العنوان بلا حدود- العرب في لندن
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
لمحتني أقلب الكتيبات والنشرات الموضوعة في صالة الاستقبال في متحف الفضاء البريطاني في لندن، فاتجهت نحوي وسألتني: أية لغة تريد يا سيدي؟ قلت لها: اللغة العربية، فامتعضت في أسى وقالت: يؤسفني عدم استطاعتي تلبية طلبك، فقلت لها: ولكني وجدتكم تضعون تقريبًا معظم لغات الدنيا الشهيرة من اليابان وحتى إسبانيا، واللغة العربية هي إحدى اللغات الرئيسية في العالم، فقالت: معك الحق فربما تكون اللغة العربية هي إحدى اللغات الرئيسية في العالم؛ لكن العرب لا يأتون إلى هنا، ونحن لا نضع تعريفات وشروح إلا باللغات التي يفد أهلها إلى هنا، وربما هذه من المرات النادرة خلال سنوات عملي هنا التي أصادف فيها عربيًّا في المتحف يطلب مني تعريفات باللغة العربية، قلت لها: عفوًا يا سيدتي فالعرب يملئون لندن، لا سيما خلال أيام الصيف هذه، وهذا يقتضي منكم أن تهتموا باللغة العربية وتدرجوها ضمن اللغات الأساسية التي أراكم تهتمون بها هنا، قالت: صحيح.. إن العرب يملئون لندن لا سيما في الصيف، لكنهم لا يأتون إلى مثل هذه الأماكن يا سيدي، ولكننا نراهم في الشوارع، أو الفنادق، أو الحانات، أو أماكن أخرى يقصدونها، وهناك يوفرون لهم مترجمين عرب أو بريطانيين من أصول عربية يلبون طلباتهم، وطبيعة عملي هنا تجعلني ألتقي بأناس من جميع الأجناس، ونادرًا ما أصادف وجود عربي، ولكن معظم الوافدين من الأوربيين أو الأمريكيين أو اليابانيين.
شعرت بوخزة شديدة من كلماتها الأخيرة، لكنها للأسف كانت تقول شيئًا من الحقيقة أو الحقيقة نفسها دون مجاملة، لكن عنادي ورغبتي في تصحيح هذه الصورة المهينة للعرب دفعني لعدم الاستسلام، فقلت لها: أما يكفي وجودي هنا وحديثي معك، ومن المؤكد أن كثيرين غيري من العرب يأتون إلى هنا دون أن يتحدثوا معك بأن يغير هذه الصورة القائمة التي تعرفينها عن العرب؟ قالت لي: آمل ذلك.. لكن هذه الصورة أنتم الذين صنعتموها، ولم نأخذها عنكم من فراغ، ويمكنك أن تشاهد ممارسات العرب في أماكن تجمعهم هنا لتعرف أني لم أتجن عليكم بشيء، قلت لها: وأنا أحاول توجيه الحديث لصالحي والخروج من هذه الورطة التي سببها لي سلوكيات غيري، ولكن كيف السبيل الآن يا سيدتي لإدراج اللغة العربية ضمن اللغات الأساسية للمتحف؟ قالت: ما دمت مهتمًّا بالأمر فإني أعدك بأني سوف أساعدك قدر استطاعتي، وما عليك إلا أن تكتب الآن طلبًا بذلك إلى إدارة المتحف وتترك في نهايته اسمك وعنوانك كاملًا، وسوف أرفعه لإدارة المتحف، وهم سوف يقومون بالرد عليك. شكرت السيدة على اهتمامها، ثم قلت لها وأنا أودعها: آمل أن تكون هذه بداية لتغيير صورة العرب لديك؟ قالت: آمل ذلك يا سيدي.
شعرت بهم دفين يملأ نفسي من هذه الصورة السيئة التي طبعها نفر من العرب بسلوكياتهم الرديئة في نفوس الغربيين، وشعرت بالمهانة من أن تصبح صورة أبناء خير أمة أخرجت للناس بأنهم من مرتادي الحانات وأماكن اللهو؛ أما الأماكن العلمية والتاريخية فهي لغيرهم، وقد وجدت هذه الصورة مترسخة لدى معظم المرشدين والمسئولين البريطانيين الذين التقيتهم أو تحدثت معهم في معظم المتاحف، والقلاع، والمكتبات العلمية والتاريخية التي زرتها ليس في لندن وحدها، وإنما في المدن الوسطى والشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية، ومدن الشمال الأوسط من بريطانيا؛ مما يعني أنه انطباع عام، وإن تفاوت كل منهم في طريقة حديثه معي من المصارحة إلى المجاملة أحيانًا، أو الصمت حينًا آخر، وكانت زيارتي لمعظم القلاع والقصور التاريخية في تلك المناطق سياحة في أرض الله وإدراكًا للجوانب الأساسية لتاريخ تلك البلاد، وتفكرًا في سنن الأولين، وكيف دالت الدنيا على ملوك، ودول، وعظماء، وأبطال، فلم يبق من آثارهم سوى ما يدل على جوانب من سيرتهم وحياتهم وحياة شعوبهم. وقد تعرفت من خلال جولاتي على معلومات كثيرة وجوانب هامة من تاريخ بريطانيا وأوروبا على وجه العموم، وبينما كنت أصادف أناسًا جاءوا إلى هذه الأماكن من أطراف الدنيا ليتعرفوا على جانب هام من جوانب الحضارة الإنسانية وتاريخها، فنادرًا ما كنت أصادف عربيًّا جاء إلى أي منها بهذه النية، أو هذا المقصد، وكأنما قيادة الدنيا وسياسة الناس أصبحت مهمة الأمم الأخرى، ولم نعد سوى تابعين.
لقد أصبحت -للأسف- صورة العربي لدى كثير من البريطانيين، بل وعموم الغربيين واحدًا من اثنين: إما سكير عربيد مبذر يركض وراء الغواني في شوارع لندن، أو إرهابي يهدد حياة الناس وأمنهم هنا أو هناك، ورغم أن هذه الصورة القاتمة صنعتها عوامل كثيرة منها: وسائل الإعلام الغربية التي يسيطر عليها اليهود، أو المنحازون إليهم، إلا أن سلوكيات فئة قليلة من العرب الذين يفدون إلى هذه البلاد ويمارسون سفاهاتهم بشكل مقزز قد ساعدت على ترسيخ هذه الصورة المشينة في أذهان البريطانيين والغربيين عمومًا.
وإذا كانت السياحة تمثل جانبًا من حياة المسلم واهتماماته فإنها لا تعني العربدة أو السلوكيات المشينة، والإساءة لدين قويم وأمة شاهدة على الناس بالقسط، وإنما هي درب من دروب التفكر والاعتبار، والاستزادة من الماضي، والنظر في سنن الأولين، ورؤية عاقبة السابقين، فينبغي على العربي حينما تطأ أقدامه هذه البلاد أن يبحث أول ما يبحث عن مراكز العلوم والتاريخ والثقافة والحضارة، وأن يكون سباقًا إليها كما يتسابق عليها الآخرون، وأن يترك مواطن السوء وسلوكيات السفهاء لأهلها، وأن يكون صورة لأمته بحضارتها وعراقتها، وتراثها وأمجادها، من خلال شخصيته المميزة في أي مكان يحل فيه، فالإنسان في هذه البلاد إما أن يحسن إلى أمته، وإما أن يسيء إليها، وهنا يكون العبء على خيار أبناء هذه الأمة أن يعملوا حينما يذهبون إلى هذه المواطن على إزالة هذه الصورة المشينة، وتصحيح هذه السلوكيات الرديئة التي نقلها نفر من المسيئين لأمتهم لهذه البلاد، فطبعوا صورة رديئة عن الأمة بأسرها في أذهان أهل هذه البلاد.
لقد فتح المسلمون الأوائل ربوع الدنيا بسلوكياتهم وأخلاقهم حينما ذهبوا إلى أطراف الدنيا يحملون أمانة دينهم وشخصية أمتهم في نفوسهم، فكان الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، واليوم يأتي نفر من المسيئين والسفهاء فيرسخون بأفعالهم صورة كريهة للعرب، صار الغربي بكل ما فيه وما في مجتمعه يأنف منها، وتعافها نفسه في كثير من الأحيان.
فهل آن للأخيار من أبناء هذه الأمة أن يعملوا على تغيير تلك الصورة القاتمة عن العرب في الغرب؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل