العنوان بين وعد الحكم الذاتي وحلم الاستقلال عن إندونيسيا
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-فبراير-1999
«تيمور» الشرقية
انفراط عقد الأرخبيل الكبير أم عبء ترتاح منه إندونيسيا؟
- لماذا تغير الموقف الإندونيسي فجأة؟ ولماذا أعلن حبيبي تأييده للمفاوضات، وأطلق سراح زعيم المقاومة؟
- مصير (100) ألف إندونيسي زرعهم سوهارتو في الجزيرة، هل سيرحلون إلى عالم مجهول، أم يبقون عرضة للانتقام؟
- تخوفات من حرب أهلية بين التيموريين المنقسمين على أنفسهم.
- الاستقلال يخلص إندونيسيا من صداع دام (24) عامًا، أعمال العنف، الضغوط الاقتصادية والنفقات العسكرية الباهظة.
- مخاطر الاستقلال: تحفيز الأقاليم الأخرى على المطالبة بالانفصال في بلد يضم (١٣) ألف جزيرة و(٢١٠) ملايين نسمة.
- أقاليم ساخنة على أهبة الانفصال.
- أثيثة: تاريخ طويل من الصراع، تساهم بـ(١٢) مليارًا في ميزانية الدولة، ولا تستفيد منها إلا بـ(٥٧) مليونا فقط.
- آيرن جايا: تمتلك الشركات الغربية فيها (٨٠٪) من أسهم الشركات.
- كاليمنتان: ذات الغابات والذهب تساهم بـ(٤٠٪) من دخل الدولة، لكن نصيب الفرد فيها لا يزيد على دولار واحد يوميًا.
قبل ربع قرن تقريبًا وبالتحديد في 17 من يونيو ١٩٧٤م، أكد وزير الخارجية الإندونيسي السابق دعم بلاده لاستقلال تيمور الشرقية، التي كانت البرتغال مستعمرة لها ومنصره لسكانها، وعندما انسحبت لتوها تاركة الجزيرة تذوق ويلات الحرب الأهلية؛ تدخلت إندونيسيا وضمتها إليها عام ١٩٧٦م بعد حرب راح ضحيتها عشرات الآلآف، وهكذا استمر الصراع التيموري مع الإندونيسيين (٢٣) عامًا حتى أعلنت الحكومة مؤخرًا عزمها على حل القضية بالحكم الذاتي، أو حتى بالاستقلال، ثم جاء التصريح على لسان وزير الخارجية الحالي يوم ۲۷ من يناير الماضي، والذي تبعته جولة جديدة من المفاوضات في الأمم المتحدة بين البرتغال وإندونيسيا، تباينت خلالها المواقف المحلية والدولية من خطة الحكومة الإندونيسية، كما بدأ الحديث عن مخاطر هذه الفكرة على تيمور وإندونيسيا.
قال وزير الخارجية بعد اجتماع مصغر هو الأول حول الشؤون السياسية والأمنية للحكومة الإندونيسية هذا العام: إن الحكومة تبنت خيارين، الأول: حكم ذاتي موسع للإقليم، والذي أؤمن أنه الأفضل، فإن كان هذا المقترح غير مقبول فسنتابع جهودنا في الخيار الثاني، ونرجع إلى الشعب عبر مجلس الشعب الاستشاري الجديد بعد الانتخابات ليحكم في انفصال شرق تيمور عن «إندونيسيا» والحق هذا التصريح في اليوم نفسه وزير الإعلام يونس يوسفنة بالحديث عن أن الحكم الذاتي أو الانفصال الاستقلال قديم قدم الأزمة التيمورية التي ما لبثت أن أصبحت مصدر قلق وصداع للإندونيسيين، لكن سوهارتو استغلها لتعميم سياسات معينة في الوقت الذي كان المراقبون يدعون إلى «تخليص» إندونيسيا من هذا العبء.
ثم أعلنت تفاصيل الخطة الإندونيسية المقترحة وذلك خلال المفاوضات الجارية في نيويورك بين البرتغال وإندونيسيا، وقد أبرزت المفاوضات شخصية علي العطاس وزير الخارجية الذي سبق أن لعب دورًا مهمًا في مفاوضات السلام في كمبوديا واتفاقية السلام بين الجناح القومي للمقاومة المسلمة الفلبينية، والحكومة في مانيلا، وكان موقف العطاس دائمًا يمثل حلقة وصل بين الانتقادات الدولية للإجراءات الأمنية والعسكرية في تيمور وحكومته التي ما لبثت أن تجاهلت تلك الانتقادات.
وكان الرئيس السابق سوهارتو يرفض الحديث عن حكم ذاتي أو انسحاب لجيشه، واليوم وبعد أكثر من عقدين واستجابة لطلب من الرئيس حبيبي، ظهرت خطة العطاس، وهي منح تيمور الشرقية حكمًا ذاتيًا كخطوة أولى، فإن لم يرضوا بذلك فسيتم الانتظار حتى انتخاب مجلس الشعب الاستشاري الجديد في ٧ من يونيو القادم، ليقرر أعضاؤه الجدد ما إذا كان يمكن إلغاء القرار الصادر يوم ١٧/٧/١٩٧٦م، عن المجلس بضم تيمور الشرقية آنذاك، واعتبارها الإقليم الـ(۲۷).
وذكر العطاس في تصريح آخر يوم ٥/٢ الجاري أنه يمكن للتيموريين أن يختاروا علمهم الإقليمي، ونوع البرلمان الخاص بهم، وحاكم إقليمهم الذي لن تعينه إندونيسيا، كما هو الحال في الأقاليم الأخرى، وفي المقابل تطمح إندونيسيا إلى كسب تعاطف المجتمع الدولي، ومازالت الأمم المتحدة تعتبر البرتغال السلطة الإدارية لتيمور، مع أن البرتغال هي التي انسحبت منها، بعد تغير الحكم في البرتغال، وتركت التيموريين يتقاتلون في حرب دامية -استمرت حتى بعد دخول الجيش الإندونيسي- راح ضحيتها حسب تقديرات منظمات حقوق الإنسان ما يقارب (۲۰۰) ألف شخص، وكان دخول إندونيسيا بعد إعطاء أستراليا وأمريكا الضوء الأخضر لذلك، لمنع انتشار الحرب في الجزر الأخرى، معتبرين سوهارتو الحليف المناسب والمساعد على استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة آنذاك.
المسؤول في وزارة الخارجية وعضو الوفد الإندونيسي في المفاوضات الجارية في نيويورك نوغروه ويسنمورتي- استبعد قبول حكومته لفكرة الاستفتاء التي طالب بها البعض، والتي تقضي بأن تمنح تيمور فترة حكم ذاتي انتقالي من (٥-١٠) سنوات، ثم يجرى الاستفتاء ليختار التيموريون بعد ذلك مصيرهم من بين (3) خيارات: استمرار الحكم الإندونيسي، أو الارتباط بالبرتغال -المستعمر السابق- أو الاستقلال، وهذا هو مقترح بعض قادة تيمور المعارضين، لكن الإندونيسيين لا يرغبون في الإنفاق على إقليم مدة (٥ – ١٠) سنوات، ثم تكون نتيجة الاستفتاء الرغبة في الانفصال ويفضلون من ذلك أن ترفع القضية للبرلمان الإندونيسي الجديد، وأكدت الحكومة الإندونيسية أنها لن تنسحب فجأة كما فعلت البرتغال قبل ربع قرن، لما في ذلك من مخاطر أمنية واقتصادية وعسكرية على أهل تيمور، ولذلك من المحتمل وبدلًا من الاستفتاء أن تضم الأمم المتحدة للمفاوضات البرتغالية – الإندونيسية الطرف الثالث، وهي المنظمات التيمورية وأحزابها؛ لأن الاستفتاء لن يحل الاختلاف المتجذر في الصف التيموري المسيحي.
موقف الرئيس حبيبي:
تردد في الأوساط الرسمية أن الرئيس حبيبي استلم رسالة من رئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد قبل نهاية السنة الماضية يقول فيها: إن بلاده ستنضم للدول الداعمة لموقف أهل تيمور وحقهم في تقرير مصيرهم، وحينها قال حبيبي لأحد أعوانه: «لماذا لا ندع تيمور الشرقية وشأنها، لقد أذتنا كثيرًا».
وقد بعث حبيبي رسالة إلى سبعة وزراء طالبًا منهم دراسة الموضوع مرة أخرى، وطلب منهم دراسة المقترح الذي رفضه سوهارتو والجيش قبل شهور، وفي الاجتماع الذي حضروا له جميعًا ألقى عليهم كلمة مشحونة بالعواطف لمدة (٢٠) دقيقة، وخرج الوزراء معلنين الموقف الذي ذكرنا؛ مما جعل الكثيرين يتنفسون الصعداء، راجين أن تتخلص إندونيسيا من عناء حكمها لتيمور، كما دعم حبيبي المفاوضات، وأطلق سراح عدد من السجناء السياسيين، وأخرج زعيم المقاومة المعتقل غوسامو من السجن إلى الإقامة الجبرية في 11 من فبراير الجاري، وهو المحكوم عليه بالسجن لمدة (٢٠) عامًا لقيادته التمرد ضد جاكرتا، غير أن الرئيس حبيبي أشار إلى أن إقليم تيمور سيمثل في الانتخابات القادمة كغيره من الأقاليم، وسيشارك الشعب التيموري ليكون لهم ممثلوهم في مجلس الشعب الذي قد يناقش مستقبلهم، ويشاركون بالطبع في اختيار الرئيس القادم، وهو موقف يؤيده الجيش وحزب جولكار الحاكم، والحزب الديمقراطي، بينما عارض ذلك حزب التنمية المتحد.
كما تسامحت القوات الإندونيسية في تعاملها مع العديد من المظاهرات الداعية للاستقلال، بينما كانت تتعامل سابقًا بشكل عنيف مع مثل هذه المظاهر، وبكل هذه المواقف تحاول الحكومة استرضاء التيموريين، لكن ذلك لم يمنع أحداث العنف من أن تنفجر بين التيموريين أنفسهم المؤيدين والمعارضين للاستقلال، أو الموالين لجاكرتا والمعارضين لها.
الدوافع السياسية:
تغير الموقف الإندونيسي شكل صدمة لدى البعض؛ فهو الأول من نوعه في سياسة الدولة منذ (٢٤) عامًا، وهو موقف مخالف لما تسير عليه سياسات دول عديدة في تعاملها مع النزعات الانفصالية، فما الذي دفع إندونيسيا للتحرك مؤخرًا؟
هناك تغييرات عديدة تتفاوت في أهميتها وعلاقتها المباشرة أو غير المباشرة بتغير الموقف، وتفضيل الحكم الذاتي أو حتى إخراج التيموريين من البيت الإندونيسي، وفيما يلي أهم الدوافع التي تتوزع بشكل رئيس بين الدوافع السياسية والاقتصادية:
1– علي العطاس وزير الخارجية، ذكر يوم ٢٨/١/١٩٩٩ لصحيفة كومباس الإندونيسية دور «النصائح» الأسترالية والأمريكية وبالتحديد مجلس الشيوخ الأمريكي الذي زار وفد منه برئاسة جيم كالبي إندونيسيا منتصف الشهر الماضي وقبل أسبوع من تغير الموقف الإندونيسي، وعبر جيم عن دعم الكونجرس لأي مساع نحو حل شامل للأزمة التيمورية، وصرح بأن الوفد تحدث إلى حبيبي عن ذلك، وعبر عن أمله في الاجتماع مع الرئيس الذي دام ساعتين ونصف الساعة أن تؤدي المفاوضات لحل عادل، كما ذكرت إندونيسيا للوفد حاجتها للعون الفني في حل الأزمة، ومن جانب آخر فقد غيرت أستراليا من توجهاتها كذلك وهي التي تعرف بالدولة الأكبر اهتمامًا بتيمور بعد البرتغال لقربها أولًا، ثم لأنها تعمل في مجال استكشاف البترول في تيمور، وبعد الرسالة التي أرسلها رئيس الوزراء الأسترالي لحبيبي بدأت مناقشة إمكان إدخال قوة دولية من الأمم المتحدة والدول الأوروبية إلى تيمور لضبط الأمن، إذا انسحبت إندونيسيا بناء على نتائج قرار مجلس الشعب الاستشاري القادم، أو الاستفتاء -إن حصل- ولم يتحدث رئيس الوزراء الأسترالي عن تفاصيل ما جرى في المفاوضات في نيويورك وبروكسل ويون ولندن، وأشارت مصادر صحفية أسترالية أن المفاوضات عنيت بضرورة الدور الدولي في الأزمة حتى لو لم تستقل تيمور ودخلت عهد الحكم الذاتي، وذلك لمنع تجدد أعمال العنف بين الفصائل المتحاربة، وختم رئيس الوزراء الأسترالي تصريحه بقوله: إننا نحاول أن نحل القضية خلال (۱۸) شهرًا يكون لتيمور بعدها فرصة للاحتفال بالاستقلال لأول مرة.
۲– وجود ضغوط اقتصادية سياسية قد تكون مرتبطة بالمعونات الدولية لإندونيسيا في وقت تعيش فيه أقسى أيامها منذ عقود.
٣- إن انفصال تيمور لا يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن الإندونيسي.
٤– قد يكون ذلك أسلوبًا لحل النزاعات الانفصالية الأخرى، بينما قد يكون المقترح في حد ذاته سببًا في إشعال هذه النزاعات حسب نظر آخرين.
٥– العنف الطائفي والسياسي يتزايد في إندونيسيا مما قد يثير نعرات قومية أخرى بين التيموريين وغيرهم من المهجرين إلى تيمور الشرقية، وأغلبهم من الجاويين، وكلهم تقريبًا من المسلمين، وفي ظل الأزمة الاقتصادية فإن احتمالات ظهور خلافات سياسية جديدة تتزايد في المجتمع، وقرار إخراج تيمور بالحكم الذاتي أو بالاستقلال يخلص إندونيسيا من أحد مصادر الصداع الذي تعاني منه حكومة وشعبًا، ولتفرغ المؤسسات الحكومية أوقاتها لحل مشكلات داخلية أخرى.
٦– رغبة حزب جولكار في إبعاد نفسه عن سوهارتو وتاريخه، ومن ذلك تيمور التي تمثل إحدى النقاط التي قد تعوق فوزه في الانتخابات القادمة.
٧- الضغوط من قبل القوى الإصلاحية الصاعدة الإسلامية، والقومية، والنصرانية، وغيرها، والجو العام في إندونيسيا الذي يمثل تحولًا جديدًا ودافعًا نحو فتح الملفات القديمة، وكشف الحقائق الخفية، وحل العقد العالقة منذ عقود.
٨- من المستبعد أن يفوز حزب جولكار الحاكم بأغلبية المقاعد ولأن الأحزاب الجديدة الصاعدة قد صرحت بأنها ستغير مجرى الأحداث التيمورية الإندونيسية لو صعدت إلى السلطة؛ لذا لا يريد جولكار أن تكتب قضية تيمور في سجل قضايا الحملات الانتخابية مقترنة بفشل جولكار في حلها.
٩- عانت الدبلوماسية الإندونيسية من نكسات جراء الانتقادات الغربية لسجلها الخاص بحقوق الإنسان في تيمور وجراء تضارب الموقف العسكري والدبلوماسي أحيانًا، وكغيرها من بلدان العالم الإسلامي فإن ملف حقوق الإنسان -الذي هو حق یراد به باطل- بات نقطة ضعف يتدخل من خلالها الغربيون متى شاءوا، ويتناسون ذلك خلال فترات الشراكة التجارية والاستثمارية بين الحكومة والمستثمرين الغربيين، وهو مثال تكرر في بلدان كثيرة؛ ولذا ترى جاكرتا أنه لا بد من التخلص من هذه النقطة السوداء في أرخبيلها الكبير.
۱۰– هناك دوافع شخصية، فحبيبي يتطلع إلى أن يكون الرئيس القادم مرة أخرى، وعلي العطاس يحلم بأن يكون السكرتير العام للأمم المتحدة، أو على الأقل العودة إلى وزارته في الحكومة الجديدة، كما أن لوزير العدل مولادي أثره؛ فهو ذو أفكار إصلاحية، ويريد ألا يذكره أحد بارتباطه بأي انتهاكات لحقوق الإنسان، فهو العضو السابق للجنة القومية لحقوق الإنسان.
۱۱– إن المناخ في تيمور الشرقية مضطرب بعد سقوط سوهارتو، ولطالما ألقي باللائمة على الجيش الإندونيسي بأنه هو ومليشياته السبب فيما يحدث، فيما يرى الجيش أنه تدخل لإنهاء حرب أهلية مازالت جذورها موجودة، وعند إعطاء الحكم الذاتي يتخلص الجيش من الانتقادات، وتبدأ الحكومة بالنظر في طريقة التعامل مع النزعات الانفصالية الأخرى؛ لأن تاريخ تيمور يختلف عن تاريخ وجذور الحركات الانفصالية الأخرى، والجيش حاليًا يعاني من ضغوط شديدة جراء الأزمات العديدة التي يطلب من الحكومة التدخل لحلها.
١٢– وأخيرًا فإن إندونيسيا -في رأي أحد المراقبين- لا تملك إلا أن تغير موقفها بسبب التغيرات التي حصلت في ثلاثة محاور رئيسة داخليًا وخارجيًا وتيموريًا، فالحياة السياسية في مرحلة مخاض، وحبيبي يحاول إدارة دفة السفينة بصعوبة مواجهًا الضغوط الشعبية والجو الإعلامي الذي يعيش عصرًا ذهبيًا من ناحية حرية التعبير ومناقشة القضايا الساخنة، وخارجيًا تعيش إندونيسيا فترة ضعف في علاقتها الدولية بسبب ضعفها الاقتصادي، بينما استطاع سوهارتو أن يستغل فترة الانتعاش الاقتصادي في تجاهل تيمور إلى حد ما مقابل المصالح الاقتصادية التي ملأت جيوب المستثمرين، واليوم ترتبط إندونيسيا بشكل مباشر بصندوق النقد الدولي، وتيموريًا يتجه الموقف بين الأغلبية الكاثوليكية الساحقة نحو تفضيل الانفصال.
دوافع اقتصادية:
كان العامل الاقتصادي أحد العوامل المهمة التي دفعت الاستعمار البرتغالي نحو الخروج من تيمور بعد (٤٥٠) سنة من الاستعمار والتنصير، ويعود العامل الاقتصادي ليلعب دورًا رئيسًا في تغير الموقف الإندونيسي، وهو المؤثر الرئيس في موقف الكثير من التيموريين مؤيدين كانوا أم معارضين، ويمكن شرحه فيما يلي:
۱– تشكل تيمور الشرقية في حد ذاتها حملًا ثقيلًا على حكومة جاكرتا التي تمول (٩٣٪) من ميزانية الإقليم، بينما لا يغطي الاقتصاد المحلي إلا (٧٪) وإبقاؤها ضمن إندونيسيا «مكلف جدًا»، حسبما عبر عن ذلك وزير المالية الإندونيسي في دافوس مؤخرًا.
٢- الإنفاق العسكري في تيمور يعتبر عبئًا آخر مرتبطًا بالضحايا الذين يقتلون من حين لآخر، ومع أن الحكومة مستعدة للإنفاق على الجيش، فإن الدول المانحة للمعونات حاليًا تركز في شروطها على تقليل ذلك، كما أن بعض صفقات السلاح تحمل شرط عدم استخدام هذه الأسلحة ضد التيموريين باعتبارهم نصارى والدول الصانعة للأسلحة نصرانية، بينما لا يذكر شرط عدم استخدام الأسلحة ضد الأثيثيين المسلمين، ولم يعلن الجيش عن حجم الإنفاق باعتباره أحد أسرار الدولة، لكن منظمات غير حكومية تقدره بمليون دولار يوميًا، وقد استبشر بعض الجنرالات المؤيدين للانسحاب من تيمور عندما سمعوا قرار الحكومة، وعبروا عن رغبة الجيش إعادة توجيه ميزانيته في تيمور إلى جزر أخرى.
المخاطر: أو الاستقلال: توزيع المخاطر التي قد يواجهها الإندونيسيون أو التيموريون إذا ما منحت تيمور حكمًا ذاتيًا موسعًا، أو سارت نحو الاستقلال، يمكن أن يتم على أربعة محاور رئيسة، ومحور خامس للمخاطر الخفية:
١- مخاطر التقسيم: تزخر إندونيسيا بالعرقيات والقوميات المتوزعة على أكثر من (١٣) ألف جزيرة، ومنح تيمور الشرقية حكمًا ذاتيًا قد يثير مطالب استقلالية في جزر أخرى في بلد الـ(٢١٠) ملايين نسمة، وهنا يعود البعض ليذكر كيف استطاع سوهارتو المحافظة على وحدة هذا الأرخبيل الكبير بالقوة، حيث استطاع قمع أو إسكات مطالب الحكم الذاتي التي كانت تسعى آنذاك إلى توزيع متساو وعادل في الثروة بين الجزر بدلًا من تركزها في جاوة -جزيرة سوهارتو ويقطنها غالبية السكان- فاليوم بدأت النعرات الإقليمية بالظهور حتى تلك الجزر والأقاليم الهادئة، مثل بالي وجنوب سولا ويزي إقليم حبيبي، واللتان لا تضمان أي حركات انفصالية، وقد هددت بعض حكومات الأقاليم بأنها ستسعى لحكم ذاتي، بينما هددت أقاليم أخرى بالانفصال عن الجمهورية التي توحدت عام ١٩٤٥م، وفي المقابل يعتقد بعض السياسيين والأكاديميين أن الحل هو تغيير هيكلة الدولة، وجعلها فيدرالية لا مركزية، وهو ما أيده أمين رئيس رئيس حزب أمانة الشعب والمعارض المعروف، معتقدًا ضرورة إيجاد بديل عن النظام الحالي يلائم احتياجات جميع الإندونيسيين.
والمناطق التي تسعى نحو الحكم الذاتي أو السيادة والاستقلال ارتبطت كذلك بقضايا حقوق الإنسان، والسيادة الاقتصادية ومع وجود حركات انفصالية، كل هذه وغيرها عوامل تمثل خطرًا على وحدة إندونيسيا، ولذا فقد تكون تيمور الشرقية أول انفراط لعقد الأرخبيل الإندونيسي المترامي الأطراف.
وأحد ابرز الأقاليم الساخنة أثيثة أو شمال سومطرة التي لها تاريخ طويل في الصراع مع حكومة جاكرتا من أجل الاستقلال، ومازالت حركتها الاستقلالية ذات مؤيدين في شمال سومطرة، واقتصاديًا مع أنها تساهم بمخزونها المعدني والنفطي الهائل بما يساوي (١٢) مليار دولار سنويًا من دخل الدولة، إلا أنها لا تستلم من هذا المبلغ إلا (٥٧) مليون دولار أي أقل من (٠,٤٪) في الخطة الخمسية من الحكومة المركزية، ولقد استمرت أثيثة تطعم باقي الجزر الإندونيسية بغازها وأخشابها ونفطها لكنها بقيت فقيرة، حيث تحدث كل صور القمع والقتل والإرهاب ضد الأثيثيين، لكن معاملة المجتمع الدولي لهذه القضية توصف بالتجاهل إذا قارنا ذلك بالاهتمام الخاص بتيمور الكاثوليكية.
والإقليم الآخر هو أيرن جايا في أقصى شرق البلاد، والذي تسعى إحدى الحركات فيه نحو الاستقلال أيضًا، وفيه تمتلك إحدى الشركات الغربية (٨٠٪) من أسهم شركة المعادن والـ(٢٠٪) الباقية من نصيب تجار وحكومة جاكرتا.
وكاليمنتان ذات الغابات والذهب والمراعي التي تسهم بـ(٤٠٪) من دخول الدولة، لكن أهلها البالغ عددهم (٣٠٪) من السكان لا يكسب الواحد منهم أكثر من دولار يوميًا، بينما يتاجر بهذه الأخشاب كبار «يفطر» الواحد منهم في سنغافورة و«يتغدى» في هونج كونج، و«يتعشى] في أمستردام، كل هذه الأوضاع دفعت بايرن جايا لأن تهدد بالاستقلال إن لم تتغير هيكلة الدولة وحقوق حكومات الأقاليم، وكذا سولا ويزي وأثيثة، وهذه الأخيرة دعا حاكمها شمس الدين محمد إلى تطبيق نظام الفيدرالية كأول مسؤول حكومي يصرح بذلك.
لكن المختص بالقانون الدستوري البروفيسور يسريل إهنرا رد عليه بأن هذه الأقاليم بما فيها أثيثة لا تحتاج للفيدرالية، ولكن إلى التوزيع العادل للثروة، ووقف الاعتداءات على سكانها، ومنحها شكلًا من أشكال الحكم الذاتي، وقال: إن تيمور تختلف عن غيرها من الأقاليم فهي الوحيدة التي ضمت بعد الاستقلال بتدخل عسكري، بينما وقف جميع السكان عام ١٩٤٥م مع الوحدة، وتأسيس الجمهورية قبل بداية أزمة تيمور بـ (٣٠) عامًا، ولا يشكك المجتمع الدولي في شرعية حكم إندونيسيا لأي من الجزر إلا تيمور.
أما بالي الهندوسية فقد هدد بعض شخصياتها بالمطالبة بالاستقلال، هو حلم راودهم قديمًا مما يزيد الخطر بنشوء دويلة هندوسية في قلب إندونيسيا، مع أنه أمر مستبعد حاليًا، وقد هاجم وزير الزراعة أحمد مفلح سيف الدين ميجاواتي ابنة سوكارنو، وقال إنها لن تنجح بالانتخابات القادمة، وقال إنه رآها تصلي في معبد هندوسي، وأنها ليست مسلمة، وفي مقابل المطالب بحكم فيدرالي أكد حزب جولكار والجيش عزمهما على الحفاظ على النظام الجمهوري المركزي مع مراجعة توزيع الميزانيات الإقليمية والإصلاح المالي فيها.
٢- خطر الحرب الأهلية المحلية في تيمور: يخشى الكثير من المحللين وكذا قيادات الأحزاب التيمورية من نشوب حرب أهلية بين التيموريين أنفسهم الذين ينقسمون إلى عدة أحزاب، أبرزهم المؤيدون لجاكرتا والانضمام لها بشكل دائم، والمؤيدون للاستقلال.
والانقسام بين التيموريين قديم منذ قرون ومازال سمة تحدد قدرة هذه الجزيرة على العيش مستقلة دون قوة تفرض الأمن والاستقرار بفوهات المدافع، وكما فشلت البرتغال في معالجة الفرقة بينهم المنطلقة من جذور قبلية، فشلت كذلك في مواجهة الفرقة الحزبية في السبعينيات، والتي استمرت حتى الآن، ولذا يدعو سياسيون من الحكومة وحتى من تيمور إلى إجراءات تتفادى انفجار حرب أهلية جديدة بين أحزابها التي تتصف مواقف بعضها بالتعنت، وعدم التسامح مع الآخر.
٣- مخاطر تخص المهجرين إلى تيمور الشرقية: منذ الثمانينيات عمل سوهارتو على تهجير إندونيسيين من جزر أخرى إلى شرق تيمور، ومساعدتهم في السيطرة على الاقتصاد التيموري والإدارات والمزارع، وتختلف الإحصاءات في عدد هؤلاء ما بين (٤١) ألفًا إلى (۱۰۰) ألف من مجموع السكان الذي يصل تعدادهم ما بين (٧٤٨) ألف نسمة حسب تقارير رسمية و(٨٥٠) ألفًا حسب تقارير صحفية.
والسؤال المطروح عن مصير هؤلاء هل سيرحلون إلى جزرهم التي تركوها منذ سنين طويلة؟ وماذا لو بقوا؟ ما الضمانات التي يمتلكونها أمام مخاطر قتلهم والاعتداء عليهم انتقامًا من اعتداءات الجيش الإندونيسي السابقة؟ والجدير بالذكر أن معظم المهجرين يسيطرون -حسب إحصائية جديدة- على (٧٥٪) من الأنشطة الاقتصادية وحتى لو انسحبوا وتركوا الأسواق لأهل البلد، فيكون هذا تحديًا يواجه التيموريين.
٤- مخاطر اقتصادية: ستتحول تيمور الشرقية إلى جزيرة كارثة اقتصادية، لو انسحبت إندونيسيا منها فجأة، أو حتى بعد فترة قصيرة دون الحصول على دعم مباشر يصرف لها من قبل الدول الغربية المتعاطفة معها، ففي دراسة أعدها المجلس القومي للمقاومة التيمورية حول الاحتياجات الاقتصادية للجزيرة قدرت أن تشهد ميزانيتها عجزًا سنويًا بمقدار (١٥٠) مليون دولار سنويًا على مدى ربع القرن القادم، إذا منحت تيمور الاستقلال الآن، وحذرت الدراسة من مطالب استقلالية لا تضع في حسبانها الاحتياجات الاقتصادية بدون ضمان دعم دولي للجزيرة.
وكان سوهارتو قد منح شخصيات مرموقة في الجيش والقطاع التجاري خلال عهده صفقات واستثمارات، فاستغلوا ذلك في تفريغ الجزيرة من الكثير من ثرواتها الطبيعية، ومازال تجار من الجيش والصينيين يصدرون من الجزيرة الأخشاب والقهوة والمعادن.
٥- مخاطر خفية: تغذى هذه المخاطر بعض التحليلات التي تشير إلى أطماع أستراليا في متابعة استكشافاتها النفطية التي بدأتها من خلال جاكرتا على أساس اتفاقيات سابقة، ولكن الكثير من الحقول التي من المقرر أن تعمل أستراليا على استخراج نفطها لم تستغل بعد، كما أن هناك مساحة كبيرة تقدر بـ(٢٠) ألف كم٢، تحدها أستراليا جنوبًا وتيمور شمالًا، وفيها من الغاز، والبترول ما يسيل له لعاب حكومة كانبيرا، وتريد الآن أن تراجع الاتفاقية بينها وبين جاكرتا، لتعطي التيموريين نصيبًا أكبر، وإذا انسحبت جاكرتا فسيكون لأستراليا نصيب الأسد في الاستكشافات الجديدة.
كما أن نقطة أخرى تتعلق بالنشاط التنصيري ومحاولة تأسيس دولة مسيحية في جنوب شرق إندونيسيا بعد فشل النشاط التنصيري لحد كبير في تنصير الشعب الإندونيسي مع حلول عام ٢٠٠٠ حسب خطة مشهورة وضعها مجلس الكنائس العالمي منذ عقود، ولكون الكاثوليكية دين الأغلبية (۹۱٪) في تيمور، فإن الدول الغربية تعمل على تحقيق جزء من أهدافها والتي لم تتحقق كما أرادوا، وبين هذه المخاطر وتلك الدوافع وما يجري خلف الكواليس الدولية من مفاوضات، وما ستفرزه انتخابات يونيو القادم، وما قد يحدث من الآن وحتى ذلك التاريخ بين هذه العوامل- يتأرجح مصير تيمور الشرقية وإندونيسيا ككل، فما الثمن الذي ستدفعه جاكرتا ضمن مسؤوليات الرحيل مقابل حل مشاكلها المالية والسياسية، واسترضاء الدول المانحة والمستثمرين الغربيين!