; بين فتح مكة.. وبشريات فتح القدس (2) | مجلة المجتمع

العنوان بين فتح مكة.. وبشريات فتح القدس (2)

الكاتب د. عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 109

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 45

السبت 30-نوفمبر-2002

القدس يجري عليها ما جرى على مكة من قبل فلشأنها العظيم حبسها الله تعالى للمؤمنين، ولم يحبسها عنهم، وإنه وإن كانت مكة لم يقو أحد حتى من الكيانات الكبرى آنذاك على أن يخضعها لهيمنته وسيطرته -كونها موقوفة للأجيال المؤمنة- بخلاف بيت المقدس الذي تداعى عليه الرومان والتتر والصليبيون والإنجليز، وفي الوقت الراهن يهود، فهذا كله ليس بمدعاة للالتباس، ولا شذوذًا عن الخاصية المشتركة بينه وبين مكة ولا انتقاص، إنما ثم فارق لطيف بين مكة والقدس مفاده أنه يقتص من الظلمة بمجرد أن يريدوا مكة بسوء ويهمّوا به ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سورة الحج: 25).

فــ «يعاقب البادي فيه الشر، إذا كان عازمًا عليه، وإن لم يوقعه» «تفسير ابن كثير 5/411» في حين قد يستدرج الظلمة إلى بيت المقدس لحظوته بخصيصة ومزية معهودة، غدت عبر الزمان سنة تاريخية مشهودة، مفادها أنه «لا يعمر فيه ظالم» فمن استشرى ظلمه وامتد حتى طال دنسه بيت المقدس كان ذلك سبب انتحاره، وجريرة انخذاله وانهزامه، وهذا ما كان بشأن الغزاة الطامعين ببيت المقدس، إذ خرجوا منه أذلة صاغرين يجرون أذيال الهزيمة ويهود على الأثر، فلن يطيب لها الحال والمستقر، قال تعالي: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: 7)، فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي يحررها فيه المؤمنون، لن يمكن فيها لعدو غاشم أو معتد دخيل ناقم، إنما ستظل كشأنها على مدار التاريخ لا يعمر على ثراها ظالم، وفي بطحائها وبين جنباتها يقتص من كل مجرم آثم.

ومن هنا درج النبي ﷺ على نسبة ملكية بيت المقدس وأكنافه إلى المسلمين في وقت لم تكن فيه بحوزتهم، فها هو يدعو المولى عز وجل بقوله: «اللهم بارك لنا في شامنا» (صحيح البخاري رقمه ٩٩٠)، وهي وقتئذ بأيدي الرومان وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ كان على بيّنة من أمر بيت المقدس وأن المقادير الإلهية والإرادة الربانية قضت بأن يكون بيت المقدس.

مأزر إيمان عند الفتن والافتتان: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: «إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام، إلا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام» (مستدرك الحاكم ٦٨٠٢ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

وبيت المقدس محط اجتباء ومستقر أهل الاصطفاء: فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده» (الحاكم في المستدرك برقم ٨٦۰۲، والهيثمي في المجمع 10/59، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (۱۹۰۹) وعن ابن حوالة -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أتدري ما يقول الله تعالى في الشام؟ إن الله تعالى يقول: يا شام، أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي» (رواه الإمام أحمد في المسند 4/ و ۱۰۰، ۱۱۰ في سننه برقم 2383 والحاكم في المستدرك وصححه 4/510).

بيت المقدس موضع كلاءة وعناية: ففي ابن حوالة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله» (مسند الإمام أحمد 4/100، 110

-والحاكم في المستدرك حديث برقم ٨٦٠٣٠ وصححه- والهيثمي في المجمع 10/59 وقاله رجال ثقات)

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله تعالى-: «وإخبار النبي ﷺ أن الشام في كفالة الله تعالى، وأن ساكنه في كفالته، وكفالته: حفظه وحمايته، ومن حاطه الله تعالى حفظه فلا ضيعة عليه» «ترغيب أهل الإسلام ۳۸». من هنا فلن يضيع الله تعالى المرابطين في بيت المقدس وأكنافه، وإن أدلهمت عليهم الخطوب، ونزلت في ساحتهم الكروب، فسينجيهم منها علام الغيوب.

وبيت المقدس ملاذ الطائفة المنصورة: فعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأوا حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: فأين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند 5/169، والهيثمي في المجمع 7/288 وقال: صحیح بشواهده).

وبيت المقدس وأكنافه موطن الملحمة الجهادية: التي يطيح بها أخيار البرية بشر البرية، وفي هذا يقول الرسول ﷺ: ولا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الشجر والحجر فيقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فأقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» (رواه مسلم).

وفي أكنافه تقطع دابر فتنة المسيح الدجال: إذ يلقى الدجال هلكته على يد نبي الله عيسى ابن مريم -عليه السلام- كما جاء في الأثر عن النبي ﷺ أنه قال: «يقتله ابن مريم بباب لد» (أخرجه أحمد في المسند 3/420 والترمذي في سننه برقم ٢٢٤٤ والحديث صحيح لغيره).

وبيت المقدس محضن الخلافة الإسلامية في آخر الزمان: فها هو الرسول ﷺ يقول لابن حوالة -رضي الله عنه- «يا بن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت أرض المقدس فالساعة يومئذ أقرب من يدي هذه على رأسك»، (مسند الإمام أحمد 5/288 وصححه الألباني في صحيح الجامع ۷۸۳۸).

وبيت المقدس أرض المحشر والمنشر: ففي حديث ميمونة بنت سعد -مولاة النبي ﷺ- قالت: یا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس، قال: «أرض المحشر والمنشر» (رواه أحمد في مسنده 6/463 وابن ماجه في سنته ١٤٠٧، والطبراني في الكبير 52/32).

 

فهذا ما وعدنا الله تعالى ورسوله ﷺ بشأن بيت المقدس، وصدق الله ورسوله، فما وعدنا الله ورسوله ﷺ سيصلنا -معشر المسلمين- لا محالة، وزمان وصوله ووقته مرهون بتسديد استحقاقات هذا الشرف العظيم، فستظل القدس محبوسة لنا، محصورة لنا، موقوفة علينا، لا يمكّن فيها لظالم ولا يهنأ فيها غاصب، حتى نفي باستحقاقات نَيِل هذا الشرف العظيم، شرف تحريرها وامتلاكها وإرجاعها إلى حوزة المسلمين، وضمها إلى إرثهم الإسلامي التليد، سواء أكانت هذه الاستحقاقات.

استحقاقات إيمانية: بالاستمساك بكتاب الله تعالى وسُنة نبيه ﷺ والاعتصام بهما، وبتحقيق الولاء والبراء وتمحيصهما.

أو استحقاقات دعوية: ببذل جهدنا واستفراغ طاقاتنا لإخراج جيل رباني قرآني،

يواصل المسير، ويحمل راية التحرير.

أو استحقاقات نفسية وبدينة: بالصبر على لأواء المرحلة، مرحلة صيانة حقوق الأمة وحفظها وعدم التفريط بشيء منها، مهما كانت ضغوط الواقع ثقيلة، ومهما نالت من دمائنا وابتلعت من فلذات أكبادنا.

واستحقاقات مالية: ببذل ما في الوسع والجود بالنفيس والرخيص نصرة لبيت المقدس وقضاياه، وتثبيتًا لأهله المرابطين في حماه، وكفالة الأسرة الشهيد الذي جاد بدماه، وخلافته في أهله بخير.

أو استحقاقات جهادية: برفع راية الجهاد والاستشهاد، والالتفاف حولها، وانتهاجها سبيلًا وحيدًا، وملاذًا سديدًا لتحرير البلاد وإعزاز العباد.

وبعد: فهذا ما شاءته الأقدار الربانية بقدس الإسلام: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 25)، فأني لأحد أن يناوئ هذه الإرادة ويقدم بين يديها، فيقضي بمنحها لشر الأنام -وليست هذه هي المرة الأولى في تاريخ القدس التي يمنح فيها من لا يملك من لا يستحق- فمن كان يظن أنه سيستدرك على المولى جل شأنه في أقداره، أو يعقب عليه في أحكامه، ألبسه الله تعالى ثوب النقيصة والخذلان في عقر داره وسيفعل به كما فعل بأشياعه من قبل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ (54)﴾ (سبأ: 54)، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)﴾ (سبأ: 49).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل