; بين تهديدات قريع وتهديدات شارون | مجلة المجتمع

العنوان بين تهديدات قريع وتهديدات شارون

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004

مشاهدات 77

نشر في العدد 1585

نشر في الصفحة 20

السبت 17-يناير-2004

هدد (!) رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع بأن يعلن الفلسطينيون دولة ثنائية القومية على كامل فلسطين الانتدابية إذا ما واصلت «إسرائيل» بناء الجدار العازل، واستمر شارون في مخططه لفصل الدولة اليهودية عن الضفة الغربية وقطاع غزة. الدولة ثنائية القومية مشروع سياسي قديم يقصد به إقامة دولة واحدة تضم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة واليهود داخل الخط الأخضر، وهي الدولة التي بشر بها القذافي وسماها «إسرائيل » وإذا كان هذا المشروع ليس بالجديد. وصرح به قریع رد فعل على سياسات شارون العنصرية، فإن الجديد هو أن يهدد رئيس الوزراء الفلسطيني بالتخلي عن مطلب ظلت السلطة الفلسطينية ومن قبلها منظمة التحرير تطالب به وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

على أنه لا يمكن أخذ التصريحات الفلسطينية الرسمية على محمل الجد دائمًا فالسلطة عاجزة عن إدارة نفسها فضلًا عن عجزها عن حماية الشعب الفلسطيني. ومن الطبيعي أن تفشل في تحقيق طموحات شعبها المنكوب منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا. ولذلك لم تملك السلطة سوى التلويح بالمطالبة بنفس الحقوق التي يتمتع بها اليهود في «إسرائيل» إذا أصر شارون على خطته أحادية الجانب لفك الارتباط مع الفلسطينيين ولفرض معطيات حدودية ستحرم الفلسطينيين من أراض يأملون بإنشاء دولتهم عليها كما صرح قريع.

الفلسطينيون من أنصار الدولة ثنائية القومية لا يشكلون سوى أقلية لا تكاد تذكر وكذا نسبتهم في صفوف الإسرائيليين، أي أن هذا الخيار لا يلقى تجاوبًا أو موافقة من «الشعبين» مشروعي الدمج.

غير أن هذا البعض من الفلسطينيين دعاة هذا الطرح غالبًا ما يتحمسون له بدافع اليأس من الواقع الصعب والاستسلام له، أو عن حسن نية اعتمادًا على مؤشرات سكانية، تؤكد التفوق العددي الفلسطيني على اليهود في فلسطين المحتلة بحدودها الانتدابية خلال السنوات القليلة القادمة. وقد أشارت دراسات ديمو جرافيه إلى أن اليهود سيشكلون أقلية مع نهاية العقد الحالي في فلسطين الانتدابية.

 وأوضحت دراسة نشرها مكتب الإحصاء التابع للسلطة الفلسطينية، أن عدد العرب سيصل إلى ٦,٣ ملايين نسمة سنة ۲۰۱۰ في مقابل ٥,٧ ملايين يهودي إذا استمرت نسبة النمو الديمو جرافي على ما هي عليه الآن.

مصادر سياسية إسرائيلية اعتبرت تهديدات قريع باطلة ولا معنى لها وقالت إنها تدل على الوضع الصعب الذي تعيشه السلطة الفلسطينية». ورأت هذه المصادر أن دولة ثنائية القومية تعني نهاية إسرائيل كدولة يهودية وأضافت: إذا ما أعلن الفلسطينيون عن إقامة دولة، وجاءت العمليات الهجومية التي تستهدف «إسرائيل» من قبل دولة، فسوف يكون لـ «إسرائيل» كامل الحق في العمل ضد الدولة التي تهاجمها. إن للدولة حقوقًا، لكن عليها واجبات أيضا وإذا لم تعرف كيف تعالج الإرهاب الذي ينطلق من أراضيها، فإن «إسرائيل» ستعرف ما يتوجب عمله.

هذا الطرح مرفوض صهيونيًا كما أسلفنا والحكومة الصهيونية تستشعر خطر التفوق الديمو جرافي الفلسطيني على وجه الخصوص ولذلك هي في سباق مع الزمن لفرض معطيات وحقائق جديدة على الأرض لعزل نفسها عن جيرانها الفلسطينيين بسرقة ومصادرة أكبر مساحة ممكنة من أراضيهم وعزل نفسها بجدار عنصري مرتفع وملغوم ومكهرب يبتلع ربع مساحة الضفة الغربية وربما أكبر بكثير.

 ومع ذلك لم تكن السلطة جادة في طرحها مشروع الدولة ثنائية القومية، إذ أعلن وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني صائب عريقات أن تلويح الفلسطينيين بالعمل على قيام دولة واحدة ثنائية القومية، لا يعني التخلي عن خيار الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية بقدر ما يرمي إلى لفت الانتباه لأخطار الاستمرار في إقامة «إسرائيل» الجدار العازل (!).

واتهم عريقات في مقابلة تلفازية الولايات المتحدة بالتخلي عن مسؤوليتها تجاه خريطة الطريق، وهو ما شجع شارون على المضي في سياسته العدوانية والتصرف كما لو أن الفلسطينيين غير موجودين.. وهذه العبارة الأخيرة ليست للدكتور عريقات.

وزير الخارجية الأمريكي كولن باول من جانبه رفض «تهديدات قريع، وأكد أن بلاده ما زالت متمسكة بفكرة إقامة دولتين كسبيل وحيد لدفع ما يسمى بعملية السلام، واعتبر أن الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي أن يشن قريع حملة إجراءات صارمة ضد النشطاء الفلسطينيين»!.

وكان إيهود أولمرت نائب رئيس الوزراء الصهيوني قد اقترح الشهر الماضي انسحابًا من أجزاء من الضفة الغربية للمحافظة على تفوق العنصر اليهودي ديموجرافيًا. 

وقال أولمرت: «إن الوضع القائم حاليًا في الأراضي المحتلة يدمر الصهيونية»، وأنه ينبغي على اليهود اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية بسرعة وقبل فوات الأوان!

وقد حذر أولمرت من أن على «إسرائيل» أن تختار إما إبقاء المناطق المحتلة تحت سيطرتها ومن ثم فقدان صفة الأغلبية اليهودية أو أن تضحي بأجزاء عزيزة عليها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بعض المحللين يرى أن تصريحات أولمرت لم تكن إلا للدعاية الانتخابية إذ إن الرجل يسعى لمنافسة شارون على زعامة الليكود وفي انتخابات رئاسة الوزراء القادمة، وإلا فإنه بطل مشروع القدس الكبرى يوم أن كان رئيسًا لبلدية القدس المحتلة.

وبعد أيام قليلة من تصريحات أولمرت خرج شارون ليهدد بفك الارتباط مع الفلسطينيين إذا لم تقض السلطة الفلسطينية على «الإرهاب» خلال ستة أشهر.

الفرق بين تهديدات قريع وتهديدات شارون واضحة لأن القوة هي التي تفرض منطقها على الأرض، وشارون يتسلح ويستقوي على الفلسطينيين كل لحظة بينما السلطة لا تستطيع الدفاع عن شعبها، بل تمضي جاهدة لنزع آخر ورقة يملكها الخاضعون للاحتلال في العادة.. ورقة المقاومة.

الرابط المختصر :