; تأملات في نشوء الأحزاب الشيوعية العربية | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في نشوء الأحزاب الشيوعية العربية

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 745

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

على صهوة الكلمة: 

* الذي يقرأ في تاريخ نشوء الأحزاب الشيوعية العربية ينتبه لبعض الحقائق الملفتة للنظر. أول هذه الحقائق هو اهتمام المفكرين المسيحيين العرب –منذ فترة مبكرة- بعرض الفكر الماركسي على القارئ العربي. من أولى المحاولات كانت للمفكر المسيحي العربي البستاني؛ إذ عرض في المجلد التاسع من موسوعته أساسيات الفكر الماركسي. ثم نجد اهتمام جورجي زيدان المفكر المسيحي العربي بتحليل ووصف وتأييد الفكر الماركسي.

ويطلع علينا في الوطن العربي –بعد ذلك- المسيحيان الراديكاليان شبلي شميل وفرح أنطون. ويبدو أن للمفكرين المسيحيين العرب وسيلة مناسبة ولمحاربة الخلافة الإسلامية آنذاك وعزل الإسلام عن القيادة بحجة إصلاح الدولة.

* ويأتي بعد ذلك دور اليهود في تعزيز وتأسيس وقيادة الأحزاب الشيوعية التي قامت بعد ثورة 1917 البلشفية في روسيا. فمن المعروف تاريخيًّا أن الأحزاب الشيوعية بقياداتها اليهودية قامت في الوطن العربي –أول ما قامت- سنة 1920 في مصر بقيادة اليهودي جوزيف روزنثال صاحب محل مجوهرات في الأسكندرية وبعده اليهودي هنري كورييل صاحب مكتبة في الزمالك، وأستاذ عبد الخالق محجوب السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني والذي كان طالبًا في القاهرة. ويقوم في فلسطين وأيضًا سنة 1920 حزب شيوعي بقيادة حاييم أورباخ. وكان جوزيف رونثال ينفق على الحزب الشيوعي المصري منذ ولادته وقام هؤلاء بترجمة كتيب لينين «الدولة والثورة» عن اللغة الفرنسية ووزعوه في مصر بغية نشر الفكرة الشيوعية. وفي لبنان تأسست وفي نفس السنة عصبة شيوعية تحولت 1924 إلى حزب شيوعي رسمي وأيضًا بقيادات يهودية ومسيحية، وفي العراق نشأ الحزب الشيوعي العراقي 1934، ومن أبرز قياداته اليهودية شلومو دلال ويهودا إبراهيم صادق وساسون حزقيل. بل إن مؤرخة الحزب الشيوعي العراقي هي سيدة عراقية يهودية اسمها سعيدة ساسون موشيه مشعل والمعروفة بسعاد خيري، زوجة الشيوعي زكي خيري وصاحبة الكتاب: «من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 – 1958».

* ولقد كان لوجود تلك القيادات اليهودية في الأحزاب الشيوعية العربية أثره الكبير على مواقف الحركة الشيوعية من قضايانا العربية والإسلامية منذ مرحلة التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي في الأربعينيات والخمسينيات إلى يومنا الحاضر في صراعنا الحضاري الشامل مع العدو الصهيوني. فعندما كان الشعب العربي المسلم في الجزائر في الخمسينيات بقيادة «جمعية العلماء» و«جبهة التحرير» يجاهد للتخلص من نير الاستعمار الفرنسي، نجد الحزب الشيوعي الجزائري يطالب فرنسا بدمج الأراضي الجزائرية في إطار الدولة الفرنسية ودمج الشعب الجزائري في إطار الشعب الفرنسي، ودعت قيادات الحزب اليهودية الشعب الجزائري للتخلي عن مساندة «جمعية العلماء» و«جبهة التحرير». وعندما كان الشعب العربي برمته يستنكر قرار تقسيم فلسطين في الأربعينيات خرج الحزب الشيوعي العراقي بقيادة شلومو دلال ويهودا إبراهيم صادق وساسون حزقيل –من يهود العراق- إلى شارع الرشيد في قلب بغداد يطالبون بحق اليهود في وطن قومي في فلسطين. ويفيدنا الماركسي المغربي محمد عابد الجابري في كتابه «نحو رؤية تقدمية» في ص 109 أن لويس عوض الشيوعي المصري يرى أن إسرائيل هي البلد الوحيد الذي يتسامح مع قيام حزب شيوعي فيه بالمقارنة بباقي بلدان العالم العربي، ويضيف لويس عوض أنه لهذا السبب ممكن أن «تكون إسرائيل قاعدة اشتراكية تشيع التقدم وكافة حقوق الإنسان على الوطن العربي المحيط بها».

* ومن يتابع في قراءاته هذه القضية –أي برزو دور اليهود في الأحزاب الشيوعية العربية- وأثر ذلك على مواقف تلك الأحزاب من قضايانا العربية والإسلامية لا يملك إلا أن يرفع أكثر من علامة تعجب عندما يسمع ضجيج الشيوعيين العرب في وسائل الإعلام العربية وهم يتحدثون عن «التحرير والثورة وكامب ديفيد وقوى الاستسلام» مع أنهم كانوا في طليعة القوى الخيانية التي طالبت «بحق» اليهود في فلسطين منذ الأربعينيات في شارع الرشيد في بغداد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل