; بنغلاديش الديمقراطية! كلهم يأتونك باسم الديموقراطية! | مجلة المجتمع

العنوان بنغلاديش الديمقراطية! كلهم يأتونك باسم الديموقراطية!

الكاتب عبدالله أبو حميد

تاريخ النشر الجمعة 16-أبريل-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 565

نشر في الصفحة 34

الجمعة 16-أبريل-1982

  • هل ستستطيع بزة العسكر أن تحل ما عجزت عنه الإدارة المدنية؟

  • إلى أين سينتهي المطاف بهذه الدولة الفقيرة؟!

  • مأساة بنغلاديش أنها دولة قزم بين جبارين عملاقين!!

  • باسم الديمقراطية يأتون وباسمها يلغون كل شيء ديمقراطي!

ما أضيع هذه الكلمة التي باسمها يأتي العسكر إلى جنة السلطة والحكم!! وما أضيع معناها الحقيقي في دوامة المطامح والمطامع التي تعصف بأصحاب الرتب وتدفعهم إلى كسر الحواجز جميعًا والتعلق بمركبة الأبهة والسلطان!! تلك هي مأساة الديمقراطية في البلدان المتخلفة، فباسمها البائس يعطل الدستور، وتلغى المؤسسات الشرعية وباسمها الباهت تلمع الوجوه الجديدة القادمة من قلب الثكنات وأطراف الحدود وأعماق الطموح.

وباسمهما الخالي من أي معنى محدد يتسع الادعاء العريض بالإنقاذ الوطني والإصلاح القومي والدخول إلى مباهج الحياة المتطورة ونعيم التقدم العلمي.

  • أمثولة بنغلاديش:

ليس هناك أصح دليلًا من الأمثولة البنغلاديشية، على المقولة السابقة!! فهذه الدولة الفقيرة، بل الدولة الأفقر في العالم بعد مملكة بوتان في جبال هملايا والتي يبلغ عدد سكانها ما يقرب التسعين مليونًا -منهم 85% مسلمون- وينحشرون في مساحة تبلغ 144 ألف كم 2 بين العملاقين الصيني والهندي، والتي برزت لأول مرة إلى الوجود منذ أحد عشر عامًا فقط في ديسمبر 1971م بعد أن انفصلت عن باكستان الغربية، هذه الدولة هي الآن ساحة جديدة للصراع بين ديمقراطية المؤسسات وعسكر الديمقراطية!!

  • جذور الصراع:

يشكل الجيش أحد عناصر رئيسية ثلاثة في الصراع السياسي البنغلاديشي إلى جانب الحزب الوطني البنغلاديش الذي كان يرأسه القاضي عبد الستار، وحزب رابطة عوامي الذي كان يرأسه مجيب الرحمن أول رئيس بعد الانفصال وهناك ما يقارب من 35 تنظيمًا سياسيًّا ما بين إسلامي وشيوعي ولكن تأثيرها محدود..

ويشكل الجيش العامل الأقوى في الصراع على السلطة، ولكنه يبقى هو نفسه بؤرة لصراع من نوع آخر، بين عناصره ذاتها، حيث يعاني من تنافر في بنيته؛ إذ ينقسم في داخله طبقيًّا وقبليًّا، فهو قد تشكل أساسًا من فئتين رئيسيتين، الأولى هي المنظمات المدنية المسلحة التي شاركت في الانفصال وحاربت الباكستان، والثانية هي التي تضم البنغاليين الذين كانوا يخدمون في الجيش النظامي الباكستاني قبل الانفصال، ومثالًا على الصراع الذي يجرى داخل الجيش، ما يعرفه المتابعون من مصرع الرئيس الأسبق وهو ضابط على أيدي ضباط آخرين، رغم سياسته في التوازن بين عنصري الجيش الرئيسيين.

  • عوامل أخرى:

إضافة إلى ذلك، يشكل الفقر مشكلة أساسية في بنغلاديش التي لا تنتج إلا القطن... والبغال!! - حسب تعبير البنغاليين أنفسهم ورغم أن 90% من السكان يعملون في الزراعة إلا أنها لا تكفي لإطعام المزارعين أنفسهم خلال السنة.. ولذلك تعتمد الدولة على المساعدات الخارجية، وقد اقترحت الإدارة الأمريكية تقديم مساعدات تبلغ قيمتها 193 مليون دولار أمريكي لعام 1982م والدول الأوروبية أوصت بـ 2,64 بليون دولار للمساعدات. 

وإلى جانب هذا يشكل موقع بنغلاديش عاملًا آخر في المشكلة الديمقراطية، حيث تقع بين الجبارين العملاقين المتصارعين الهند والصين ولن نستطيع أن نتجاهل وجود 10 ملايين هندوسي في البلاد يشكلون ثقلًا سياسيًّا في رابطة عوامي الموالية للهند والسوفيات.

  • الانقلاب الجديد

أول نبأ عن الانقلاب ورد من وزارة الخارجية اليابانية يوم 24/3 نقلًا عن سفارتها في العاصمة «دكا»، وقالت الوزارة إن التقارير التي تلقتها من سفارتها تفيد بوقوع بعض حوادث إطلاق النار في العاصمة.. ولكن الشائع بشكل عام أن الانقلاب بقي أبيض اللون ولم يذع شيء عن وقوع ضحايا إلا أنه جرت اعتقالات لـ «225» شخصًا بتهمة الفساد وسوء استخدام السلطة والقيام بنشاط ضد الدولة ومنهم نائب سابق لرئيس الوزراء وخمسة وزراء سابقين وقد تم الانقلاب في فجر يوم الأربعاء 24/3 بقيادة الجنرال حسين محمد إرشاد رئيس هيئة الأركان، وورد في مسوغات الانقلاب حسب بيانات راديو دكا ما يلي:

  • فساد الحياة العامة «مما سبب عذابًا لا يطاق لشعب بنغلاديش!!».

  • صراع السلطة داخل الحزب الحاكم. 

  • تدهور النظام والقانون «بحيث أصبح الشعب لا يعيش بسلام».

  • عجز إدارة الرئيس عبد الستار عن العمل وتجاهلها احتياجات الشعب والمصلحة القومية.

  • إفلاس الاقتصاد وانهيار الإدارة.

ومقابل هذا تمت الإجراءات التالية:

  • إلغاء الدستور.

  • حل البرلمان المنتخب، وعزل رئيس الجمهورية.

  • فرض الأحكام العرفية.

  • تعيين حكام عسكريين بعد تقسيم البلاد إلى خمس مناطق للحكم العسكري.

  • تعطيل أعمال الحكومة.

  • إغلاق جميع المكاتب الحكومية.

  • حظر إجراء تحويلات مالية إلى الخارج.

الجنرال إرشاد:

صحيح أنه تم تعيين رئيس مدني للدولة -هو التاسع منذ الانفصال- وهو القاضي أبو الفضل محمد شودري البالغ من العمر 68 عامًا، إلا أن صاحب الانقلاب أعلن في بيانه أنه نصب نفسه حاكمًا عامًا لبنغلاديش إضافة إلى رئاسة الدولة والوزراء وقيادة الجيش بطبيعة الحال. والجنرال محمد إرشاد كان في رتبة كولونيل في الجيش الباكستاني واختار العودة إلى بلاده مع ضباط آخرين بعد الانفصال، وفي عام 1977م عينه الرئيس الراحل ضياء الرحمن نائبًا لرئيس الأركان ثم صار رئيسًا لها خلفًا له، وبعد اغتياله في مايو 1981م أقسم إرشاد على الولاء للدستور ولكنه بدأ في نزاع مع السياسيين الذين اتهموه بأن له طموحات إلى رئاسة البلاد. 

وفي الواقع، كانت تلمح في تصريحاته بعض هذه المعاني، فقد قال بعد اغتيال ضياء الرحمن «إن العديد من الناس طالبوه بالاستيلاء على السلطة!! ولقد امتنعنا!! بأمل أن يتمكن النظام الديمقراطي!! من حل مشكلات البلاد، ولكن هذا لم ينجح؟!» وقد لاحظت صحيفة لوس أنجلوس تايمز «أن الجنرال اختار ألا يستولى على السلطة وسمح للخليفة الدستوري أن يتولى منصب الرئاسة»، وقال في مقابلة صحفية في أغسطس 1981م «يجب إعطاء الديمقراطية فرصة للبقاء!!».

من الواضح أن إرشاد وغيره من كبار الضباط كانوا يصرون على ضرورة إعطاء الجيش دورًا رسميًّا في إدارة البلاد، وكان إرشاد نفسه يجادل بأن المشاركة العسكرية في الحكومة هي السبيل الوحيد لنزع فتيل التذمر داخل صفوف الضباط الذين قاموا بأكثر من 10 محاولات انقلاب ضد ضياء الرحمن قبل مصرعه.

  • وأخيرًا: 

إن الدلائل على عودة مبكرة إلى الحكمالمدني تبدو قليلة، بل إن الدلائل تشير إلى عكس ذلك، وربما يكون الحكم المدني قد انتهى في بنغلاديش لفترة طويلة!! وإلى أن يتم ذلك، سنظل نردد: سلامًا على الديمقراطية التي باسمها ينتهك كل شيءديمقراطي؟!!

الرابط المختصر :