; بنغلادش... شطر باكستان المفصول | مجلة المجتمع

العنوان بنغلادش... شطر باكستان المفصول

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975

مشاهدات 11

نشر في العدد 263

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 26-أغسطس-1975

موضوع الغلاف

انقلابها.. في ضوء الظروف الداخلية والمعادلات الدولية

• هذا هو الانقلاب الثالث يقع في دائرة العالم الإسلامي خلال ثلاثة أسابيع:

1.   الأول في نيجيريا.

2.   والثاني في جزر القمر.

3.   والثالث في بنغلادش.

فماذا هناك؟! • على أية حال ليس هذا موضوع تعليقنا اليوم... وإنما هي مجرد ملاحظة نسجلها وندخل إلى موضوعنا رأساً... أي الانقلاب الذي وقع صباح الجمعة الماضية في الشطر الشرقي من باكستان وقتل أثناءه مجيب الرحمن زعيم الحركة الانفصالية وحليف الهند ضد الشطر الغربي من باكستان.

• غداة الانقلاب ساد العالم الإسلامي شعور مشابه للشعور الذي تبدى... إزاء انقلاب نيجيريا؛ فرحة عاطفية، وتحويل الأمنية - في عالم الأمل - إلى واقع ابتغاء تبريد مرارة الحرمان... وتعويض القسوة التي يبديها العالم المعاصر تجاه الإسلام وقضاياه بنجاح يستمد من أعماق الذات لا من الشروط... الموضوعية للنجاح....

• وإننا إذ نقدر هذه المعاني ونحترم البواعث التي تمليها... ننبه في الوقت ذاته إلى وضع جملة حقائق... في الحسبان:

1.   إن التغيير الصحيح في أي بلد إسلامي يستمد قيمته من سلامة المنهج - الذي سيكون إستراتيجية التغيير وخطته - والأشخاص الذين نهضوا للتغيير، وبالدقة نعني المنهج الإسلامي والأشخاص الإسلاميين الذين يجمعون بين النزاهة والكفاءة ويملكون طاقات غير عادية من العزم والطموح وتألق الرؤية.

2.   إن سقوط أي نظام يساري علماني لا يعني - بالضرورة - مجيء نظام إسلامي؛ فكثيراً ما فوجئ العالم الإسلامي ببدائل يمينية، منها ما يحارب الإسلام بإلحاد أمريكي، ومنها ما أقدم على بيع فلسطين وممالأة العدو.

3.   إن المسلمين الذين يتسرعون بإصدار الأحكام على الأحداث والناس إنما هم مجرد جماهير متفرجة لا يطلعها أحد على اللعبة ولا هي تستطيع أن تطلع بوسائلها الخاصة.

• ولكن هل معنى هذا أننا ضد التغيير الذي حدث في الشطر الشرقي من باكستان؟ إن كلمتي "ضد" و"مع" هنا تنطويان على سذاجة سياسية بالغة... ذلك أن السؤال من أساسه ينبغي أن يوجه إلى من قاموا بالانقلاب: ماذا فعلوا... وماذا سيفعلون؟ إن أمامهم قضايا محددة لا بد من أن يقولوا رأيهم فيها وأن يحددوا موقفهم تجاهها:

  • قضية الاستقلال عن الهند: فلأول مرة في التاريخ - وباستثناء انقلابيي جزر القمر الذين رفضوا الاستقلال وعادوا إلى تبعية فرنسا - ينسلخ جزء من وطن مستقل ليكون تابعاً مستمراً لدولة أجنبية... هي الهند.
  • قضية الوحدة مع الشطر الغربي من باكستان: فإذا كان الانقلاب قد قام حقاً ضد سياسات مجيب الرحمن الانفصالية، فإن معيار هذا الشعار هو: انتهاج سياسة وحدوية جادة تدفن نزعة مجيب الرحمن وممالئيه في قيعان خليج البنغال.
  • تطهير البلاد من الفساد المروع: الذي أدى بأصحابها إلى بيع لبن الأطفال - القادم من الأمم المتحدة في شكل معونات إنقاذ - من أجل أن يملؤوا جيوبهم مالاً... فملؤوها بالمال وفي الوقت نفسه ملؤوا المقابر بالأطفال الجياع! إن الفساد أصبح طابع باكستان الشرقية إلى حد أن امتنعت دول ومنظمات عالمية من تقديم قروض لهذا الإقليم مخافة أن يحجب الفاسدون هذه المعونات عن مستحقيها!!
  • تمكين الجماعة الإسلامية من كافة فرص النشاط: في التعليم والإعلام والدعوة وسائر قنوات العمل؛ إن هذه الجماعة هي وجه باكستان المشرق، وهي ضمانتها الأولى في التغيير الحقيقي. ولقد عاشت الجماعة الإسلامية محنة طاحنة إبان الحرب الأخيرة حيث قُتل المئات من رجالاتها وأعضائها، وبعد أن وقع الانفصال وتمكن المنشقون من الحكم أنزلوا بالجماعة صنوف الاضطهاد والتضييق.
  • الاستقلال عن القوى الدولية شيوعية وأمريكية: فشبه القارة الهندية والمحيط الهندي يتعرضان لصراع دولي رهيب يلف في دوامته كل دولة تفقد استقلالها وترتبط بواحدة من تلك القوى؛ إن باكستان كلها لم ينفعها ارتباطها بالحلف المركزي في حربها مع الهند، والشطر الشرقي تحالف مع الهند وروسيا... وها هو يعاني الفقر والزلازل السياسية ويفقد استقلاله.

• وهذه كلها يمكن أن تكون شعارات يلوح بها ولا تنال من التطبيق الجاد أي اهتمام، من هنا فإن تغيير السياسة التعليمية والتشريعية وتأصيلها على أساس إسلامي... هذا الإجراء العملي يتضمن شيئاً من الطمأنينة... وهذا الإجراء ذاته لا يتم تمامه حتى تُطهر أجهزة التعليم والتوجيه والتشريع من الوثنيين الهندوس الذين زحموا هذه الأجهزة بقصد صد الأجيال الناشئة عن الإسلام.

• إذن فالسؤال ليس: هل أنت ضد أو مع التغيير؟... إنما السؤال هو: ماذا سيفعل الانقلاب في هذه القضايا؟

بين التسمية والتطبيق

• ولا نبرح نؤكد على أهمية المحتوى والمضمون، فلو أن مجرد إطلاق اسم الإسلام على دولة ما يجعلها "دولة إسلامية" بالمعنى الموضوعي الشرعي لكان في الأرض اليوم أكثر من دولة إسلامية تقيم شرع الله في الأرض، فهناك ثلاث دول تحمل اسم الجمهورية الإسلامية:

1.   جمهورية باكستان الإسلامية.

2.   جمهورية المالديف الإسلامية.

3.   جمهورية موريتانيا الإسلامية.

• وها هي باكستان الشرقية تصبح الرابعة بإطلاق اسم "جمهورية بنغلادش الإسلامية" على نفسها.

• صحيح أن هناك فرقاً بين الذين ينفرون من اسم "الإسلام": ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنِفِرَةٌ ۝ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 50-51]، وبين الذين لا ينفرون من هذا الاسم ويجعلونه واجهة لدولهم... بيد أن الانفصال بين التسمية والتطبيق لا يدل على تصور اعتقادي سليم، وبالتالي لا يدل على التزام أمين.

• ولنواجه واقعنا كما هو... وبلا مجاملة للذات؛ باكستان ذاتها وهي موحدة ماذا فعلت؟ في الأربعينات وخلال ثلاث سنوات متوالية قامت ثلاثة كيانات عقائدية مختلفة:

  • عام 1947م: أُنشئت دولة باكستان واستقلت على أساس الإسلام.
  • عام 1948م: احتل اليهود فلسطين وأقاموا كيانهم الصهيوني على أنقاضها... أقاموا هذا الكيان على أساس العقيدة اليهودية.
  • عام 1949م: استلم الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ السلطة في الصين وأسس دولة اشتراكية على أساس العقيدة الماركسية.

• أما اليهود فقد شنوا ضد أمتنا حرباً متعددة وعززوا كيانهم الباطل بالمهاجرين اليهود والأسلحة والتقدم التكنولوجي... وبالتعبئة العقائدية المستمرة... في رياض الأطفال وفي ثكنات الجيش سواء.

• وأما الشيوعيون في الصين فقد بنوا دولتهم ودخلوا النادي الذري وأصبحوا القوة الدولية الثالثة.

• لكن أين باكستان التي قامت في الظروف نفسها؟ وما هو الفرق في هذه المقارنات؟ الفرق أن اليهود التزموا بعقيدتهم، وأن الشيوعيين التزموا بعقيدتهم، أما باكستان فلم تلتزم بعقيدة الإسلام ولم تتحول إلى كيان عقائدي يطبع الدولة كلها بمنهج الإسلام وصبغته.

العوامل الداخلية والمعادلات الدولية

• إن باكستان الشرقية جزء من باكستان، والشرق إقليم فقير... ففي المؤتمر السكاني الذي انعقد في رومانيا مؤخراً جاء ترتيب "بنغلادش" في آخر السلم:

  • هناك الدول الصناعية الغنية.
  • وهناك الدول النامية.
  • وهناك الدول الفقيرة.
  • وهناك قائمة الدول "الأشد فقراً" وبنغلادش واحدة منها!

• وظروف الفقر والمجاعات وضغط الاحتلال الهندي، واستشراء الفساد، والإحساس المتزايد بأن حركة الانفصال كانت بلاء على الإقليم، وتآمر مجيب الرحمن الشرقي على قيادات "حزب عوامي" أي شركائه في هذا الحزب - فقد كان يخطط للتخلص منهم فتغدوا به قبل أن يتعشى بهم - والتغلغل المتصاعد بين صفوف الجياع والمعدمين والمحرومين، والدكتاتورية المطلقة التي فرضها مجيب الرحمن على البلاد وألغى بها الحريات العامة، والتذمر الإسلامي العام من تسلط الهندوس وتدخلهم في كل شيء... هذه الظروف تشكل "العوامل الداخلية" للانقلاب، فما من انقلاب يقوم إلا ويستند إلى مبررات داخلية مرئية.

• ولكن هل للمعادلات الدولية دخل فيما يجري في شبه القارة الهندية؟ إن الاستقطاب واضح جداً في تلك المنطقة؛ إن حكم مجيب الرحمن كان ينعطف يساراً بشكل واضح في العلاقات الدولية، والإطاحة به كانت محل رضى الصين الشعبية... فلماذا هذا الرضى الصيني على انحسار مد اليسار في شبه القارة، وهي الدولة التي تفخر بأنها على قمة اليسار العالمي؟

• السبب مفهوم وهو: إن سقوط حكم مجيب الرحمن خسارة لموسكو لأنه حليفها... وخسارة موسكو كسب للصين!

• ليس هذا هو كل شيء؛ فالهند تنحاز رويداً رويداً إلى جانب روسيا:

  • أولاً: بعامل الخوف من الصين.
  • ثانياً: لنفوذ الأحزاب الشيوعية فيها.
  • ثالثاً: بموجب المعاهدة المهمة بينها وبين روسيا.
  • رابعاً: لأن أنديرا غاندي تحس - كما قالت - أن أمريكا تتآمر عليها، ولذلك ألغت الديمقراطية، وفرضت الدكتاتورية، ووثقت علاقتها بموسكو.

• والأمريكيون يحسون بأنهم يفقدون الهند، وفي الوقت نفسه لا يفرطون في العمق الإستراتيجي في شبه القارة ولا في المحيط الهندي.

• فالاستقطاب إذن يتم على هذا النحو: ما دام الاتحاد السوفيتي قد اتخذ من الهند واجهة لتحركه ونفوذه، فليس أمام الغرب بقيادة أمريكا - هكذا يفكرون - إلا أن يوطد أقدامه في باكستان... شرقاً وغرباً... أي واحدة بواحدة.

 

الرابط المختصر :