; بين عهدين.. وبين فتحين | مجلة المجتمع

العنوان بين عهدين.. وبين فتحين

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1968

نشر في الصفحة 22

السبت 10-سبتمبر-2011

معالم الفتح بين الثورتين واحدة.. حيث تحطمت أصنام الطغاة ومزقت صورهم وانتهى طغيانهم.

أما العهد الأول فهو عهد الاستبداد والطغيان الذي جثم على صدر الأمة قرابة نصف قرن، فالثامن من فبراير عام ١٩٦٣م عهد اغتصاب السلطة من قبل البعث العربي الاشتراكي في العراق، والثامن من مارس عام ١٩٦٣م عهد اغتصاب السلطة من قبل »البعث العربي الاشتراكي» في سورية، والفارق بينهما شهر واحد ، وفرض الحزب وفرضت مبادئه على الأمة، وشهدت الأمة أسوأ أنواع الاستبداد من فرعي الحزب في سورية والعراق.

فالوحدة صارت تجزئة حتى بين فرعي الحزب، وعجزا عن الوحدة خلال أربعين عاما مـن عـمـر الأمة، والحـريــة صارت استبدادًا وطغيانا وظلما لم يشهد تاريخ الأمة مثيلًا له، والاشتراكية أهدت فقرًا للبلد ما يزيد على خمسين بالمائة من كل شعب، ثم لحق «القذافي» في العقد نفسه في الفاتح من سبتمبر، و«حافظ الأسد» في حركته التصحيحية في ديسمبر، جعلا نفسهما إلهين يعبدان من دون الله، نصف قرن من جثوم الطغيان على الأمة ذبحها من الوريد إلى الوريد باسم الحرية والتحرر ﴿الذينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ في سبيل الطَّاغُوتِ ﴾ (النساء : ٧٦).

أما العهد الجديد الذي بدأ منذ بضعة أشهر، فهو عهد تحطيم الطواغيت، فمصر تطيح بطاغيتها «مبارك» ليعود ملاك الأمر إلى الشعب نفسه، وتونس تطيح بطاغيتها بن علي ليعود ملاك الأمر إلى الشعب نفسه، وليبيا تطيح بطاغيتها «القذافي» ليعود ملاك الأمر إلى الشعب نفسه.. ومن حقنا أن نقرن بين ثورتين بينهما شهر واحد كذلك، في السابع عشر من فبراير ۲۰۱۱م انطلقت شرارة الثورة في ليبيا، وفي الخامس عشر من مارس من العام نفسه انطلقت شرارة الثورة في سورية، وكان الفتح المبين في ليبيا في رمضان تيمنا بفتح مكة، ونرجو من الله تعالى أن يتم الفتح المبين في سورية بعد شهر واحد إن شاء الله.

أما معالم الفتح فهي واحدة لدى الثورتين تحطمت أصنام الطغاة، ومزقت صورهم، وانتهى طغيانهم، وفي سورية كانت المعالم سباقة لسقوط النظام على غير عهد بالثورات، فقد تحطمت الأصنام وديست بالأرجل، ولما يزل الطغاة الجبارون موجودين ومزقت الصور وبصق عليها، والنظام يقدم هدية لشعبه بمناسبة رمضان حوالى ثلاثين شهيدًا على الأقل في كل يوم، والهتافات مع انبلاج فجر ليبيا انطلقت حناجر الثوار السوريين تهتف: «القذافي طار طار.. إجا دورك يا بشار».

وكما يقول المثل: «الحبل على الجرار»، فطاغية اليمن على نفس المسار، وانتهى الحـديـث عـن الـعـهـدين، عهد سيطرة واستبداد وطغيان قبل نصف قرن، وعهد تحطيم الطواغيت، واستلام الشعب سلطته بعد نصف قرن .. لكن ماذا عن الفتحين فتح مكة، وفتح طرابلس؟ فقد كان حرص الثوار على أن يتم الفتح في التوقيت نفسه في العشرين من رمضان، إنهم جند محمد حرصوا على الاقتداء به وإعادة صورة فتح مكة، لا ذكرى في المناسبة واحتفالات تتكرر كل عام وانتهى الأمر، بل كان عرضًا جديدًا لتحرير طرابلس من الطغيان كما حررت مكة، وهذه مجموعة من نقاط اللقاء بين فتح طرابلس والهدي النبوي يوم جاء نصر الله والفتح:

أولا : السرية: فقد فوجئ العالم بفتح طرابلس كما فوجئ العرب بفتح مكة واستجيب الدعاء النبوي: «اللهم خذ العيون والأبصار عنا فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة».

ثانيَا : إراقة الدماء: فسعد بن عبادة رضي الله قال لأبي سفيان: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا»، فصحح له رسول الله له الهدف من الفتح فقال: «اليوم يوم الرحمة، اليوم تعظم الحرمة، اليوم أعز الله قريشًا».

 ثالثًا : من ألقى سلاحه فهو آمن فقد كان الموقف النبوي لعامة الشعب: «من دخل الحرم فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن».. وفي فتح طرابلس وجدنا أن الشعب كله آمن ومن تورط فى دم الشعب وقتله فيحال للقضاء ليقول فيه كلمته .

رابعا: لا عفو عن الطغاة ومجرمي الحرب فحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشخاصا أمر بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، ﴿ألا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُوا بِإِخْرَاج الرَسُول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (التوبة:13)، وهو الأمر الذي دعا إليه الثوار الليبيون في قتل وقتال مجرمي الحرب.

خامسًا: بين الخندمة والعزيزية فالذين يحاربون الثورة ويقاتلونها ، وما أغلقوا عليهم أبوابهم وما ألقوا السلاح لابد من قتالهم حتى يستسلموا ، وكان بطل التطهير خالد بن الوليد، حتى فر الجيش المحارب بعد المواجهة، وقال قائلهم لزوجه:

إنك لو شهدت يوم الخندمة

إذ فر صفوان وفر عكرمة

وقطعنا بالسيوف المسلمة

کل ساعد و اعد وجمجمة

لا تنطقي في اللوم أدنى كلمة

وها هم الذين يطلقون النار من جيوب النظام البائس ، وهذه «العزيزية» معقل المجرم القائد لا تزال الحرب الضروس فيها حتى سقطت واستسلمت بحمد الله. 

سادسًا : لا غدر في الإسلام فقد استأمن عثمان رضي الله لأحد أقربائه، وأجاره عند رسول الله ، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إجارته، وها هو عليه الصلاة والسلام يأتي بابني عمه أبي لهب، وقد اختبؤوا خوفا على أنفسهم، فيضعهم بين يديه عند أستار الكعبة، ويضرع إلى ربه أن يعفو عنهم، وقد هربوا أصلا من المواجهة، وها نحن نجد «محمد» بن الطاغية «القذافي» يستسلم وينزل على أمان الثائرين، فيقرر «عبد الجليل» هذا الأمان، ويعلن أنه سيستقيل من منصبه إن مُس «محمد» بسوء ، «فلا تزر وازرة وزر أخرى». سابعًا : يوم الفتح يوم تكسر الأصنام، وتنزع الصور من الكعبة، وتحرق معالم الشرك، نجد الصورة تتكرر في طرابلس معلنة ما أعلنه رسول الله الله : ﴿وقل جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ (الإسراء:81). 

ثامنًا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»: حتى دون أن يجبر قريشًا على الإسلام، وغدت قريش تفدي رسول الله بدمائها وهي مشركة فينضم لجيش الفتح ألفان منها في حرب هوازن يوم «حنين»، وها هو رئيس المجلس الانتقالي يطالب بطي صفحة الماضي بجرائمه وطغيانه ويترك القضاء ليقول كلمته فيمن تورط في التخطيط لقتل الشعب ونهب ثرواته، وليحاسب على إجرامه.

تاسعًا: إلغاء قيم الجاهلية وإعلان المساواة الإنسانية والتفاضل بالتقوى حيث حدد رسول الله بقوله: «يا أيها الناس، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وكبرها لآبائها، كلكم لآدم وآدم من تراب»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:۱۳)، ويعلن قادة الثورة انتهاء عهد الطغيان والطغاة ويؤكدون أن الناس جميعا متساوون أمام القانون، والشعب هو الذي يحكم نفسه .

عاشرًا: إعادة الكرامة والحرية للإنسان في هذا الفتح: فقد ألغيت الغارات، وألغي الربا وتساوى القائد مع شعبه .. «ألا إن كل مأثرة أو دم أو مال يرعى ،فهو تحت قديس هاتين، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث - ابن عمه - وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب»، وها هو الحكم الجديد يعلن حق الشعب في تقرير مصيره، واختيار الطريق الديمقراطي لتنفيذ هذه الحرية والمساواة هذا إلى جانب نقاط تشابه أخرى، آملين إعادة صورة سماحة الإسلام وسموه من جديد من خلال هذا الفتح المبين.

نترحم على الشهداء، ونهنئ المجاهدين والأحياء بهذا النصر المؤزر، ونرجو أن نلقاه قريبًا في وطننا السوري، والله أكبر ولله الحمد .

الرابط المختصر :