العنوان تأملات إسلامية (837)
الكاتب محمد جابر سلطان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1987
مشاهدات 82
نشر في العدد 837
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 06-أكتوبر-1987
هذا التشكيل الرائع والعظمة الكبرى في خلق الإنسان لتحير العقول وتبهر الألباب، والله سبحانه وتعالى أزال كل هذه التساؤلات والتحيرات وبينها ووضحها للإنسان في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والآيات القرآنية في هذا المجال وحول هذا الموضوع كثيرة بينت معالم هذا الأمر ووضحته لكل من ألقى السمع وهو شهید، فهو سبحانه وتعالى يقرر للإنسان أنه هو وحده سبحانه وتعالى خلقه فسواه فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه، وهو سبحانه وتعالى يبين له أطوار حياته المتسلسلة التي رعاها وحفظها بقدرته وعلمه حتى صار هذا الإنسان مخلوقًا سويًّا متكاملًا، كما قرر ذلك سبحانه وتعالى ووضحه في هذه الآية الكريمة من سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ...﴾ (الحج: ٤) إلخ الآية.
عبر هذا التطور الانتقالي الذي أنشأه الله سبحانه وتعالى وأراده عبر خلق أبينا آدم عليه السلام في صورته المتكاملة البشرية من صلصال من طين ومن تراب ومن حمأ مسنون، ثم نفخ فيه من روحه جل علاه، ثم بعد ذلك خلقه سبحانه وتعالى لزوجه حواء عليهما السلام من أجل سكنى الجنة والاعتراف بنعيمها، ثم محنة ابتلاء الشجرة وضعفهما البشري أمام نزعات الشيطان الرجيم، وطردهما من الجنة وإنزالهما إلى أرض الدنيا واعترافهما بالخطأ ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ۲۳).
كل هذه تتجلى فيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: ۳).
كان هذا التسلسل في المواقف والأحداث إيذانًا لبداية حياة جديدة فوق الأرض، وكما أراد الله لآبينا آدم وأمنا حواء أن تبدأ عملية التزاوج بينهما لإمداد هذه الأرض بالذرية والحياة البشرية، كان هذا الأمر هو المرحلة الثانية من خلق الإنسان وجودة سريان الغريزة الجنسية في الجسد الإنساني، وعبر هذه الغريزة تتولد حياة جديدة لهذا الإنسان، كما قال تعالى مشيرًا إلى ذلك: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِر﴾ (الطارق: 5- 8).
كان الماء المهين.. وكانت النطف المنوية.. وكانت الردة البشرية نحو أسفل سافلين، كما بين سبحانه وتعالى وقرره.. إنها النطفة التي تواصل طريقها في عملية التبدل والتغير والتشكل مضغة، ثم علقة مخلقة وغير مخلقة، ثم تتحول هذه المضغة عظامًا، ثم تكسى هذه العظام لحمًا، ثم تتشكل إلى أشياء أخرى لازمة بعضها يتحول إلى عضلات.. وبعضها يتحول إلى أعصاب، وبعضها يتحول إلى وظائف حيوية كالرئة، والقلب، والعينين، والشفتين، واليدين، والقدمين.. ثم تواصل هذه الخلية البشرية مسيرتها لتشكل ملايين من الخلايا.. والأعصاب.. والأوردة.. والشرايين.. وتنشأ الأجهزة بمختلف أنواعها ووظائفها، وينشأ الجهاز العصبي والجهاز الهضمي في تكامل بديع وأداء مذهل للأبصار والقلوب، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ الآية (البلد: 8- 10).
ويخرج الإنسان طفلًا ويعيش مراحل الطفولة بكل خصائها وصفاتها.. ويعيش مراحل بلوغ الأشد والشباب والقوة وينتقل إلى مراحل الضعف والوهن والشيب وأرذل العمر.
إنها تأملات تتعقل بقضايا خلقنا ووجودنا فوق هذه الأرض التي نحياها.. تتعلق بمهمتنا الأساسية؛ وهي معرفة الله والالتزام على وفق ما شرعه وقرره، وهو سبحانه وتعالى يدعونا دائمًا وأبدًا إلى أن نقف متأملين في هذه القضايا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون﴾ (الذاريات: 20، 21) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل