العنوان الرجل الذي يهابه الغرب
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1039
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 23-فبراير-1993
بلا حدود
سر الرعب الصربي الكرواتي والانزعاج الأوروبي الأمريكي
· يكمُن سر الرعب الصربي
الكرواتي والانزعاج الأوروبي الأمريكي: في أسلوب العالمية وشمولية الإسلام الذي
يتحدث به الرئيس البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش.
عبارات من البيان الإسلامي
«إننا نريد
بخطوات واثقة أن نقف على بداية طريق العودة إلى سيادة أنفسنا ومستقبلنا. إننا يجب
أن نستفيد مرة أخرى من عبقريتنا الإسلامية، وبذلك نستطيع سلوك الصراط المستقيم نحو
الهدف المنشود وهو إقامة الإسلام على كل الأصعدة لدى الأفراد، وفي إطار العائلة
والمجتمع ومن خلال العودة إلى العقيدة الإسلامية وإقامة مجتمع إسلامي موحد يمتد من
المغرب إلى إندونيسيا».
«لا بد أن ينتظم
مئات الملايين من المسلمين في وحدة جامعة متينة حتى يخرجوا من دائرتهم الموصوفة
بالتخلف والقهر والاعتماد على الآخرين».
«إن الإسلام
يحتوي على كل المبادئ التي تضمن وحدة المسلمين، والإسلام ليس قومية ولكنه فوق
القوميات لأنه يوحدها».
ترجمة الصرب والكروات للبيان
هذه بعض
العبارات المنتقاة من «البيان الإسلامي» للرئيس البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش
الذي أصدره في البوسنة في أوائل السبعينيات بهدف إحياء الفكرة الإسلامية لدى مسلمي
البلقان، وحوكم بسببه وحكم عليه في مارس 1984 بالسجن لمدة أربعة عشر عامًا، وهذه
العبارات وغيرها ترجمها الصرب والكروات لتحذير أوروبا والولايات المتحدة من علي عزت
بيجوفيتش وفكره الإسلامي الصافي، مذكرين أوروبا بما حدث من فتوحات للمسلمين من قبل
لمناطق مختلفة منها، حيث وقفت جيوش المسلمين على أبواب روما وفيينا وباريس معلنين
للأوروبيين بأن بيجوفيتش يسعى لإقامة دولة إسلامية في قلب أوروبا تعيد أمجاد
المسلمين مرة أخرى وتوحد مسلمي أوروبا الشرقية والغربية تحت راية واحدة.
ولم يخف وزير
الإعلام الصربي فليبور أوستويتش هذه الأحقاد، فصرح بها علنًا مخاطبًا الأوروبيين
الذين نادى بعضهم بالتدخل العسكري في البوسنة والهرسك فقال محذرًا إياهم: «إن
أوروبا لا تدرك حجم الخطر الذي يهددها من وراء بقاء علي عزت بيجوفيتش رئيسًا
للبوسنة والهرسك» لأن خطره في المستقبل سوف يستشرى، فالإسلام يتعاظم في كل مكان،
والمسلمون لديهم العقيدة والأموال، والأهم من ذلك كله القوة البشرية المتزايدة،
فإن لم نقض عليه الآن فإنه سيصعب علينا السيطرة عليه بعد زيادة نفوذ المسلمين في أوروبا».
سر التواطؤ الأوروبي الأمريكي
لقد أدركت سر
التواطؤ الأوروبي الأمريكي ضد مسلمي البوسنة والهرسك حينما وضعت كلمات وزير
الإعلام الصربي نصب عيني وأنا أتعرف على الرئيس البوسني المسلم المفكر علي عزت
بيجوفيتش من خلال فكره وكلماته عبر «البيان الإسلامي» الذي قام اللوبي الصربي في
الولايات المتحدة وأوروبا بطباعته وتوزيع كميات كبيرة منه للتحذير من خطر الإسلام
في أوروبا، ولذلك جاءت خطة فانس وأوين والخطة الأمريكية الأخيرة لتؤكد جميعها على
ضرورة محو الهوية الإسلامية وإبادتها من قلب أوروبا.
ولعل سر الرعب
الصربي الكرواتي والانزعاج الأوروبي الأمريكي يكمن في أسلوب العالمية وشمولية
الإسلام الذي يتحدث به بيجوفيتش في بيانه، وهو أسلوب ينبع من فهم شامل وكامل
للإسلام وتعاليمه، فهو لم يوجه كلامه إلى مسلمي البوسنة أو مسلمي يوغسلافيا أو
مسلمي أوروبا وإنما وجهه إلى المسلمين عامة حيث يقول: «يمر العالم الإسلامي في
مرحلة تغير وولادة ومهما كانت نتائج هذه التغيرات فإنها لن تبقي العالَم الإسلامي
حسب ما كان عليه في النصف الأول من القرن الجاري».
خلفية بيجوفيتش الفكرية
وأفكار بيجوفيتش
لم تأت من فراغ وإنما جاءت امتدادًا لجهود المفكرين والمصلحين الإسلاميين الذين
برزوا في أنحاء مختلفة من الدنيا في أعقاب سقوط الخلافة يجددون للناس أمر دينهم
ويعيدونهم إلى حظيرة الإسلام من جديد.
وقد ولد علي عزت
بيجوفيتش عام 1925 لأسرة من الأسر الإسلامية العريقة في البوسنة ودرس القانون ونشأ
على فهم الإسلام منذ صغره. واعتقل وهو في العشرين من عمره بتهمة الانتماء إلى
منظمة شبابية إسلامية مناهضة للشيوعية وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات.
وقد برز فكره
الإسلامي بوضوح في أوائل السبعينيات حينما صاغ «البيان الإسلامي» وعدة كتب أخرى
منها «الإسلام بين الشرق والغرب»، واعتقل مرة أخرى عام 1983 وحكم عليه بالسجن لمدة
14 عامًا بتهمة «الدعاية الإسلامية» قضى منها في السجن ست سنوات تحول خلالها إلى
إسلامي سياسي نشط.
حزب العمل الإسلامي وصعوده
وفور خروجه من
السجن شكل «حزب العمل الإسلامي» الذي جمع تحت لوائه مسلمي البوسنة والهرسك واستطاع
حزبه الحصول على نسبة عالية من الأصوات في الانتخابات التي أجريت بعد سقوط
الشيوعية عام 1990 مما دفع بيجوفيتش إلى سدة الحكم في البوسنة.
وحاول بيجوفيتش
أن يحافظ على وحدة البوسنة من التآمر الصربي الكرواتي فقطع شوطًا في البداية إلا
أن أحقاد الصرب والكروات كانت أسبق منه رغم تحالف الكروات الهش مع المسلمين. ولذلك
فإن بيجوفيتش يقول عن الخيار بين زعماء الصرب والكروات: «إنه خيار بين سرطان الدم
وورم الدماغ الخبيث».
ولعل هذا يعكس
المرارة والمسؤولية الكبيرة التي تقع على كاهل هذا الرجل الذي يحاول أن يحافظ على
الهوية الإسلامية في قلب أوروبا متحديًا الجميع، ولذلك فالجميع يقف ضده ولا يجد من
ينصره حتى من إخوانه المسلمين.
أمل رغم المأساة
ولكن رغم ذلك
فالأمل يملأ جنبات نفسه المثقلة ووجهه الذي ارتسمت عليه عناصر المأساة فيقول
متحديًا الجميع: «قد يبدو الهدف الذي نصبو إليه بعيد المنال لكنه واقعي وحقيقة
لأنه بحد ذاته يقع ضمن البعد الممكن التحقيق، على النقيض من الأفكار المماثلة غير
الإسلامية التي هي أفكار طوباوية وخيالية ورغم ذلك فإنه يجري العمل لتحقيقها».
خاتمة
ربما لا يعرف
كثير من المسلمين علي عزت بيجوفيتش لكن أعداء المسلمين جميعًا قد عرفوه جيدًا من
خلال فكره الإسلامي العالمي، ونظرته الثاقبة ورؤيته الشمولية للإسلام، وهذا سر
تواطؤهم عليه وهيبتهم منه.