العنوان بوتقة الانصهار لا تزال تضطرب في أمريكا
الكاتب عرفات العشي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1993
مشاهدات 41
نشر في العدد 1050
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-مايو-1993
تفكر أميركا في نفسها على أنها مجتمع متنوع،
مزيج رائع من الألوان، كما يقول رئيس بلدية نيويورك ديفيد دنكنز، خليط من شرائح من
أجناس وعناصر عديدة كما يحب أن يقول جيسي جاكسون، لكن أرقام إحصاء عام ۱۹۹۰، والتي عرفت الآن فقط، توحي بأن
السطح السكاني للحياة في الولايات المتحدة يعتبر أكثر نعومة مما يظن. وهكذا الحال
بالنسبة للسطح الثقافي، ما لم يتدخل السياسيون لتغييره.
فمن مجموع سكان أميركا- الولايات المتحدة-
البالغ ٢٤٨ مليونًا، هناك ٥٨ مليون أميركي من أصل ألماني، يأتي في المرتبة الثانية
بعدهم ٣٨ مليون أميركي يقولون إنهم إيرلنديون جزئيًا أو كليًا. بعد ذلك يأتي الذين
هم من أصل إنجليزي، فيحتلون المرتبة الثالثة وعددهم ٣٢ مليونًا، يتلوهم الأفروأميركيون،
وهم ۲۳ مليون
نسمة.
ومن جهة أخرى، ظلت قائمة الأقليات الكبرى في
أميركا مستقرة بشكل غريب على مر السنين، إذ إن مجموعة الأقليات الأربع الكبرى
الواردة في إحصاء ۱۹۹۰ هي
نفسها أكبر الأقليات، لا في إحصاء ۱۹۸۰
فحسب، بل أيضًا في إحصاء عام 1970،
حسبما يستطيع المرء أن يخمن من الألقاب التي جمعها مؤسسو الإحصاء. صحيح أن نسبة
الأميركيين من أصل إنجليزي كانت تشكل نصف السكان تقريبًا، بينما الأميركيون
الأفارقة لم يشكلوا سوى خمس السكان، ومهما يكن من أمر، فقد ظلت أميركا تعرض نفس
البطاقات العنصرية منذ فترة طويلة.
ويبدو هذا الاستقرار جليًا في الأشخاص الذين
اختارهم الأميركيون في البيت الأبيض، فكل رئيس أميركي- باستثناء مارتن فان بورين-
الهولندي الخالص- انحدر كليًا أو جزئيًا من واحدة من المجموعات السكانية الثلاث
البيضاء آنفة الذكر، وفى الثمانينيات حاول الديمقراطيون تغيير هذا المزيج عن طريق
طرح تذاكر لرؤساء من أصل نرويجي، إيطالي، يوناني، ودنماركي- ثم عادوا في العام
الماضي وتمكنوا من استبدال جورج هربرت ووكر بوش بويليام جفرسون كلينتون.
لكن هذا الخليط من الألوان يعتبر بسيطًا إلى
حد ما على الأقل فيما يتعلق بأجزائه الكبرى، ومن ثم لم تكن عملية الاندماج الثقافي
والسلم الاجتماعي معقدة أبدًا. إذ إن أكبر جالية عرقية تصل إلى ربع سكان الولايات
المتحدة، هي أقل الجاليات ظهورًا، لكونها أصبحت ضمن قالب الانصهار. هذا كارل
شابيرو، الناقد الأمريكي المعروف، كتب مرة يقول: كنت أفكر في غالب الأحيان أن
الألمان يشكلون أفضل الأميركيين، مع أنهم هم أسوأ الألمان بكل تأكيد.. فقد انصهر
الألمان الأميركيون بسبب حربين عالميتين مع بلدهم القديم- هذا جزئيًا، ولأن
الألمان الذين جاءوا إلى هنا- كاثوليك وبروتستانت- فلاحون وسكان مدن، كانوا على
درجة كبيرة من التعدد والاختلاف، مما استبعد الوحدة بينهم. فالألمان في أميركا لم
يتمتعوا بهذا، وانخرطوا في التيار الأميركي.
والأميركيون الإنجليز لم يكن لهم أن يقلقوا
بالنسبة لبوتقة الانصهار، فهم الذين صنعوا هذه البوتقة، والأميركيون الأفارقة مازالوا
فيها منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، بينما الأميركيون الكاثوليك من أصل إيرلندي وجدوا
أنفسهم في أوعية مختلفة تبعًا لدينهم وميلهم القبلي (غالبًا مع الأميركيين
البروتستانت من أصل إيرلندي كذلك)، لكن هذه القبلية قد خفت حدتها، ولابد من جهود
يقوم بها كل من السود والبيض لتخفيف هذه النزعة بينهم خلال بضع سنين.
والسؤال هنا هو: هل تؤدي الهجرة المستمرة إلى
اضطراب الميزان؟ صحيح أن مجموع الجاليات الآسيوية، رغم سرعة تزايدها، لا يزال
صغيرًا، ومن العسير أن نفكر في أقوام على درجة واضحة من التقدم الكبير، بأنهم يصعب
استيعابهم. لكن الأرقام الحقيقية تأتي من جنوب الحدود الأميركية، فالمكسيكيون
يشكلون سابع أكبر جالية أميركية وعددهم 11 مليون بعد أن كانوا سبعة ملايين فقط،
ويحتلون المرتبة العاشرة في الثمانينيات. إذن قد حققوا قفزة كبيرة، ويتنبأ الإحصاء
أنه باستمرار معدلات الميلاد الحالية، وهو فرض كبير، سيشكل الإسبان أكبر فئات
المجتمع الأميركي قرابة خمس سكان الولايات المتحدة في عام ٢٠٥٠، إذ إن فلسفة تعدد
الثقافات التي تقف الآن على الأبواب، ستكون قد دخلت إلى أميركا في ذلك الحين.
وبينما كان الإحصاء يقدم هذا التوقع، صدرت
دراسة خاصة حول رأي الإسبان كان فيها بعض النتائج المذهلة، فقد اكتشف الإحصاء
السياسي للوطنيين اللاتين أن لقب "إسباني" و"لاتيني" مرفوضان
من قبل من يُدمغون بهما، فالأميركيون من أصل أميركي لاتيني ينظرون إلى أنفسهم على
أنهم أميركيون حضريون، أو مكسيكيون أميركيون، أو بورتوريكيون، هذا كلما تمت
الإشارة إلى أصولهم العرقية. وأكثرهم يفكر في الانضمام إلى التيار الأميركي العام،
وهناك مجموعات كبيرة من هذه الجاليات ترى أن سكان أميركا عليهم أن يتكلموا
الإنجليزية، بينما أغلبية كبيرة منهم- ثلثان أو أكثر- يرون أن أميركا تسمح بدخول
كثير من المهاجرين أكثر مما يجب. والإسبان يسيرون في طريق الألمان الأميركيين نحو
الانصهار، ففي عام ٢٠٥٠ سيكون الإسبان أميركيين كالألمان الأميركيين سواء بسواء.
ويعتبر استيعاب الجنس الإسباني في أميركا
أخبارًا مهمة، لأن مجموعتين من العاملين السياسيين يقولون إن ذلك ليس واقعًا،
فزعماء الجاليات العرقية يخشون نجاح أعضاء جاليتهم «في عملية الانصهار»، لأن ذلك
من شأنه أن يحرمهم من السمسرة على حسابهم.
ونفس الشيء ينطبق على المجموعات التحريرية،
لأن هذا يقلل من عملهم. وكلا المجموعتين يقولان بأنهم يؤمنون بالمثالية، وأن لديهم
الرغبة في تصحيح الخطأ، وبالطبع لابد أن نشك في هؤلاء القديسين مادامت مؤسساتهم
الخيرية هي التي تعد شيكات دفعاتهم.
إن الحديث عن التنوع في أميركا ما هو إلا
محاولة لوصف الطريق الذي تسير فيه أميركا، بل هو سعي للإسراع في هذا الاتجاه. لقد
حققت أميركا نجاحات تاريخية في تعاملها مع موجات كثيفة من المهاجرين، تخللتها
فترات من الاستيعاب، وإذا كان الشيكيون والسلوفاك قد فشلوا في الحفاظ على بلدهم
المتعدد الجنسيات وعجزوا عن إبقائه متماسكًا، وإذا كان الكنديون الأكثر اعتدالًا
يواجهون المشكلات، فإننا نحن الأميركيين لابد أن نفكر مرتين قبل أن نكون تعددًا
حقيقيًا، ولحسن الحظ أننا لسنا كذلك بعد، اللهم إلا في مستوى صحن المرجل الذي
يغلي، ولنأمل ألا نأخذ أحاديثنا في هذا الصدد بجدية.
اقرأ أيضًا: