; بعد مستنقع أفغانستان.. هل تتورط روسيا في مستنقع طاجيكستان؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد مستنقع أفغانستان.. هل تتورط روسيا في مستنقع طاجيكستان؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 137

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

    ·       موسكو توقع اتفاقية دفاع مشترك مع الشيوعيين الطاجيك تقد لهم بمقتضاها الدعم العسكري لتمنع المد الإسلامي من الانتشار في آسيا الوسطى.

    ·       أستاذ في معهد الاستشراق بموسكو: إن موقف السلطات الروسية من المعارضة الإسلامية يجب أن يختلف عن موقف أوروبا وأمريكا من الإسلام كقوة واضحة.

    ·       وآخر يقول: إن الروس يجب أن يعرفوا أنه لا يمكن لهم أن يربحوا المعركة ضد المقاومة الإسلامية في جبال بامير.

بعد استيلاء الشيوعيين الطاجيك على السلطة، لجأت المعارضة إلى جبال «بامير» الشاهقة، تقودها فصائل حزب النهضة الإسلامية، والتي تطلق عليها وسائل الإعلام الروسية قطاع الطرق والمتطرفين الإسلاميين، وهي نفس وسائل الإعلام التي كانت تتعامل مع مجاهدي أفغانستان وكانت تصفهم في بداية الأمر بقطاع الطرق حتى تغير الأمر، وخرج الجيش السوفيتي مهزومًا، حيث فقد 15 ألف قتيل و10 آلاف من الجرحى وتقريبًا نفس العدد مصابون بأمراض نفسية. والسؤال المطروح: هل تعتبر طاجيكستان بمثابة أفغانستان أخرى؟ وما دور روسيا على الساحة الطاجيكية؟ ولماذا هذا الاهتمام الروسي بشؤون طاجيكستان؟ وما حقيقة المعارضة الطاجيكية؟ هل ثمة تشابه بين أوضاع طاجيكستان اليوم وما حدث في أفغانستان قبل 14 عامًا؟ هذا ما سنجيب عنه في الأسطر التالية.

روسيا تتصدى للإسلاميين

يبدو أن موسكو لم تعد منذ خريف 1992 تصدع رأسها في كشف هوية القوى السياسية المختلفة في طاجيكستان، ولا يهمها إن كانوا ديمقراطيين أو «أصوليين» أم دعاة إحياء الاتحاد السوفيتي القديم. وليس موقف أكثرية السياسيين الطاجيك الحاليين من الديمقراطيين الروس وديًا، خاصة وأن الحكومة الروسية تزعم النظام الديمقراطي وأنها قضت على الشيوعية في روسيا وستقضي عليها في العالم؛ غير أن الدلائل تشير إلى تورط الديمقراطيين الروس في دعم الشيوعية في طاجيكستان.

وتقدم روسيا كل غالٍ ونفيس إلى الحكومة الشيوعية في طاجيكستان لضرب ما يسمى بالأصولية الإسلامية والقضاء عليها في طاجيكستان ومنع انتشارها في الدول المجاورة، ووصل الأمر في النهاية أن توقع روسيا معاهدة دفاع مشترك مع طاجيكستان في يوم 1993/2/25م، يقوم الطرفان بموجبها بحماية الطرف الآخر إذا وقع عليه اعتداء!

وهكذا توقع روسيا اتفاقية مع الحكومة الطاجيكية، وتقدم بمقتضاها الدعم العسكري للشيوعيين ليقوموا بعمليات قمع وإبادة مخطط لها مسبقًا للقضاء على حركة المعارضة التي تؤرق نوم القيادة الروسية وزبائنها في جمهوريات آسيا الوسطى.

والخطر المزعوم من جانب الأصولية والذي تتحدث عنه وسائل الإعلام الروسية هو من الأسباب الرئيسية والتي تدعو قيرغيزيا وأوزبكستان إلى أن تتعامل مع المعارضة بكل خشونة، ولا ينظر بعين العطف إلى الديمقراطيين الروس. ومع ذلك فإن الجنود الروس هم الذين يخفرون حدود هذه الدول من انتشار التطرف إلى بقية دول الاتحاد السوفيتي السابق.

لا نرى فائدة كبيرة لروسيا من تقديمها المساعدات العسكرية والتي تتمثل في الآليات والطائرات القاذفة والمدافع، وتقول مصادر نافذة إن: 140 دبابة حديثة قد وصلت إلى كتيبة المشاة الروسية 201 والتي تتمركز حول دوشنبيه العاصمة الطاجيكية، و20 طائرة قاذفة للقنابل و17 صاروخًا، وكانت هذه الأسلحة قد وصلت بعد أسبوع من قتل 24 من خفر حرس الحدود الروس على الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان على أيدي المعارضة الطاجيكية في يوم 12-13/ 7، وما قتلهم على أيدي المعارضة إلا نتيجة مباشرة لازدواجية الكرملين في التعامل سواء مع القوى المعارضة الطاجيكية أو حكام طاجيكستان الحاليين.

وتحدث أليكس مالاشينكو، بروفيسور في معهد الاستشراق بمدينة موسكو قائلًا: "وكان يمكن استقراء الأحداث المقبلة في آسيا الوسطى، أليس واضحًا أن الإسلام السياسي كان قد دخل إلى طاجيكستان ليبقى فيها، وأن طاجيكستان بلد إسلامي لا مناص فيه من حركة الأصوليين السياسية، وأن موقف السلطات الروسية من المعارضة الإسلامية يجب أن يختلف عن موقف أوروبا وأمريكا من الإسلام كقوة تغيير واضحة".

وتحدث لكاتب السطور الدكتور ولي أحمد صدور، أستاذ العلوم السياسية في معهد آسيا وإفريقيا التابع لجامعة موسكو الحكومية قائلًا: "ويعرف الجنرالات الروس ويجب أن يعرفوا أنه لا يمكن أن يربحوا المعركة ضد المعارضة في جبال «بامير»، وعلى السياسيين الروس والقيادة الروسية أن يفهموا أن حركة الإسلام في آسيا الوسطى وبالأخص في طاجيكستان أمر لابد أن يتعاملوا معه لمدة طويلة".

الحركة الإسلامية في آسيا الوسطى

وكان مراقبون وصحفيون وسياسيون كثيرون في 1990 - 1991 لا يأخذون الإسلاميين الطاجيك مأخذ الجد، ولا يؤمنون الآن بأنه يمكن أن يظهر إسلام قوي في أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وقيرغيزستان، مشيرين إلى قلة مناصري الأحزاب والتنظيمات الإسلامية: «عدالة»، وحزب النهضة الإسلامي في أوزبكستان، و«آلاش» في كازاخستان، والمركز الثقافي الإسلامي في قيرغيزيا ونفوذها المحدود. لكنهم -أي المراقبون- يغفلون أن هذه الأحزاب صورة أولية للحركة الإسلامية المقبلة، وهي الحركة التي تجنح لتنويع برامجها إذا تعرضت لضغط متواصل.

استطاع حزب النهضة الإسلامي والحزب الديمقراطي الإسلامي وغيرهما في طاجيكستان أن يجمعوا حول برامجهم آلاف المؤيدين في خضم الضغط والملاحقات من قبل السلطات الشيوعية.

إن المعارضة الطاجيكية وبصرف النظر عن مساندة روسيا العسكرية للشيوعيين في طاجيكستان استطاعت أيضًا من أن تعبئ الشعب الطاجيكي الذي أصبح موروثه ومعتقده في خطر.. والشعب الطاجيكي اليوم وأكثر من أي وقت مضى يقف إلى جانب حركته المعارضة تحت قيادة حزب النهضة الإسلامية.

وتشهد تجربة العالم الإسلامي على أنه لا يمكن القضاء على حركة الإسلام في الواقع العملي.. وما تجربة أفغانستان ببعيدة، فهي درس كبير لمن أراد أن يتعظ، والحركة الإسلامية كما يقول -مالاشينكو السابق ذكره- هي قادرة على التطور واتخاذ أشكال مختلفة ويمكنها أن تكون معتدلة أيضًا، وروسيا لا تستطيع أن تسيطر على مشاعر 60 مليونًا من المسلمين في آسيا الوسطى، كما أن في روسيا حوالي 25 مليون مسلم وهم يشكلون قنبلة موقوتة، وعلى روسيا أن تضع لهم ألف حساب، ومثال الشيشان ليس ببعيد، وتترستان يمكن أن تكون مركز تفتيت روسيا في مقبل أيامنا.

ولعبت أفغانستان الدور الأكبر في انهيار الاتحاد السوفيتي، كما أن لروسيا تجربة التعامل مع الإسلاميين الإيرانيين والأفغان، والتجربة الأفغانية مهمة بالدرجة الأولى ويمكن الاستفادة منها في طاجيكستان، غير أن ما يحصل الآن لا تحمد عقباه، وإن روسيا تنجر الآن إلى حرب أخرى مثل حرب أفغانستان وسيفقد فيها الروس الكثير وستكون بالنسبة لهم «مأساة طاجيكستان».

وفي رأيي أن تورط روسيا الآن في الحرب هو الأسوأ بالنسبة لها؛ فبينما حاربت القوات السوفيتية حين دخلت أفغانستان في الخارج، ليس لروسيا الآن حدودها الجنوبية، ولا ترى في المستقبل المنظور وهي تضطر في الواقع لحماية مسلمين من مسلمين، أما الأقلية الروسية في طاجيكستان فهي تتمتع بحقوق لم تتمتع بها أقلية روسية في بلاد البلطيق.

وعلى روسيا أن تحدد موقفها ومصالحها آخذة في الاعتبار أن آسيا والقفقاس تشهدان ولادة دول إسلامية ذات خصوصية متميزة تتبلور فيها تيارات سياسية جديدة من أبرزها التيار الإسلامي، كيف يمكن أن توقف روسيا زحفهم إذا هبوا لنجدة إخوانهم المسلمين في طاجيكستان؟

ونختم موضوعنا بمقولة الدكتور مالاشينكو: "إذا لم تريدوا -الروس- الصداقة مع الإسلاميين في طاجيكستان فهذا شأنكم.. ولكن خير لكم ألا تجعلوا منهم أعداء.. إن الإسلام السياسي لا يمكن القضاء عليه لأنه جزء من الحضارة الإسلامية، وعلى روسيا ألا تفتح جبهة لثورة إسلامية ربما تشمل حتى روسيا.


اقرأ أيضًا:

 تركستان الشرقية المحتلة

الرابط المختصر :