العنوان بلا حدود: على خطى «ستالين»
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 16-يوليو-1996
كلما نظرت إلى واقع روسيا، والتفت قليلًا إلى تاريخها لا أجد إلا الضبابية والدموية والغموض والقسوة تحيط بحاضرها وماضيها، سواء كان القريب أو البعيد، فتاريخ القياصرة هو تاريخ الحروب والصراعات والدماء والأشلاء؛ حتى أني لم أكد أعثر على أحد القياصرة وقد مات ميتة طبيعية، كما أن عمليات تصفية القياصرة لبعضهم البعض اتسمت بفنون عجيبة وغربية من أنواع القتل وأساليبه، وحينما قام الرفاق بثورتهم في العام ١٩١٧ تفوقوا على النهج الدموي الضبابي للقياصرة، ولكن بصور جامحة بلغت ثروتها في عهد الرفيق «ستالين» عهد الرعب والجثث ومواكب الموت وإبادة الشعب بتهمة «العداء للشعب» و« العداء للثورة»، فخلال سنوات معدودة قام بتصفية أربعين ألف ضابط من كبار ضباط الجيش الروسي، ولم تقف مواكب الموت في عهد «ستالين» عند حد الضباط، وإنما نالت كل طبقات الشعب نصيبها من دمويته ابتداء من الفلاحين البسطاء ومرورًا بالعمال وقادة الحزب واللجنة المركزية ووصولًا إلى أقرب مساعديه، حتى إنه صعب على كثير من المؤرخين حصر أعداد الذين أبادهم «ستالين» خلال فترة حكمه.
وكما حفل التاريخ الروسي طوال خمسة قرون بحروب دموية ضد مسلمي آسيا الوسطى، لم یفت «ستالين» أن تكون له صفحاته السوداء ضد مسلمي القوقاز الذين ينتمي لهم الشيشانيون فأمر «ستالين» بإبادة ثمانين ألفًا منهم تم تصفيتهم بأساليب مرعبة أهونها إطلاق الرصاص، وأشنعها حرقهم أحياء أمام ذويهم، ثم جمع ما تبقى من الأحياء من الشعب الشيشاني وشتتهم في أصقاع سيبريا، لكن الشيشان جمّعوا أنفسهم من جديد في نهاية الستينيات وعادوا إلى بلادهم، وفي عام ١٩٩١م أعلنوا استقلالهم وقالوا ل«ستالين» الجديد: «ها نحن قد عدنا يا «ستالين»».
فالذين خلفوا «ستالين» على المقعد الرئاسي في الكرملين لم يكونوا سوى صور متكررة وبدرجات متفاوتة عنه، فابتداء من خروشوف إلى برجنيف إلى أندروبوف إلى تشيرننكو إلى جورباتشوف الذي سقطت الثورة على يديه لم تتوقف مواكب الموت والحروب الدموية وعمليات التصفية ضد الشعب بالتهمة الشهيرة وهي «العداء للشعب»، كما كان للمسلمين نصيب الأسد في مواكب الموت والمقابر الجماعية التي تمت على يد الرفاق كما كانت على يد القياصرة من قبلهم فبرجنيف وأندروبوف وتشيرننكو وجورباتشوف، كلهم شاركوا بدرجات متفاوتة في إبادة مليون ونصف أفغاني مسلم، كما قاموا بإشعال حرب دموية هناك لم يتوقف أوارها بعد.
أما الرفيق «يلتسين» الذي قفز فجأة إلى الأضواء في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي في أكتوبر عام ۱۹۸۷م، فقد استطاع أن يتجاوز كثيرًا من الرفاق الذين كانوا يترقبون أدوارهم خلف «جورباتشوف» وبسرعة فائقة وصل «يلتسين» إلى موقع الرجل الثاني في الكرملين، ثم قلب الطاولة على الرفيق الأول «جورباتشوف»، وعلى «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الروسية»، وعلى «الجلاسنوست» و«البروسترويكا»، وأصبح في عام 1991م هو الزعيم الروسي المحبوب لدى الغرب وعلى خلاف جميع الرفاق الذين خرجوا من الكرملين إلى المقبرة خرج آخر الرفاق «جورباتشوف» من الكرملين إلى الشارع، حتى أنه حينما حاول أن يذكر الروس بأنه كان سيد الكرملين، وأنه يود الرجوع إليه فرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية الماضية، وكان يتوقع أن يجد له مكانًا بين قائمة المرشحين، إلا أن الشتائم واللكمات والركلات التي تلقاها من الناخبين كانت كفيلة بمعرفته لحجم شعبيته، وأن يدرك أنه انتهى في نفس اليوم الذي تفكك فيه اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وأن الناس في روسيا يعيشون الآن عصرًا جديدًا هو عصر «إمبراطورية يلستين»، فمنذ اليوم الأول لدخوله الكرملين «ويلتسين» يحرص على أن يسير في نفس الطريق الذي سار فيه كل القياصرة والرفاق من بعدهم، ولم يتورع أن يزيح من طريقه كل من يقف أمامه أو يعترض على قراراته ابتداء من نائبه السابق «روتسكوي»، ورئيس البرلمان السابق «حسين اللاتوف» في عام ١٩٩٣م وانتهاء بوزير دفاعه «جراتشيف» ومساعديه قبل أيام وهو نفسه الرجل الذي أمر بقصف مقر البرلمان في موسكو بالدبابات على الهواء مباشرة وعبر شاشات التلفزة العالمية 1933م، وهو نفسه الذي فرشت البسط الحمراء في مطار هيثرو في لندن على باب طائرته، حيث كان في انتظاره كبار رجال الدولة البريطانيين، ثم خرج أحد مساعديه من باب الطائرة وسط ذهول الحضور وطاروا إلى موسكو، وهو نفسه الذي نزل يترنح من الطائرة أثناء زيارة قام بها في العام الماضي 1995م إلى ترقب لم تحدث في تاريخ الدبلوماسية الحديثة، وأنهم عجزوا عن إيقاظه لأنه قد تناول كميات كتبة ساعدوه باب الطائرة وسط تقول الحضور موسكو، وهو نفسه الذي نزل يترنم من الطائرة النقاء زيارة قام بها في العام الماضي ١٩٩٥م إلى أوزبكستان وهو نفسه الذي حكم روسيا من غرفة الإنعاش في أكتوبر الماضي، وبينما كان في غيبوبة الأزمة القلبية خرج المتحدث باسمه «سيرجي ميدفيديف»؛ ليطمئن العالم بأن «يلتسين» رغم حالته الصحية فهو ما يزال يسيطر على أسلحة روسيا النووية وأن حقيبة الزر النووي في حوزة الرئيس، ورغم أن «يلتسين» قضى في العام ١٩٩٥م ما يقرب من أربعة أشهر في المستشفيات والمصحات، ورغم أن الجولة الثانية من الانتخابات الروسية قد تمت وهو في إحدى المصحات، إلا أنه لازال يمسك بالزر النووي تمامًا كما فعل الرفاق «أندروبوف» «وتشيرننكو» الذين حكموا الاتحاد السوفييتي وهم داخل غرفة الإنعاش، ولم يفت «يلتسين» أن يحذو حذو الرفيق الكبير «ستالين»، والرفاق من بعده تجاه المسلمين فأصدر في ديسمبر من العام ١٩٩٢م قراره بغزو طاجيكستان، و تدمير مدنها على رؤوس من فيها بعد ما قال الشعب الطاجيكي كلمته في الانتخابات واختار حزب النهضة الإسلامي منيلا طاجيكي مسلم حتى تحولت عن الحزب الشيوعي الطاجيكي كلمته في الانتخابات، واختار حزب النهضة الإسلامي بديلًا عن الحزب الشيوعي الطاجيكي، وكما فعلت الدبابات الروسية في جمهوريات القوقاز في الأربعينيات، وفي أفغانستان في السبعينيات والثمانينيات، سار «يلتسين» على خطى الرفاق وقامت القوات الروسية خلال ستة أشهر فقط بقتل ١٢٠ ألف طاجيكي مسلم حتى تحولت ساحات العاصمة الطاجيكية «دوشنبه»، وملاعبها إلى مقابر جماعية للقتلى، أما المشردون فقد جاوزوا المليون، وقدرت الخسائر المادية في شهور الحرب الستة الأولى بثلاثمائة بليون روبل ولازالت الحرب التي أشعلها «يلتسين» في طاجيكستان لم تتوقف بعد، ولم يكتف «يلتسين» بمسلمي طاجيكستان، وإنما أصدر أوامره في ديسمبر من عام ١٩٩٤م للدبابات والطائرات والمدفعية الروسية أن تدمر جمهورية الشيشان على رؤوس أهلها المسلمين بعدما أعلنوا استقلالهم في العام ١٩٩١م، مما أدى إلى مقتل ما يزيد على ستين ألفًا من سكانها خلال عام واحد، أما حجم الدمار الذي لحق بها فهو يزيد على عشرة مليارات من الدولارات، وعلى نفس النهج الذي سار عليه الرفاق من قبل أقال «يلتسين» وزير دفاعه «جراتشيف» بعدما حمله مسئولية القرارات التي أصدرها بنفسه وهو تحت تأثير الفودكا.
ووسط حمامات الدم والقسوة والظلم التي تعيش فيها روسيا منذ قرون، جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة لتعكس جانبًا من مزايدات الرفاق والقياصرة الجدد الذين لا يبحثون عن المبادئ والأخلاق، بقدر ما يبحثون عن مكان يحصلون من ورائه على بعض امتيازات القياصرة أو بذخ الرفاق أو مزايا الإمبراطورية الجديدة، فالجنرال «ليبيد» الذي قاد حملته الانتخابية تحت شعارات مهاجمة لسلطة «يلتسين» الفاسدة سرعان ما أصبح أحد رجالها بعدما لوّح له «يلتسين» بمنصب لا صلاحيات له، ومع تردي صحة «يلتسين» وتدهورها ارتفعت حدة الصراع بين الرفاق على من سيخلفه ليواصل المسيرة الدموية التي يسير فيها حكام روسيا الجدد على نفس خطى «ستالین».