العنوان إرهاصات التغيير وإرادات الشعوب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998
مشاهدات 90
نشر في العدد 1302
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 02-يونيو-1998
هل إرهاب الدول لشعبها مقدمة للتغيير؟، أم الفساد في السلطات والجهل في القيادات، والإثراء غير المشروع للرياسات والأبناء، والتهام أقوات الفقراء والمعوزين، وامتصاص دمائهم هو المحرك؟، أم المظالم واستعباد الناس، وامتهان الحرمات، والتلاعب بالقوانين، وتقنين الشهوات والتجاوزات هو الباعث للثورة؟، أم فتح السجون والمعتقلات، وتلفيق الاتهامات، وإقامة المحاكمات الهزلية، وتأليف المحاكم العسكرية، والحكم بالقوانين الاستثنائية، والأحكام العرفية هو الذي يأتي بالبديل؟
نعم: كل ذلك، وعليه المزيد من أعمال سلطات غير مسؤولة، هو مقدمة لإرهاب طويل، ومؤشرات لإرهاصات التغيير.
مستحيل أن تبقى هنا أو هناك دكتاتوريات لا تحادث إلا نفسها، ولا تسمع إلا طنينها، وتظل معزولة عن الشعب، مطرودة من الأمة إلى أمد طويل، ويستحيل أن تصمد الحلول الاستئصالية طويلا أمام مطارق الإصلاح، وفي مواجهة رعود الكلمات الحرة، ومطارق الأيدي الشريفة الصالحة، ويستحيل أن تظل الشعوب مخدرة إلى وقت طويل، وأن يظن الغباء الإعلامي أنه بسفهه المفضوح، ورسالته الملوثة، يستطيع خداع الشعوب، أو أن يعقد على قفاها غباء مستديماً، والذين يتوارون خلف الجيوش وجنود الأمن، دائماً مهزومون، والذين يأخذون من الأمة دروعاً لهم، دائماً منصورون، وفي العصر الحديث وحده كم سقطت من دكتاتوريات، وأزيلت من طواغيت، واندكت من عروش، وبادت جبابرة، وما أغنت عنهم جيوشهم، ولا مخابراتهم، ولا مناصبهم وسلطانهم، ولقد وقفت طويلاً، أما كلمات "سوهارتو" التي أخذ يرددها في تنازله عن العرش، وهو مطأطئ الرأس، مرتعش الجبين، منكسر النفس، تتلعثم الكلمات على شفتيه، وتشرد الألفاظ من بين ثناياه، يطلب الصفح من شعبه، والعفو من أمته، والمغفرة من الجماهير المحتشدة، لتنظر إلى مصرع الطاووس، ودفن الدكتاتورية.
لحظات أليمة تنسيه كل ما مارسه من سطوة، ومتع به من جاه، وعاشه من عز ورفاه، بل قد تكون هي القاضية، لأنه سيعيش طريداً محقوراً محروماً من كل شيء، حتى من احترام الناس، فضلاً عن شعبه، إن أول من يتنكر له هم زمرته ومنافقوه الذين يبحثون الآن عن منجى لأنفسهم، ومهرب عن عمالتهم ومظالمهم، وقد يأخذون من فضحه سببا لبراءتهم، ومن كشف عورته للناس ملجأ لحمايتهم، ومن لعنه والمطالبة بمحاكمته، وتقديم الأدلة على ذلك تكفيراً عن ذنوبهم، وعربونا لإخلاصهم، وهذا لا يعفيهم من تاريخهم الأسود، ولا من عواقب ظلمهم المبيد، ولله در من قال:
إذا ظالم استحسن الظلم مذهبا | ولج عتوا في قبيح اكتسابه |
فكله إلى ريب الزمان فإنه | ستبدي له ما لم يكن في حسابه |
فكم قد رأينا ظالما متجبرا | يرى النجم تيها تحت ظل ركابه |
فلما تمادى واستطال بظلمه | أناخت صروف الحادثات ببابه |
وعوقب بالظلم الذي كان يقتفي | وصب عليه الله سوط عذابه |
لقد عاش شعب إندونيسيا وديعاً مسالماً، ولهذا بغى عليه الاستعمار الهولندي، واحتل أرضه، وأخذ خيره ردحاً من الزمان، وما كاد يثور على المستعمرين ويتمكن من إخراجهم، حتى وقع في دكتاتور من بني جلدتهم، هو "سوكارنو" الذي فعل بإندونيسيا الأفاعيل، وظل يحارب التيار الإسلامي عشرين عاماً، ويزرع الهوية الشيوعية بدل الإسلام، وقتل من العلماء والدعاة ألفا وخمسمائة في مدى سنتين من حكمه الشيوعي، ولقد أعلن سوكارنو سياسته الدموية في خطاب مشهور سنة 1965م قائلا: "إن الاستقرار لن يكون إلا بإراقة الدماء الكثيرة، فالطريق نحو هذه الغايات صعب جداً، ولكن يجب ألا تأخذنا الرحمة أو الشفقة"، وأخذ يفتخر بماركسيته فيقول: "إنني ماركسي حتى النخاع، وأفتخر بذلك، إنني أؤمن بالفلسفة المادية"، ثم أعلن الإباحية، وجعل من نفسه القدوة، وكان يقول: إن الرجل الذي لا يذوق طعم الهوى والغرام ولا يفتنه الجمال، فهو إما مخنث، أو فاقد للرجولة والإحساس.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد دفعت المظالم والمآسي والإبادة ومعاداة الإسلام الشعب إلى الثورة عليه، وتنحى غير مأسوف عليه، وأعلن ذلك في 20/2/1967م بإلغاء رئاسته، وتسليم الجنرال "سوهارتو مقاليد السلطة في 12/3/1967م، ولكن الأخير لم يستفد من الدرس السابق وتنكر للإسلام والمسلمين، وأفسح المجال لإرضاء الغرب والكنيسة، وفتح مجالات التنصير على مصراعيها، فبنى 8 آلاف كنيسة، وملئت بثلاثة آلاف وخمسمائة قسيس، و800 مبشر، وكان يخدمهم خمسون مطاراً، وآلاف المدارس والمستشفيات، واستطاعت هذه الإرساليات، كما أخبرت الندوة العالمية للشباب المسلم، تنصير 3 ملايين مسلم خلال عامين، مستغلين الفقر والإعلام الذي يسيطرون عليه، وكبت العمل الإسلامي، ومحاربته، ثم فتح السوق الاقتصادية للصينيين، وعزل المسلمين ليظلوا فقراء، وكان لا بد للناس بعد حكم 32 عاماً أن يثوروا على الفساد والبغي والدكتاتورية البغيضة والفساد، ونهب أقوات العباد، فبرز الوجه الدموي لسوهارتو، وكان من ذلك ما يلي:
- التعذيب حتى الموت: حيث عومل الوطنيون والإسلاميون بشراسة، وكانوا يعذبون حتى الموت وتعمل لهم شهادات مزورة على أنهم ماتوا في أحوال طبيعية، وقد ثبت أكثر من مرة تورط رجال الشرطة في ذلك.
- الضرب في المليان، وقتل الخصوم في الشوارع، حيث تقول منظمة العفو الدولية: إن مئات الأشخاص قد لقوا حتفهم، وما زالوا، على أيدي قوات الشرطة في ظروف مريبة، وظل الغموض يكتنف الكثير من حالات القتل بغير محاكمات، وإذا جرت محاكمات تكون عسكرية أو أشر منها، حتى أن بعض الأشخاص قد استأنف الحكم فزيدت العقوبة.
- الاختطاف والقتل: حيث أثبتت المنظمات الإنسانية الكثير من الحالات التي يتم فيها الخطف، وبعد أيام يعثر على الضحية ميتة.
- لعبة الاتهام بالتآمر على الحكم، وازدرائه، وقد حكم على الكثير بالسجن أو الإعدام بالتهم الباطلة.
- انتزاع الأراضي من الفلاحين وسلب الأموال لحساب السلطة وأقربائها وحاشيتها، وترك الناس جياعاً.
- خطف الصحفيين وتعذيبهم، وقتل البعض الآخر بعد تعذيبه، إلى آخر تلك المآسي.
وبعد هذا... أقول للدكتاتور الراحل وأمثاله: لا ردك الله من سفرك، تلعنك إلى قبرك وما بعده، مآسي البلاد والعباد، وضياع أمة يبلغ تعدادها 200 مليون من المسلمين، ولكن هل يتعظ خلفه... أقول: إن الشعوب هي التي تستطيع إذا صحت أن تعظ الجميع، فهي خير واعظ لأمثال هؤلاء!