العنوان تأملات في سورة غافر
الكاتب د. نورالله كورت
تاريخ النشر السبت 16-مارس-2013
مشاهدات 83
نشر في العدد 2044
نشر في الصفحة 54
السبت 16-مارس-2013
- ابتدأت بإعلان تنزيل الكتاب الكريم من الله المتصف بالصفات الحسنى وهاجمت الكفار الذين يجادلون بالباطل
- جو السورة كأنه جو معركة وهي المعركة بين الحق والباطل والمتكبرين المتجبرين وبأس الله تعالى الذي يأخذ بالدمار والتنكيل
تسمى هذه السورة سورة غافر»؛ لافتتاحها بـ«تنزيل القرآن من الله غافر الذنب وقابل التوب»، والغافر من صفات الله وأسمائه الحسنى.. وتسمى أيضا سورة المؤمن» لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون».
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من ناحيتين:
الأولى: التشابه في الموضوع، فقد ذكر في كل من السورتين «الزمر» و«غافر» أحوال يوم القيامة، وأحوال الكفار في يوم المحشر. الثانية: الترابط بين خاتمة السورة السابقة ومطلع هذه السورة، فقد ذكر في نهاية سورة الزمر» أحوال الكفار الأشقياء والمتقين السعداء، وافتتحت سورة غافر» )) غافر» و«الحواميم السبع» تعنى بأصول العقيدة كسائر السور المكية جاءت آياتها شديدة التأثير لإثبات وحدانية الله وتنزيل القرآن والبعث بأن الله غافر الذنب لحث الكافر على الإيمان وترك الكفر.
ومناسبة «الحواميم السبع لسورة «الزمر» تشابه الافتتاح بتنزيل الكتاب» ورتبت «الحواميم» إثر بعضها، لاشتراكها بفاتحة «حم»، وبذكر «الكتاب» بعد «حم» وأنها مكية، بل ورد في حديث أنها نزلت جملة واحدة، وفيها شبه من ترتيب ذوات «الراء» الست.
ذكر السيوطي عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب السور، أن «الحواميم» نزلت عقب «الزمر»، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: «غافر»، ثم «السجدة»، ثم «الشورى»، ثم «الزخرف»، ثم «الدخان»، ثم «الجاثية»، ثم «الأحقاف»، ولم يتخللها نزول غيرها، وذلك مناسبة واضحة لوضعها هكذا (1).
فضلها
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : « من قرأ «حم المؤمن» إلى إليه المصير» و «آية الكرسي» حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح (٢).
وفي سنن الدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «من قرأ «آية الكرسي» وفاتحة «حم المؤمن» إلى قوله :إليه المصير» لم ير شيئا يكرهه حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم ير شيئا يكرهه حتى يصبح (٢).
مشتملاتها
يقول د. وهبة الزحيلي: «سورة غافر» و«الحواميم السبع مكية، فهي تعنى بأصول العقيدة كسائر السور المكية، لذا جاءت آياتها شديدة التأثير لإثبات وحدانية الله وتنزيل القرآن والبعث ووصف ملائكة العرش وإنهاء الصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل، أو فريق الهدى وفريق الضلال وقد ابتدأت بإعلان تنزيل الكتاب الكريم من الله تعالى المتصف بالصفات الحسنى وهاجمت الكفار الذين يجادلون بالباطل، ثم وصفت مهام ملائكة العرش.
وأخبرت عن طلب أهل النار الخروج منها لشدة العذاب، ورفض هذا الطلب، وأقامت الأدلة على وجود الله القادر وخوفت من أهوال القيامة وأنذرت الكفار من شدائد ذلك اليوم.
عبرة للأمم
ثم لفتت الأنظار الموضع العبرة من إهلاك الأمم الغابرة، وهو كفرهم بالآيات البينات التي جاؤوا بها ، وخصت بالذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان وقارون وما دار من حوار بين فرعون وقومه، وبين رجل من آل فرعون يكتم إيمانه، وما فعله فرعون الطاغية من قتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، خشية انتشار الإيمان في قومه، وانتهاء القصة بهلاك فرعون بالغرق 1 في البحر مع جنوده ونجاة موسى وقومه 1 جند الإيمان في ذلك العصر، وتلك هي قصه الإيمان والطغيان، وقد أردف ذلك بإعلان – خذلان الكافرين، ونصر الرسل والمؤمنين نصراً مؤزراً في الدنيا والآخرة. وختمت القصة بأمر النبي ﷺ بالصبر –على أذى قومه كما صبر موسى وغيره من – أولي العزم، ثم أوردت السورة الأدلة الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، وضربت المثل للمؤمن بالبصير، وللكافر بالأعمى فالمؤمن نير القلب والبصيرة بنور الله سبحانه، والكافر مظلم النفس يعيش في ظلمة الكفر، وأتبعت ذلك ببيان نعم الله على عباده من الأنعام والفلك وغيرها . وختمت السورة بما يؤكد الغرض المهم منها، وهو الاعتبار بمصرع الظالمين المكذبين، وما يلقونه من أصناف العذاب ومبادرتهم إلى الإيمان حين رؤية العذاب ولكن لا ينفعهم ذلك، فإن سنة الله الثابتة ألا تقبل إيمان اليأس أو حال رؤية البأس (٤). يقول الشهيد سيد قطب يرحمه الله تعالى: هذه السورة تعالج قضية الحق والباطل، قضية الإيمان والكفر، قضية الدعوة والتكذيب، وأخيرا قضية العلو في الأرض والتجبر بغير الحق، وبأس الله الذي يأخذ العالين المتجبرين، وفي ثنايا هذه القضية تلم بـ ح - المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر الله إياهم، واستغفار الملائكة لهم واستجابة الله لدعائهم وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم.
وجو السورة كله من ثم - كأنه جو معركة، وهي المعركة بين الحق والباطل، وبين الإيمان والطغيان، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض وبأس الله الذي يأخذ بالدمار والتنكيل تنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجيء ذكر المؤمنين ذلك الجو يتمثل في عرض مصارع الغابرين، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة، وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر، ونعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة.
ولعله مما يتفق مع هذه السمة افتتاح السورة بإقاعات ذات رنين خاص غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ (غافر)؛ فكأنه مطارق منتظمة الجرس ثابتة الوقع، مستقرة المقاطع، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي!
كذلك نجد كلمة «البأس»، و«بأس الله» و«بأسنا»، مكررة تتردد في مواضع متفرقة من السورة، وهناك غيرها من ألفاظ الشدة والعنف بلفظها أو بمعناها (٥) ..
الهوامش
(1) د. وهبة الزحيلي، التفسير المنير . ٦٨/٢٣ – ٦٩ (۲) سنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن ابن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه، وزرارة بن مصعب هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو جد أبي مصعب المدني). (۳) سنن الدارمي، كتاب فضائل القرآن. (٤) د. وهبة الزحيلي، مرجع سابق، ٦٩/٢٣
(٥) سيد قطب، في ظلال القرآن، ٣٠٦٥/٥.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل