; بين الكلمات.. واللكمات | مجلة المجتمع

العنوان بين الكلمات.. واللكمات

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 75

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

لما كانت الكلمات أدوات للتعبير عن الأفكار والمعتقدات فإنها لدى الإسلامي تجسيد لمفاهيم يتبناها وقيم يحياها، ومصاديق لمضامين يؤمن بها ويلتزم بهداها ومفردات سلوك يتعاطاها، قبل أن تكون حروفًا وألفاظًا وتراكيب، ولذلك لا يتوقع منه الآخرون إلا أن ينطق صدقًا ويقول حقًا ويكتب خيرًا ومحبة ورفقًا، إذ لكلماته رصد وعلى ألفاظه رقابة، ولما يصدر عنه استحقاقات وتبعات إذ الكلمات هي الصدى المسموع لإيقاعات الفكر ومفردات السلوك وترشحات العاطفة التي تمثل بمجموعها الهيكل الهندسي لعمارة الشخصية الإسلامية وبما يعني مواجهته للمسؤوليات والاستحقاقات الكبرى التي تفرض نفسها على الإسلامي ، وهو يعكس بألفاظه ما انعقد عليه قلبه والفؤاد من فكر واعتقاد.

 وتأسيسًا على ذلك لا ينبغي للإسلامي أن يتصور أو يتوهم أنه ينطلق من فراغ، أو يتعاطى مع أجواء ومناخات، يميز أهلها من حوله بينه وبين ألفاظه لأن الرصد الاجتماعي لما يقوله ويمارسه يمثل بالنسبة له رقابة اجتماعية صارمة ترى كل لفظة منه وحركة وسلوك بمثابة عينة حية من الإسلام الذي يتحرك بين الناس عبر حركة المؤمنين به والملتزمين بخطه.

وبقدر ما يحمل الناس في أذهانهم من صور مشرقة عن الإسلام العظيم وحضارته الخيرة فإنهم يطالبون الإسلامي بترجمة أفكاره إلى أقوال ومضامينه إلى أفعال لأنه من حيث يريد أو لا يريد نصّب من نفسه مرآة عاكسة لذلك الفكر الخلاق ومضامينه السامية، ومن هنا ينبغي ألا يخيب ظنون الناس فيه، كما يفترض به ألا يسيء إلى الإسلام من خلال تدنٍّ في السلوك والممارسات أو هبوط في التعاطي بالتعابير والألفاظ والكلمات حتى حينما يتساجل أو يتجادل مع الخصم.

وقد تتضاعف مسؤولية الإسلامي في هذا المجال عندما يمتلك القدرة على إيصال صوته إلى مدى أبعد وآفاق أرحب عبر الكتابة والخطابة، وهو ما يلقي عليه تبعات وأعباء تحديد مسارات الألفاظ وإحكام استخدامها وتوظيفها للخير والحق والبناء والهدي والصلاح والإصلاح، وبغيرها تتحول الكلمات الهادية إلى رصاصات طائشة تطول الآخرين، وتمثل عدوانًا صارخًا على حرياتهم وحرماتهم، وبما يعني تحول الكلمات إلى لكمات تفقد اللغة عندئذ مصاديق معانيها، «فرب كلمة جلبت رحمة ورب كلمة جلبت نقمة».

وإن ضرائب الصوت المسموع تضع أصحابه أمام مسؤولية الكلمة لأن الكلمة موقف والكلمة عهد وعقد، ولأن الكلمة هوية الشخصية والتعبير الأمثل لمضامينها ومحتواها الداخلي، وهي بقدر ما تكون شفافة رائقة رائعة سوف تهب أصحابها القوة والقدرة على الجذب والحب والاستقطاب إذ الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها القائل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)

أما من يطلق للسانه العنان، وليراعه مسارب الافتتان فسوف يفتح جبهات التراشق بأسلحة اغتيال السمعة التي لا يسلم من شظاياها المدمرة قصي أو قريب، فلا يأمن بعدها من ردود الأفعال وسجال الأقوال، وهي الأخرى قد لا تخطئ راميها ولا ترحم من يوافيها فتتحول الحياة والكلمات إلى منابر خصام بدلًا من أن تكون محطات تعارف.

إن أخلاقية الإسلام تحظر على المؤمنين به فتح نيران مدافع الألسنة على الناس، وإن حظرها أشد حينما تستهدف تلك النيران شخصيات ومؤسسات وجماعات إسلامية فتكشف أسرارها وتهتك أستارها، وتتسقط عثراتها وأخبارها وبما يعني الارتداد بالشر على الجبهة الداخلية التي تحاصرها الأخطار، ويحدق بها الأشرار ويشتد الأمر سوءًا عندما يشارك في الفتنة من أوتي حظًا في البيان والبنان، فتأتي رصاصات ألفاظه قاتلة غائلة، وتصبح ضحاياها من داخل الصف الإسلامي قرابين هابيلية لا ينفع معها الاعتذار ولا الاستنكار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

105

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

يوميات المجتمع (34)

نشر في العدد 441

74

الثلاثاء 17-أبريل-1979

الأسرة- العدد 441