العنوان بيان الأزهر عن مصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 149
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 17-يناير-1989
- الواقع يخالف الأماني الصادرة في البيان. الدعوة إلى التريث تعطيل لشريعة الله.
- كيف تشتغل الفأس لتأتي بالقوت إذا كان الضرب على الرأس بالنبوت؟
- البيان يطوق قضايا الشباب التي تنتظرها المحاكم سياسيًّا
أحدث البيان الذي أصدره علماء الأزهر في مصر أصداء واسعة وردود فعل متباينة نظرًا لأهمية صدوره في الوقت الذي يتعرض فيه شباب الدعوة الإسلامية إلى اعتقالات واسعة شملت المعتدلين منهم والمتشددين على السواء، هذا من جانب، ومن جانب آخر يتعرض فيه الشباب إلى حملة إعلامية تشنها أقلام ربما لا يهمها استقرار الأوضاع في مصر وترغب في توسيع الفجوة وإذكاء النار بين المسؤولين وبين أهم قطاع مخلص في الكيان المصري... تلك الأقلام تنفخ في الحوادث الصغيرة مما يجعلها نذر شوم ودلائل كارثة قادمة، مثل هذا النفخ في الحوادث الصغيرة جعل الأجواء كلها في حالة استنفار وربما هذا هو الذي حدا بالسلطات إلى استصدار مثل هذا البيان الذي جاء أشبه بالإدانة الشرعية للشباب المسلم، وبدلاً من أن يؤدي إلى تهدئة الأنفس الثائرة أحدث ردود فعل غاضبة لما جاء فيه من أحكام تتجاوز الواقع وتتجاهل أسس المشكلة، فبالرغم من أن البيان يؤكد «أن المسؤولين لا يردون على الله حكمًا ولا ينكرون للإسلام مبدأ!! وأنهم يعملون على أن تبلغ الدعوة الإسلامية مداها تحقيقًا وتطبيقًا ولكن انتظار الظرف المناسب هو الذي يدعو إلى التريث»، إلا أن هذه العبارة من البيان لا يمكن أن تعطي الشباب المسلم قناعة أو مصداقية على جدية القول بأن أحدًا من المسؤولين أو جهازًا إعلاميًّا رسميًّا يهييء الظرف المناسب لكي تبلغ الدعوة الإسلامية مداها تحقيقاً وتطبيقًا بل مثل هذه العبارة المصطدمة مع الواقع تعطي الانطباع أن البيان الرسمي جاء استصدارًا على طلب رسمي يجسد الحالة التي توصلت إليها السلطات في التعامل مع مشكلة الشباب المسلم.
تطور الأحداث
إن الأحداث بدأت –كما يرى أحد الأساتذة– منذ زمن بعيد ولكن البيان صدر في وقت محدد متناولًا نظرة أحادية، أي جاء من وجهة نظر الحكومة؛ إذ لم يتضمن البيان ما يشكو منه الشباب، ويتلخص في قضيتين أساسيتين هما: عدم تطبيق الشريعة الإسلامية حتى فيما لا يتعارض مع مصالح الدول الكبرى!! وعلى أضعف الإيمان في مجالي الإعلام ومناهج التعليم كدليل على حسن النوايا من جانب المسؤولين الذين يعملون على أن تبلغ الدعوة الإسلامية مداها كما يذكر البيان.
والقضية الثانية التي يشكو منها الشباب هي الإرهاب الحكومي واعتقال المئات والآلاف دون تحقيق أو جرم وعدم السماح للاتجاهات المعتدلة بالنشاط بل شملتها الاعتقالات أيضًا.
ويلاحظ أن أجهزة الإعلام وبعض كتابها المغرضين قسموا الشباب المسلم إلى معتدل ومتطرف، وأخذت بعض الأقلام تنفخ في هذه التسمية إلى الحد الذي جعلها قضية فتنة وسبب انقسام وقطيعة يمكن أن يحطم العمل الإسلامي كله ويجعل جنود الرسالة الواحدة وأبناء الوطن الواحد نهبًا لصراع اختلقته قوى تريد تكبيل الدعوة الإسلامية وتخريبها في أرض الكنانة.
مصر ليست كافرة
ويقول صوت آخر هو صوت الشيخ صلاح أبو اسماعيل في معرض تعليقه على البيان «إن الذين اشتركوا في إصدار البيان صرفوا النظر عن واقع الأمر فجاء كلامهم دفاعًا عن مصر ولم يتهم أحد مصر بالكفر... مصر التي أجمع شعبها على المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للقوانين وأقسم كل مسؤول على احترام هذا النص ولكن كل مسؤول حنث في يمينه»... لقد جاء كلام العلماء في البيان فيضًا من الثقة بالحكام وهم مثقلون بالأوزار فالمادة 201 من قانون العقوبات تقول «لا يجوز لأحد ولو كان من رجال الدين داخل دور العبادة أن يقول ولو على سبيل النصيحة الدينية قولًا يعارض به قانونًا أو قرارًا إداريًّا ومن فعل ذلك يحبس ويغرم فإن قاوم فإنه يسجن ويغرم»، وكذلك الخمر والربا والميسر وما إليها من منكرات أقرت بقوانين وكلها تحليل لما حرم الله، وهذا هو رد الأمر على الآمر، على حد تعبير فضيلة الشيخ الشعراوي.
ويضيف الشيخ صلاح أبو إسماعيل «إن أخطر ما في البيان اعتراف العلماء ببقاء الاستعمار القانوني والثقافي والإعلامي في مقولة (إن الكلمة تكون من الرأس إذا كان القوت من الفأس)، وهي تعلة تعلل بها الحكام لتعطيل الشريعة الإسلامية بدلاً من العمل الجاد للنهوض بحال الأمم والعمل على استقلالها الاقتصادي».
بمن يهيأ الظرف المناسب
كان الشباب يأمل بأن يتضمن البيان تنديدًا قويًّا بقانون الطوارئ الذي ما طبق إلا عليهم وما نال إلا من حرياتهم بينما مشعلو الفتن الحقيقيون يتحركون بحرية يسممون الأجواء بسيطرتهم على أجهزة الإعلام التي تهلل بأن الجماعات الإسلامية تقيم دولة داخل دولة تطبق فيها الحدود والعقوبات الشرعية، في حين أن تلك الجماعات أصبحت في حالة من الاضطهاد لا تستطيع أن تدفع عن نفسها منكرًا فضلاً عن تغييره لدى الآخرين؛ إذ أصبحت اللحية سبة والحجاب مثار قلق والعمل الحر بعيدًا عن قيود الحكومة مدعاة للشك والارتياب... والدعوة إلى الله مقيدة بعد أن أجبر كثير من الدعاة المخلصين على ترك المنابر.... وحملات التشكيك في دينهم ونزاهتهم من جانب الكتاب العلمانيين لم تستثن أحدًا حتى أنها طالت بعضًا ممن كتبوا هذا البيان.
وتغيير المنكر باليد واجب على ولي الأمر.... هذا حق ولكن البيان يرى التريث إلى حين، في الوقت الذي يعمل فيه أعداء الأمة عملهم بنشر المخدرات بين الشباب وتزايد ظاهرة الاغتصاب ووسائل الكسب غير المشروع وأفلام العري ومسلسلات الإفساد والتجرؤ على دين الله وعلمائه المخلصين.
كان من المفروض أن يطالب البيان بتطبيق قانون الطوارئ ضد مثل هذه الجرائم التي لن تهيئ الجو المناسب لأي مسعى خير لتطبيق دين الله كما يذكر البيان.
إن أخشى ما نخشاه أن تستغل مثل هذه البيانات في إشعال المزيد من النار تحت أقدام الأبرياء.
وأخشى ما نخشاه أن يعتبر الشباب مثل هذه البيانات تخليًا عنهم في وقت المحنة لأنها صدرت والقوى النافذة كلها إعلاميًّا وبوليسيًّا معبأة ضدهم.
وجدير بالذكر أن الشيخ الشعراوي كثيرًا ما يعلن أنه يريد أن يحكم بالإسلام – بصيغة المبني للمجهول – وفي هذا إقرار على أن قرارات تطبيق الشريعة على الرف وأن أمرًا جادًّا لن يتخذ ما دام -على حد تعبيره- لن يأتي بالقوت.
المافيا الإعلامية
وأخطر ما في البيان أنه نهج نفس الخط الذي تتخذه المافيا الإعلامية العالمية ضدهم؛ إذ نعتهم بالجهل ووصفهم بالغوغائية واستباحة حقوق الغير والعمالة للاستعمار دون سماع وجهة نظر الطرف الآخر المغيب في السجون والمعتقلات. إذن ماذا بقي للكتاب العلمانيين وعملاء الصهيونية الذين لا يريدون لمصر أن تنجب شبابًا بررة أطهارًا؟ لقد تكفل البيان بالإدانة ووصمهم صراحة بما لا يقوى عليه كتاب ينفخون في النار أمثال فرج فوده وصلاح حافظ وأحمد بهاء الدين وإبراهيم سعده وغيرهم.
إن البيان فيه الكثير من الكلام الطيب ولكنه بسوء توقيته سيتخذ سلاحًا لينكأ المزيد من الجراح التي يعاني منها الشباب المسلم وسيشعر هؤلاء الذين أخلصوا دينهم لله أن دعاتهم ينحون باللائمة عليهم فيما آلت إليه الأمور، والبيان بهذا يطوق سياسيًّا دور الدفاع في قضايا الشباب التي تنتظرها المحاكم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل