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد إقالة الجنرال ليبيد: هل تتفجر الحرب في الشيشان مرة أخرى؟

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

مشاهدات 56

نشر في العدد 1223

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

  •  هل يلتقي الجنرال لبيد مصير روتسكري؟
  • بعد انتصار حزب الحرب في الكرملين لم يعد هناك شك لدى المقاومة الشيشانية من احتمال تجدد العمليات العسكرية

في حركة استعراضية استهدفت تأكيد قدرته على الحسم والإمساك بزمام الأمور في روسيا الاتحادية وقع الرئيس الروسي يلتسين يوم الخميس 17 اكتوبر الجاري مرسوم عزل مساعده لشؤون الأمن وسكرتير مجلس الأمن القومي الجنرال ألكسندر ليبيد واتهمه بعدم المقدرة على التعامل والتعاون مع هيئات السلطة الأخرى. 

واشار يلتسين الذي يواصل العلاج في مصحة «برفنيجا» الحكومية استعداداً لإجراء عملية جراحية لتغيير بعض شرايين القلب، إلى أنه لن يسمح لأحد بالعبث بالأمن القومي لروسيا، أو تعريض المصالح الروسية للخطر، أو إملاء شروطه على القيادة السياسية. 

إيفان بدلا من ليبيد

ولم تمض ثمانٍ وأربعون ساعة على عزل الجنرال ليبيد من مناصبه الحكومية، حتى أقدم الرئيس الروسي على تعيين عضو البرلمان إيفان ربكين خلفًا له، وكلفه بمواصلة التفاوض مع الزعماء الشيشان والاستمرار في التسوية السلمية التي وضعت اتفاقيات «خسافيورت» أساسها.

لقد بادر سكرتير مجلس الأمن القومي وممثل الرئيس الروسي الجديد في الشيشان إيفان ربكين بالإعلان عن تمسكه بالاتفاقيات السلمية التي وقعها سلفه الجنرال ليبيد مع زعماء المقاومة الشيشانية في الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، تلك الاتفاقيات التي مهدت الطريق لوقف العمليات العسكرية في القوقاز وإحلال السلام الهش بعد حرب ضروس استمرت ما يقرب من عشرين شهراً وخلفت دماراً هائلا وأودت بحياة أكثر من خمسين ألف شخص. 

وأشاد ربكين في حديث للبرنامج التليفزيوني الروسي «المرأة»، يوم الأحد ٢٠ أكتوبر الجاري، بجهود الجنرال ليبيد لإحلال السلام في القوقاز، ودعا الشعبين الروسي والشيشاني إلى استغلال الفرصة المواتية لتسوية القضايا المتنازع عليها بالوسائل السلمية واستعادة الثقة المتبادلة من أجل المصلحة المشتركة.

وكان ربكين قد شغل في السابق منصب رئيس البرلمان في الفترة من ديسمبر عام ١٩٩٢م إلى ديسمبر عام ١٩٩٥م، ولم يتخذ محاولة جادة لوقف الحرب الروسية في القوقاز التي تفجرت في أعقاب الغزو الروسي للأراضي الشيشانية في الحادي عشر من ديسمبر عام ١٩٩٤م، وبعد انشقاقه عن الحزب الشيوعي الروسي؛ حيث كان رئيسًا لمجموعته النيابية البرلمان الذي أعقب انهيار الدولة السوفييتية في ديسمبر عام ۱۹۹۱م حاز ربكين على دعم الرئيس الروسي بوصفه ممثلًا للتيار الاشتراكي الديمقراطي في المجتمع الجديد، وبعد أن رفض الانضمام لخصوم الرئيس الروسي أثناء المواجهة الدامية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في أكتوبر عام ١٩٩٣م، والتي انتهت بقصف مبنى البرلمان «البيت الأبيض»، واعتقال قادته، كوفئ ربكين بتعيينه رئيسا للبرلمان الجديد الذي انتهت صلاحيته في ديسمبر عام ١٩٩٥م. 

وفي محاولة لخلق نظام الحزبين الكبيرين في روسيا كلف الرئيس الروسي يلتسين رئيس حکومته فيكتور تشيرنومربين بتشكيل حزب يمين الوسط، ورئيس البرلمان حينذاك إيفان ربكين بتشكيل حزب «يسار الوسط» لخوض الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر الماضي، ليحقق الأول انتصارًا متواضعًا بحصوله على إحدى عشرة في المائة من أصوات الناخبين، بينما فشل الثاني في تخطي حاجز الخمسة في المائة ليحرم من التمثيل في البرلمان الحالي.

ويجمع المراقبون على تواضع الطموحات السياسية لدى سكرتير مجلس الأمن القومي الجديد إيفان ربكين والتي لا تتخطى الحرص على الاحتفاظ بمنصبه الحالي أطول فترة ممكنة والحيلولة دون «مقايضته» بآخر أسوة بما حدث مع أوليج لوبوف قبل أن يخلفه الجنرال ليبيد في هذا المنصب، بعد إعلان التحالف بينه وبين الرئيس الروسي في الثامن عشر من يونيو الماضي.

وفي ظل غموض مهام مجلس الأمن القومي وافتقاره للنصوص الدستورية التي تعزز من دوره على المسرح السياسي الروسي، تبقى الشيشان الاختبار الاصعب لإيفان ربكين، نظرا للمعارضة المتنامية داخل الأوساط الحكومية والسياسية الروسية للاتفاقيات السلمية مع الزعماء الشيشان. 

وبينما لا يستبعد المراقبون عودة التوتر إلى القوقاز واحتمال تجدد العمليات الحربية بين الروس والشيشان بعد الإطاحة بالجنرال ليبيد، يميل البعض الآخر إلى الاعتقاد بأن القيادة الروسية، ممثلة في رئيس الحكومة فيكتور تشيرتومردین، سوف تحرص على الاستمرار في التسوية السلمية كورقة رابحة له في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وتزامن عزل الجنرال ليبيد من مناسبة الحكومية مع قرار الرئيس الروسي بإقالة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الجنرال ميخائيل كاليسنيكوف وتعيين الجنرال فيكتور سمسونوف خلفًا له، كما أقال الرئيس الروسي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة - نائب قائد القوات الجوية الجنرال فلاديمير كازانتسوف بسبب انحيازه للجنرال ليبيد وتهديده بالامتناع عن تنفيذ قرارات وزير الدفاع الخاصة بتقليص سلاح الجو الروسي.

التطورات التي سبقت إقالة ليبيد

 جاءت التطورات العاصفة التي ألقت بالجنرال ليبيد خارج أسوار الكرملين في أعقاب حادثتين بالغني الأهمية تمثلت الأولى في «الوقائع» التي كشف عنها وزير الداخلية الجنرال أناتولي كو ليكوف في مؤتمر صحفي حول تورط سكرتير مجلس الأمن القومي في التخطيط لانقلاب عسكري استهدف عزل الرئيس الروسي من منصبه وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أما الحادثة الأخرى فتمثلت في قيام الحرس الخاص للجنرال ليبيد في اليوم الثاني على عقد وزير الداخلية لمؤتمره الصحفي، باعتقال أربعة من ضباط وزارة الداخلية لدى اقترابهم من مقر مجلس الأمن القومي في الساحة الحمراء ومصادرة الأسلحة والأجهزة التي كانت بحوزتهم واتهامهم بالتجسس على رئيس المجلس وأعضائه، في أعقاب هاتين الحادثتين عقد رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشيرنومردين اجتماعًا طارئًا لبحث الوضع الأمني على ضوء الاتهامات التي وجهها وزير الداخلية أناتولي كوليكوف للجنرال ليبيد، شارك فيه إلى جانب الثلاثة السابق ذكر أسمائهم وهم وزير الدفاع إيجور روديونوف، ورئيس المخابرات اناتولي كافاليوف، وقائد قوات حرس الحدود أندريه نيكولاييف، ورئيس ديوان الكرملين أناتولي تشوبايتس.

وكان من الواضح تعمد رئيس الحكومة الروسية تجاهل الجنرال ليبيد وعدم دعوته للمشاركة في الاجتماع المذكور والتي تمت تحت إصرار الأخير لتوضيح موقفه تجاه الاتهامات الموجهة له.

وفي أعقاب الاجتماع الأمني الطارئ، أعلن رئيس الحكومة فيكتور تشيرنومردين أن ممارسات سكرتير مجلس الأمن القومي الجنرال ليبيد ودعوته لإنشاء قوات المهام الخاصة بقوام ٥٠ ألف شخص مثلت انتهاكًا فظًا للدستور وجعلت الشكوك تحوم حول حقيقة أهدافه ونواياه، وكان من الواضح قبل وأثناء وبعد الاجتماع المذكور انحياز رئيس الحكومة فيكتور تشيرنومردين إلى وزير داخليته اناتولي كوليكوف في صراعه ضد الجنرال ليبيد، بل واعترف وزير الداخلية كوليكوف انه تشاور مع رئيس الحكومة فيكتور تشيرنومربين قبل انعقاد المؤتمر الصحفي الذي كشف فيه وقائع الانقلاب المزعوم، بشأن تقديم أدلة الاتهام ضد الجنرال ليبيد للشعب، مما كشف أبعاد وأهداف الحملة الشرسة التي تعرض لها سكرتير مجلس الأمن القومي للحد من طموحات وتطلعاته بخلافة بلتسين متخطيًا ومتحديًا رموز المجموعات الأخرى المتصارعة على السلطة في روسيا مهددًا لمصالحها.

وطبقا لما ذكره وزير الداخلية أناتولي كوليكوف، فإن الجنرال ليبيد سعى إلى تشكيل قوات خاصة قوامها خمسين ألف شخص تخضع له مباشرة بحجة التدخل لفض النزاعات العرقية والقضاء على الميول والنزعات الانفصالية ومكافحة الجريمة.

وانضم وزير الدفاع إيجور روديونوف الذي تم تعيينه في منصبه نزولًا على رغبة ليبيد نظرًا للعلاقة الحميمة بينهما، إلى حملة الهجوم الشرسة على الجنرال ليبيد، واتهمه بإعاقة الإصلاحات العسكرية وتحريض العسكريين على التمرد ووجه روديونوف في وجود وزير الدفاع الأمريكي وليم بيري -الذي تصادف وجوده في موسكو- انتقادات حادة للجنرال ليبيد واتهمه بالتعطش السلطة والاستبداد. 

كما زج الرئيس الأسبق للاتحاد الرياضي الروسي بوريس فيدروف باسم الجنرال ليبيد، بتحريض مكشوف من رئيس ديوان الكرملين اناتولي تشوبايتس في معركته مع قائد حرس الكرملين الأسبق الجنرال كارجاكوف واتهم فيدروف الجنرال كارجاكوف بممارسة الابتزاز والاستيلاء على مبلغ 40 مليون دولار لتمويل الحملة الانتخابية للجنرال ليبيد أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في يونيو الماضي.

أزمة السلطة وشرعيتها

تضاربت ردود فعل الساسة الروس على التطورات الدراماتيكية الأخيرة التي كشفت أبعاد وعمق الأزمة السياسية التي تعيشها روسيا في ظل استمرار مرض الرئيس يلتسين وغيابه الفعلي لما يزيد عن عام كامل عن ممارسة صلاحياته الرئاسية، فقد دعا رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية والسياسية الروسية سيرجي گورجینان بوقف الجنرال ليبيد عند حده والحيلولة دون تنفيذ المخطط الرامي لمنح الشيشان الاستقلال وتحقيق انفصالها عن روسيا، وحذر من عواقب مطالبة بعض جمهوريات ومقاطعات الإتحاد الروسي بالانفصال أسوة بالنموذج الشيشاني. 

من المعروف أن اللجنة الروسية المكلفة بمواصلة التفاوض مع الشيشان، تضم إلى جانب رئيسها إيفان ربكين الذي عين بدلًا من الجنرال لیبید، سبعة عشر عضوًا من بينهم رئيس جمهورية کاباردينا بلقاري فلاديمير كاكوف، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي سيرجي أخلاموف، ووزير القوميات الفيدرالي فيشيلاف ميخائيلوف، ومستشار الرئيس الروسي وعضو المجلس الرئاسي إميل باين، ورئيس جمهورية أنجوشيا روسلان أوشوف ورئيس جمهورية أوسيتيا الشمالية أخسر بك جلازيف، ومحافظ إقليم ستامزدبيل بيوتر مارشتينكو.

ولم يكتف المرسوم الرئاسي بهذا الشأن بتكليف اللجنة المذكورة بالاستمرار في المفاوضات السياسية مع زعماء المقاومة فحسب، بل ومنحها الصلاحيات المطلقة لتناول القضايا العسكرية والاجتماعية والاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بقضية التعويضات والنفقات اللازمة لإعادة إعمار الاقتصاد الشيشاني، فالزعماء الشيشان قد أعربوا من قبل عن ارتياحهم الشديد بسبب غياب وزير الداخلية الروسي أناتولي كوليكوف عن اللجنة المذكورة وعدم ضمه إليها، نظرًا لما هو معروف عنه من مواقف مناهضة للاتفاقيات السلمية التي وقعت بين الطرفين، وبعد الأحداث الروسية الأخيرة التي جسدت انتصار حزب الحرب في الكرملين لم يعد هناك شك لدى المقاومة الشيشانية من احتمال تجدد العمليات العسكرية بعد الإطاحة بالجنرال ليبيد؛ حيث بادر الزعيم الشيشاني سليم خان باندریيف بالتحذير من مغبة تملص الروس من الاتفاقيات المبرمة.

غير أن حالة من القلق والخوف الشديدين سادت الشارع الشيشاني بعد إقالة ليبيد نظرًا للآمال الكبيرة المعقودة على إمكانيته للوصول بالتسوية إلى نهايتها خاصة بعد اقتراحه الأخير بتحويل الشيشان إلى منطقة اقتصادية حرة. 

ويشارك الجنرال ليبيد الشعب الشيشاني مخاوفه وقلقه حين دعا أمهات الجنود الروس، بعد ساعات قليلة على إقالته للعمل على عدم تجدد العمليات العسكرية والحيلولة دون نجاح حزب «الحرب» داخل القيادة الروسية في إشعال فتيل القتال من جديد في الشيشان.

ليبيد يدعو أنصاره للهدوء

في هذه الأثناء دعا الجنرال ليبيد أنصاره إلى التزام الهدوء واليقظة، بعد الشائعات التي ترددت عن وجود قلاقل داخل القوات المسلحة الروسية خاصة في صفوف الجيش الرابع عشر الذي تراسه ليبيد لفترة طويلة قبل انخراطه في العمل السياسي، وطبقا لما ذكرته مصادر روسية مطلعة فإن التعليمات صدرت بإجراء حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة خاصة القوات الجوية الإبعاد العناصر الموالية للجنرال ليبيد بعد اكتشاف وجود تشكيلات حزبية تتبع لحزب الحقيقة والنظام الذي شكله ليبيد في الآونة الأخيرة داخل الوحدات العسكرية في الجيش وفي قوات وزارة الداخلية، وأن بعض هذه الخلايا تضم في صفوفها أكثر من ألفي ضابط وجندي.

تلقي إقالة الجنرال ليبيد بظلال من الشكوك على شرعية السلطة في روسيا؛ إذ إن تعيينه في منصب سكرتير مجلس الأمن القومي ومساعد للرئيس جاء في إطار اتفاق سياسي وصفه يلتسين بانه اتحاد برنامجين انتخابيين، وكان له أكبر الأثر في إلحاق الهزيمة بالمرشح الشيوعي القومي جينادي زوجانوف اثناء جولة الإعادة في الثالث من يوليو الماضي.

ويذهب البعض إلى القول بأن الرئيس الروسي لا يملك «الحق الأخلاقي» لإقالة الجنرال ليبيد من مناصبه الحكومية بعد أقل من أربعة أشهر على التحالف مثلما لا يحق للرئيس الأمريكي أن يعزل نائبه الذي خاض المعركة الانتخابية معه وأثر على سیرها بشكل أو بآخر، وفي الحالة الروسية الراهنة تبدو هذه الحقيقة ساطعة تماماً، حيث أدى انحياز الجنرال ليبيد للرئيس الروسي أثناء جولة الإعادة إلى حسم المعركة وإحراز الفوز على المرشح الشيوعي بفارق عشرة في المائة من الأصوات بعد أن تعادلا في الجولة الأولى من المعروف أن الجنرال ليبيد شغل خلال الجولة الأولى على المرتبة الثالثة بعد يلتسين وزوجانوف وحصل على %١٥ من أصوات الناخبين الروس وكان من شأن انحيازه إلى الشيوعيين وتأييده المرشحهم جينادي زوجانوف، بعد أن وعدوه بمنصب رئيس الحكومة في ظل السلطة الشيوعية الجديدة أن يقلب موازين المعركة الانتخابية ويكفل عودة الشيوعية إلى روسيا.

وماذا بعد..؟

من المفارقات العجيبة أن تغمر مشاعر البهجة والشماتة وجوه رموز المعارضة والسلطة في أن واحد بعد الإعلان عن نبأ إقالة سكرتير مجلس الأمن القومي الجنرال ليبيد من مناصبه الحكومية. وضاعف من تعقيدات «موقف الجنرال» إقدامه على التنازل عن مقعده النيابي، قبل أسبوعين مضيا؛ إذ يحظر الدستور الجمع بين عضوية البرلمان والمنصب التنفيذي، ولا يبدو الوقت متأخرا بالنسبة للجنرال ليبيد لاستعادة مقعده النيابي، إذ إن باب الترشيح مازال مفتوحاً أمام الراغبين في دائرته «تولا» ويمكن أن يبادر بالمشاركة في المعركة الانتخابية لتحقيق الفوز فيها دون صعوبة تذكر هذا بالإضافة إلى أن العديد من المناطق الروسية «مقاطعات الحكم الذاتي» تشهد معارك انتخابية التجديد رؤساء الحكم المحلي فيها ويمكن للجنرال ليبيد المشاركة في أي منها، أسوة بشقيقه سيرجي ليبيد، أو بنائب الرئيس الأسبق الكسندر روتسكوي لتحقيق الفوز بها ومن ثم الانضمام اتوماتيكيًا لمجلس الشيوخ الروسي «مجلس الفيدرالية». 

وتبقى الانتخابات الرئاسية المقبلة، سواء جاءت في موعدها المحدد أو جاءت مبكرة، الهدف الأكبر للجنرال المتطلع الذي دفع ثمن اندفاعه غاليا.

 وتكمن في هذه النقطة بالذات «تطلع ليبيد إلى رئاسة روسيا» الأسباب الحقيقية «لحنق» رموز «السلطة والمعارضة» على الجنرال ليبيد وتطلعاته، ويراهن الفريقان (السلطة والمعارضة) على أن إقالة الجنرال ليبيد المصحوبة بالكشف عن توجهاته الخطرة وميوله إلى العنف في مواجهة خصومه سوف تؤدي إلى تحجيم دوره السياسي وتصيب رصيده الشعبي في مقتل، لقد تنفس رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشير نو مردين الصعداء وهو المستفيد الأول من إقالة الجنرال ليبيد.

كما لا تخفي المعارضة الشيوعية ترحيبها بإقالة ليبيد والتشفي منه بعد أن أضاع عليها حلم العودة إلى الكرملين في الانتخابات الرئاسية السابقة.

 وإذا طرحنا «شماتة» المعارضة وفريق الحكم جانبا، فإن «خطر ليبيد» عليهما تضاعف كثيرا بعد مغادرته لمكتبه في الكرملين، بعد أن أشارت استطلاعات الرأي إلى حدوث قفزة كبيرة في شعبيته في الآونة الأخيرة، فوجود ليبيد داخل «قفص الكرملين»، سهل مهمة خصومه من فريق الحكم على تحجيمه وتقييده بإطار «الشرعية» وربطه بهذه الدرجة أو بأخرى بقواعد اللعبة، كما كان من السهل على المعارضة أن توجه سهام انتقاداتها للجنرال المتطلع بوصفه أحد رموز النظام الحاكم وتلقي عليه بمسئولية كل ما تعانيه روسيا من أزمة اقتصادية وانفلات للجريمة وتردي الأوضاع داخل المجتمع وفي القوات المسلحة... إلخ.

ويكفي أن نعيد إلى الأذهان مسرحية «يلتسين - جورباتشوف» التي جرت فصولها في نهاية الثمانينيات وانتهت في مطلع التسعينيات بتبادل الكراسي في الكرملين.

ففي عام ۱۹۸۹م، أراد جورباتشوف التخلص من خصم عنيد ونجح في طرد يلتسين من عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي الحاكم حينذاك، وجاء خروج يلتسين من صفوف السلطة مثل خروج اسد غاضب من قفصه ملينا بالأحقاد على «النظام»، ولم يهدأ له بال حتى طرحه ارضاً وبعثر كل «مقدساته»، حتى تمكن من طرد جورباتشوف من الكرملين في ديسمبر عام ۱۹۹۱.

على كل حال فقد أخل عزل الجنرال ليبيد بالتوازن الهش داخل الفريق الحاكم، وجعل من «الرئيس المريض» رهينة لرئيس حكومته فيكتور تشيرنومردين ورئيس إدارة الكرملين اناتولي تشوبايتس، وبات معروفاً أيضاً أن الاجتماع الأمني الطارئ الذي عقده رئيس الحكومة هو الذي صاغ قرار إقالة ليبيد، وقدمه في صورة إنذار للرئيس المريض، ولم يترك له خيارًا.

ما أشبه اليوم بالبارحة

تذكرنا الأحداث الأخيرة بنظيرتها التي جرت عشية أحداث أكتوبر الدامية عام ١٩٩٣م، والتي انتهت بقصف مبنى البرلمان واعتقال قادته ومن بينهم رئيس البرلمان السابق رسلان حسب الله توف بين أحداث أكتوبر عام ۱۹۹۳م واكتوبر عام١٩٩٦م تشابه كبير للغاية لدرجة التطابق والتكرار الذي لم يعرف التاريخ المعاصر مثيلا له مع فارق في السيناريو والإخراج.

ففي عام ١٩٩٣م كان الجنرال روتسكوي في مواجهة مع الكرملين، بعدما كان له الدور الأم في إفشال انقلاب اغسطس عام ۱۹۹۱م الشيوعي وإنقاذ يلتسين من قبضة الشيوعيين السوفييت بطل الأحداث الأخيرة «أكتوبر عام ١٩٩٦ م» هو الجنرال ليبيد الذي أنقذ يلتسين من الهزيمة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وحال دون نجاح المرشح الشيوعي القوي جينادي زوجانوف ودون عودة الشيوعية إلى روسيا. 

وفي عام ۱۹۹۳م بدأت الأحداث باتهامات ممثلي السلطة التنفيذية «على لسان رئيس الدائرة القانونية للكرملين المحامي ماكاروف» للجنرال روتسكوي بالإعداد لانقلاب عسكري، ليتكرر نفس السيناريو مع الجنرال ليبيد «على لسان وزير الداخلية أناتولي كوليكوف».

 وكمنت الأسباب الحقيقية لأحداث عام ١٩٩٣م في عزم الجنرال روتسكوي الكشف عن ملفات الفساد «وذكر أن لديه أربع عشرة حقيبة معلومة بالوثائق الدامغة ضد كبار المسئولين» والتصدي للمافيا، والأحداث الأخيرة أيضا لها جذورها وأسبابها المشابهة

يبقى أن نذكر أن الجنرال روتسكوي وصل إلى الكرملين من خلال تحالفه مع الرئيس الروسي يلتسين في انتخابات عام ۱۹۹۱م، بينما جاء الجنرال ليبيد من خلال التحالف في الانتخابات الرئاسية في يونيو عام ١٩٩٦م وهما بذلك ربما يكونا قد اتفقا في أسلوب الوصول إلى الكرملين وكذلك في المصير.

الرابط المختصر :