; بين الحملات الصليبية والحروب اليهودية: مقارنة ونتائج | مجلة المجتمع

العنوان بين الحملات الصليبية والحروب اليهودية: مقارنة ونتائج

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1300

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-مايو-1998

  • اتفقت الحملات الصليبية والحروب اليهودية في أنه كان لأوروبا دورها الرئيس فيهما وأنهما استهدفتا العالم الإسلامي بأسره... واختلفتا في توقيت النهاية

قامت الدولة اليهودية في 15 مايو 1948م في فلسطين المغتصبة، وكانت قد قامت مملكة صليبية في القدس في 15 يوليو 1099م وشكلت هاتان الهجمتان الصليبية سابقًا واليهودية حاليًا خطرًا على الأمة التي نجحت في التصدي للخطر الصليبي وإزالته ومازالت تعاني مواجهة الخطر اليهودي، وتنتقل من تعثر إلى آخر، فكيف كان النجاح في التصدي للخطر الصليبي؟ ولماذا كان الفشل في التصدي للخطر اليهودي؟ وهل يمكن الاستفادة من النجاح السابق في مواجهة  الخطر الحالي.

الحملات الصليبية: خطب أريان الثاني بابا روما بمناسبة انتهاء مجمع كليرمون في  نوفمبر 1095م داعيًا فرسان أوروبا إلى حملة صليبية لإنقاذ فلسطين من أيدي المسلمين وحدد لها موعدّا في أغسطس 1096م وبدأت الحملة الصليبية الأولى لتتبعها ست حملات أخرى استمرت مائتي عام، اشترك فيها كل أصناف المجتمع الأوروبي: الملوك والنبلاء، والفرسان، ورجال الدين والفلاحون والأثرياء والفقراء... إلخ، وقد استولت الحملة الصليبية الأولى على نيقية عاصمة السلاجقة في 19 يوليو 1097م ثم استولت على مدينة الرها في شرقي تركيا وأقامت فيها أول إمارة صليبية ثم حاصرت أنطاكية في 21 أكتوبر 1097م واحتلتها، وهكذا قامت الإدارة الصليبية الثانية ثم تحركت جموع الصليبيين نحو القدس في يناير من عام 1099م واحتلتها في 15 يوليو 1099م، وأعقب ذلك مذبحة رهيبة وأبيحت المدينة للسلب والنهب والقتل عدة أيام وفاض الدم وظلت الجثث مطروحة في الشوارع إلى أن اجتمع الصليبيون وقرروا اختيار ريمون السائجيلي حاكمًا لبيت المقدس تحت لقب محامي الضريح المقدس ثم تحولت القدس إلى مملكة تحت حكم بلدوين وهكذا أسفرت الحملة الصليبية الأولى عن مملكة في القدس وإمارتين في الرها وأنطاكية.

ثم تتابعت الحملات الصليبية والواضح أن كل الشعوب والدول الأوروبية اشتركت في الحروب الصليبية الإنكليز والألمان والفرنسيون والإيطاليون إلخ .. لم تقتصر الحروب الصليبية على تهديد أرض فلسطين وبلاد الشام بل تعدت ذلك إلى مناطق أخرى  مثل مصر وتونس، فقد تعرضت الأولى لعدة غزوات اختصها الصليبيون في إحدى المرات بحملة صليبية خاصة في الحملة الرابعة أما تونس فقد غزتها الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا  الذي لقى حتفه في تلك الغزوة.

فماذا كانت ردود فعل الأمة الإسلامية؟

لقد أدرك المسلمون هول الغزو  وأخطاره فأخذ الفقهاء والعلماء يخطبون من فوق منابر المساجد في فضل القدس الشريف وفضل الجهاد والمجاهدين ولم تكن حلقات الدروس تخلو من حديث حول القدس كما ألغت الكتب والقصائد التي تحرض وتتناول هذا الموضوع بشكل أو بآخر، وقد أثارت أعداد اللاجئين الهاربين من مذابح الصليبيين مشاعر الاستياء في كل مكان ذهب إليه اللاجئون، لقد أدرك المسلمون أن الصليبيين جاءوا إلى بلادهم بقصد البقاء... وكانت تلك صدمة مؤلمة .

وبدأت الدعوة إلى الجهاد تسري بين أبناء الأمة وتجاوبت معها جماهيرها وأصبحت حركة يقودها الأمراء، وفي خصم هذه الحركة ولدت القيادات المقاتلة على رأسها عماد الدين الزنكي الذي برز عام 531ه‍ - 1127م رافعًا راية الجهاد حاكمًا للموصل، ثم حكم حلب عام 522هـ، ثم استولى في العام التالي على حماه، ثم على حمص عام 532هـ 1143م  وانتزع الرها من أيدي الصليبيين عام 1144م بعد حصار دام 28 يومًا وكان سقوطها صدمة نفسية مؤلمة للصليبيين في كل مكان لأنها  كانت أول إمارة صليبية تقوم على الأرض الإسلامية ولأنها كانت مرتبطة بتاريخ المسيحية المبكر وكان سقوط الرها من الناحية العسكرية كسبًا كبيرًا لأنه جعل وادي الفرات منطقة تخضع للسيطرة الإسلامية وكان هذا الانتصار بداية النهاية للصليبيين .

خلف نور الدين والده عماد الدين الزنكي إثر اغتيال الأخير على يد الباطنية عام 1146م وسار على نهج والده في توحيد البلاد الإسلامية وكانت دمشق هي البلد الوحيد الخارج عن نطاق التوحيد شمال الخلافة  الإسلامية، وكان حاكمها معين الدين أنر يمثل عقبة في وجه نور الدين محمود وفي كل مرة كان يظهر فيها نور الدين محمود أمام أسوار مدينة دمشق. كان الصليبيون يهبون  لنجدتها، ثم عقد تحالفًا ضعيفًا معها بعد موت حاكمها، إلا أنه استطاع أن يدخلها في النهاية برغبة أهلها الذين سئموا ظلم حاكمهم.

وهكذا استطاع نور الدين محمود أن يوحد الجبهة الشرقية، ثم اتجهت أنظاره إلى مصر، وكانت تحكمها الدولة الفاطمية، وتسابق الوصول إليها مع الصليبيين، واستغل المنازعات الداخلية، فأرسل أسد الدين شيركوه وبرفقته  شاب في السابعة والعشرين من عمره هو ابن أخيه صلاح الدين يوسف الأيوبي، الذي خلف أسد الدين شيركوه في الوزارة بعد وفاته عام 564ه‍ - 1169م، ثم استطاع صلاح الدين أن يلغي الدولة الفاطمية ويُلحق مصر بالخلافة العباسية، وذلك عام 567ه‍ - 1171م وهكذا توحدت كل من بلاد الشام والعراق والجزيرة ومصر تحت راية واحدة ثم حدثت معركة حطين في 4 يوليو 1187م والتي كانت مقدمة لأخذ القدس من الصليبيين في 2 أكتوبر 1187م وسارعت بعد ذلك المدن والقلاع الصليبية إلى الاستسلام فلم يبق في أيدي الصليبيين إلا بعض مدن محدودة هي: صور وأنطاكية وطرابلس وهكذا تأكدت نهاية الحروب الصليبية كثمرة لعملية التوحيد التي قامت بها الدولتان الزنكية والأيوبية.

لقد حققت القيادات الإسلامية الانتصار على الصليبيين بعد أن قامت بخطوتين مهمتين هما: 

الأولى: الاستفادة من الرصيد الثقافي الذي تقوم عليه الأمة، والذي يعد محورًا أساسيًا من أساسيات وجودها وهو الجهاد والمجاهدين وفضلهما، وأهميتهما في الحفاظ على المقدسات الإسلامية والحرمات الشرعية واستثارته وتحريكه والبناء عليه.

ثانيًا: التوحد تحت راية الجهاد، وهو ما بدأه عماد الدين الزنكي واستكمله نور الدين وصلاح الدين، وأصبح الصليبيون محصورين بين جناح الأمة الشرقي الذي يضم الموصل والجزيرة وبلاد الشام، والجناح الغربي الذي يضم مصر، ثم كان الإطباق الذي حقق الانتصار على الصليبيين في حطين.

هذا ما يتعلق بالحروب الصليبية، والآن كيف سارت الأمور بالنسبة للحروب اليهودية؟

الحروب اليهودية

عقدت القوى اليهودية في أوروبا المؤتمر الصهيوني الأول لها في سويسرا عام 1897م وحددت أرض فلسطين هدفًا لإقامة دولتها، واختارت هرتزل أمينًا عامًا لها، ثم وقعت الحرب العالمية الأولى في عام 1914م، وانهزمت الخلافة العثمانية التي وقفت إلى جانب ألمانيا في الحرب وكانت نتيجة الحرب سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم بلاد الشام، ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ثم بدأت الهجرة اليهودية، تتوالى إلى فلسطين، ومكّن الانتداب البريطاني اليهود من إقامة دولتهم، فساعد الوكالة اليهودية على شراء أراضي العرب المسلمين، ونقل إليها كثيرًا من الأملاك الحكومية، ثم أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947م واندلعت المواجهات بين العرب واليهود، ودخلت الجيوش العربية  فلسطين، في 15 مايو 1948م وانهزمت أمام الجيش اليهودي، وقامت الدولة العبرية على أرض فلسطين، ونزح نتيجة ذلك عشرات الآلاف من الفلسطينيين ثم خاض العرب عدة حروب هي:  1956م 1967م 1973م ثم دخل العرب في سلام مع اليهود، فوقعت مصر اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978م ثم وقعت منظمة التحرير اتفاقية أوسلو عام 1993م، ووقعت الأردن اتفاقية وادي عربة 1994م، والسؤال الآن: ما أوجه الاتفاق والاختلاف بين الحملات الصليبية والحروب اليهودية؟

  1. تتفق الحملات الصليبية والحروب اليهودية في أن أوروبا كانت ذات دور رئيس في الحربين، وقد حلت الآن أمريكا مكان أوروبا في دعم الكيان اليهودي.

  2. تتفق الحملات الصليبية والحروب اليهودية في أنهما استهدفتا العالم العربي والإسلامي وليس أرض فلسطين وحدها، فقد أقامت الحملات الصليبية دولًا وممالك، وأفرزت الحروب اليهودية احتلال أراضٍ في لبنان، وسوريا، ومصر، وتتطلع إسرائيل الآن إلى السيطرة على العالم العربي انطلاقًا من مقولة أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل .

  3. الحالتان تستهدفان اقتلاع الوجود الإسلامي وأن تستبدل به وجودًا آخر صليبيًّا في الماضي، ويهوديًا في الحاضر، ولذلك لا تتوقف أهداف الصليبيين واليهود عند الاستغلال الاقتصادي، إنما تتعداه إلى إقامة وجود مغاير دائم.

  4. تختلف الحملات الصليبية عن الحروب اليهودية بأن بداية النهاية بالنسبة للحملات الصليبية بدأت بعد أقل من خمسين عامًا على قيامها، فما السبب في ذلك؟ 

السبب في ثلاثة أمور: الأول لقد تواصلت القيادات العباسية أثناء الحملات الصليبية مع ميراث الأمة الثقافي المرتبط بقيم البذل والعطاء والتضحية والجهاد والشهادة والمقدسات وتفضيل الآخرة على الدنيا... إلخ.

فاستفادت منه وحركته لدفع الأمة إلى الجهاد والقتال في حين أن بعض القيادات  العربية المعاصرة التي تصدرت الساحة السياسية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعدها تنكرت لميراث الأمة الإسلامية الثقافي، فهونت من شأن الدين ورابطته وأعلنت القومية ورابطتها بحجة تجاوز العصر لرابطة الدين، ولقد قال أحد شعراء القومية: 

سلام على كفر يوحد بيننا 

وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم

وشككت في بعض حقائق القرآن بحجة العلم حينًا والتاريخ حينًا آخر، وزينت السلوك الغربي القائم على انفلات الأخلاق بحجة الحرية وروجت الفنون الهابطة، ونادت بأن لا حكم في الإسلام، وأن الحكم الذي مارسه الرسول ﷺ كان شيئًا خاصًا به، ثم زاد الطعن في الدين والاستهزاء به في المرحلة الاشتراكية التي بدأت في الستينيات من هذا القرن في معظم الدول العربية ولم يتوقف الأمر عند هذا فحسب بل تعداه إلى اعتباره أساس التخلف ويجب اقتلاعه من واقع الحياة والمجتمع والاقتصاد والأسرة والتربية لأنه أفيون الشعوب.. ولأنه يقوم على الخرافة والأوهام ومناقض لأصول العقل والنهضة، وقد روّج لهذه المقولات كثير من الكتاب، وبالفعل وضعت البرامج والمناهج التي تحقق ذلك في أجهزة الإعلام والتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ... فكانت نتيجة ذلك تمزيق اوصال الأمة، وتوحيد التناقضات في كيانها، واضطهاد علمائها وتغييب طلائعها المؤمنة في السجون، وانهزامها في المعارك التي خاضتها أمام اليهود.

الثاني: أعتبر المجتمع العباسي أن مقاتلة الصليبيين واجب الآمة جميعها، لذلك اشترك في مجاهدتهم كل الأعراق والأجناس: العرب، والفرس، والأكراد، والأتراك، إلخ... ثم سارت القيادات في خطة توحيدية شملت مختلف المدن الإسلامية حتى توصلت إلى إجلاء المعتدين، لكن القيادات المعاصرة اعتبرت أن مقاتلة اليهود واجب الفلسطينيين فنشأت منظمة التحرير الفلسطينية لمواجهة اليهود، وللدول العربية دور الداعم حسب ظروفها وإمكاناتها، لقد أدى هذا التقسيم إلى حصر الصراع بين منظمة التحرير وإسرائيل، وأبعد طاقات الأمة وإمكاناتها عن ساحة الصراع.

الثالث: رفعت القيادات العباسية شعار الجهاد منذ اللحظة الأولى لبدء الحملات الصليبية، واستمرت في رفعه إلى أن انتهى الوجود الصليبي وكانت تتولد الأسر الزنكية ثم الأسرة الأيوبية، ثم المماليك الشراكس، ثم المماليك البحرية، في حين أنزلت راية الجهاد بعد أقل من خمسين سنة من مقاتلة اليهود عندما اعترفت منظمة التحرير بالقرار ٣٤٢ وبإيقاف الانتفاضة والكفاح المسلح ضد إسرائيل، وذلك قبل أن تعترف إسرائيل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على الأقل، لذلك صارت تهمة الإرهاب تهمة جاهزة لكل من يفكر في مقاتلة اليهود، ولكل من يعد العدة لاسترداد حقه وأرضه السليبة ومع أن أطماع اليهود في قيام إسرائيل الكبرى مازالت تداعب خيال قطاع كبير من المجتمع الإسرائيلي ومازال السعي إلى تحقيق ذلك قائمًا وتدل عليه مؤشرات عديدة.

لقد خسرنا الحروب اليهودية لأن القيادات القومية المعاصرة حاربت ميراث الأمة الثقافي وتنكرت لثوابتها الدينية ولأنها غلبت الجانب القطري على حساب توحيد الأمة، ولأنها أنزلت راية الجهاد قبل المعركة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

434

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

182

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه