العنوان "بعد أن وضعت الحرب أوزارها. المجتمع تناقش القضية بهدوء"- صعدة.. تاريخ الصراعات المذهبية والسياسية «1 من 3»
الكاتب عبده الأقرد
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 75
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 28
السبت 13-أكتوبر-2007
(*) عضو الدائرة السياسية بالتجمع اليمني للإصلاح
يقف المراقب للحرب التي شهدتها منطقة صعدة حائرًا في فهم أسبابها وملابساتها، ويجهل حقيقة ما يجري على الواقع، بسبب التعتيم الإعلامي وتحفظ طرفي النزاع عن الإفصاح عن المطالب والأهداف، بالإضافة إلى كثرة المتناقضات والمتباينات من وقت إلى آخر وفي تلك الإطلالة نحاول فهم الأزمة من بداياتها حتى مآلاتها عبر مراحلها التاريخية المختلفة.
تقع صعدة في الجزء الشمالي من اليمن على الحدود مع السعودية وتبعد عن صنعاء ٢٤٣ كلم عدد سكانها «٤٨٤٠٦٣» نسمة. تضاريسها متنوعة ما بين الجبال الشديدة الارتفاع، والوديان والحقول وهي منطقة زراعية وتجارية ومنفذ حدودي مهم. وعلى مدى تاريخها كانت المعقل المنيع للزيدية «مذهب شيعي» في اليمن وازدهرت صعدة كمدينة علم ودين وثقافة وتجارة وصناعة وزراعة، بالإضافة إلى دورها الرئيس في العصر الإسلامي، وبقيت صعدة مركزًا للدولة الزيدية التي حسمت كل الصراعات الداخلية والخارجية، وهي الدولة الوحيدة على الساحة اليمنية التي تواصلت منذ عام ٨٩٨م حتى عام ١٩٦٢م. وذكرت مدينة صعدة في الكثير من مؤلفات الجغرافيين والرحالة العرب وكتب التاريخ والتراجم والسير، فضلًا عن مختلف المؤلفات الدينية، حيث كان لعلمائها وفقهائها دور ملحوظ في التاريخ الإسلامي وتعود أول بداية لظهور التيار الزيدي «الهادوي» في اليمن على يد مؤسسه الإمام يحيى بن الحسين الرسي، الذي هاجر من المدينة المنورة إلى منطقة صعدة، وما لبث أن قام بنشر مذهبه وتوسيعه، وفي خلال سنوات محدودة استطاع تحقيق ما كان يصبو إليه من الوصول إلى الحكم ونشر المذهب الذي أطلق عليه «المذهب الزيدي الهادوي» وحسب ما يدعون أنه مذهب الإمام زيد بن علي مرة.
ويرجع توسع المذهب الزيدي في اليمن إلى الفترة التي أغلق فيها باب الاجتهاد. ودخول المذاهب مرحلة التقليد والجمود والتعصب المذهبي، كما أدى الصعود السياسي للزيديين إلى تفعيل دور المجتهدين والفقهاء في المسائل الناتجة عن المعاملات والتشريعات إلى جعل المذهب الزيدي تجديدي وديناميكي، وسط حالة الجمود الفكري، بجانب اعتداله في بعض المسائل الخلافية خلافًا لبقية فرق الفكر الشيعي المغالي دويلات متناحرة، ومن الناحية السياسية نجد أن اليمن في تلك الفترة عاشت «عصر» الدويلات المتناحرة على الحكم والزعامة الدينية والقبلية وبحكم أن المذهب الزيدي وجدت له دولة فرضت عليهم مسألة الذود عنها وحمايتها، حيث جند علماء المذهب وأتباعه أنفسهم ومن استطاعوا ضمه من أبناء القبائل إلى صفوفهم للدفاع عن دولتهم، وأحيانًا بهدف توسيعها وفرض هيبتها على الخصوم، وعلى إثر الالتزام بهذا المنهج الدفاعي والهجومي استمر حكمهم أكثر من ١٠٠٠ عام، وتفاوتت سيطرتهم على معظم المناطق اليمنية وأحيانًا تنكمش وتنحصر في منطقة صعدة وما حولها، واستمر هذا الحال من الكر والفر، حتى انتهت آخر مملكة لهم وهي المملكة المتوكلية بزعامة أسرة حميد الدين «۱۹۱۸م - ١٩٦٢م»، على يد رجال الثورة والجمهورية، فأزالت الكيان السياسي لدولة الأئمة الزيديين.
إلا أنه من الناحية الفكرية والفقهية ظلت أفكارهم نشطة وما زالت جذورها حتى اليوم، لأن الثورة لم تستهدف القضاء على الفكر الديني للزيدية، وإنما استهدفت أسرة حميد الدين، ونظام حكمها السياسي.
تراجع المذهبيات
وفي بداية السبعينيات من القرن الماضي اضمحل التأثير المذهبي للمرجعيات الفقهية بعد ظهور حركة إسلامية نشطة الإخوان المسلمون، والتي حرصت على البعد عن الصراعات المذهبية والطائفية، وكان للمعاهد العلمية الأثر الكبير في اضمحلال الطائفية والسلالية والمذهبية من خلال مناهجها المعتدلة والهادفة إلى عدم استعداء الآخر أو تجريحه على العكس من طريقة ومناهج تيارات أخرى التي عملت على المفاصلة والخصام ما ولد رد فعل عدائي نشطة أحيت الجذور الفكرية للمتعصبين من دعاة المذهبية الزيدية، والتي لم تكتف بالأصول الفكرية للمذهب، بل عمدت إلى الأخذ بالزخم الفكري الوافد جراء اندلاع المد الفكري للثورة الإيرانية الشيعية والذي وصل عن طريق الكتب والأدبيات المنشورة وعن طريق الدارسين في الحوزات العلمية في إيران والعراق ولبنان.
الثورة الإيرانية
وأدى نجاح الثورة الإيرانية بقيادة الإمام آية الله الخميني، وإقامة الدولة على أساس المذهبية الشيعية الإثنى عشرية إلى انتعاش الروح الهادوية الزيدية الجديدة، كما أن الانتماء العام بين المذهبين لآل البيت كان عاملًا مشجعًا على إعادة تنشيط الولاء المذهبي، انطلاقًا من الإعجاب بما حدث في إيران وبعد أقل من عامين من الثورة الإيرانية عاد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي - إثر فتنة جهيمان في مكة - إلى مسقط رأسه في صعدة، معلنًا بداية شكل جديد من أشكال الدعوة السلفية المغالية في أفكارها وأساليبها، لاسيما في مواجهة التشيع الذي كان نشطًا في صعدة وأدى الصدام الفكري بين الطرفين إلى نوع من الاحتشاد الهادوي للدفاع عن المذهب ونفوذه بين العامة، ويمكن تحديد ذلك التاريخ كبداية لمرحلة جديدة لنشاط التيار الشيعي في اليمن، وطوال سنوات الثمانينيات من القرن الماضي تبلور تيار شيعي يجمع بين التراث التقليدي للهادوية والتأثر بالأسلوب الإيراني من جهة أخرى.
الوحدة اليمنية
ومع تحقق الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠م والسماح بالتعددية السياسية، أعلنت الأحزاب ذات الخلفية الهادوية عن بداية تكويناتها السياسية، مثل: حزب الحق اتحاد القوى الشعبية حزب العمل الإسلامي، وضمت في عضويتها عددًا من الرموز التقليدية لفقهاء المذهب من أبناء صعدة وصنعاء، وعددًا من المثقفين الذين كانت لهم انتماءات تنظيمية سابقة، والتي قدمت نفسها للرأي العام بأنها حركة إسلامية تهدف إلى تصحيح مفاهيم الدين في المجتمع اليمني، ولم تستمر طويلًا حتى نشبت الخلافات بين ما يسمى المرجعيات الفقهية والشخصيات الشبابية المتطلعة للقيادة إلا أن ذلك الخلاف لم يؤثر بسبب الاهتمام والدعم لهم من قبل الأحزاب اليسارية الاشتراكية والتي هدفت إلى الاستعانة بهم في مواجهة الحركة الإسلامية السنية «التجمع اليمني للإصلاح».
" الإمام يحيى بن الحسين الرسي أول من أنشأ التيار الزيدي الهادوي» بعد هجرته من المدينة المنورة إلى منطقة صعدة"
" الصعود السياسي للزيديين أدى إلى تفعيل دور المجتهدين والفقهاء ما ساعد على نشر المذهب الزيدي"
" ظل الزيديون يحكمون اليمن أكثر من ١٠٠٠ عام حتى انتهت المملكة المتوكلية بزعامة أسرة حميد الدين على يد رجالالثورة في عام ١٩٦٢م"
بدايات تنظيم الشباب المؤمن
وتعتبر السنوات الانتقالية التي تلت الوحدة هي الفترة الذهبية لتماسك الأحزاب الملكية بشكل عام، ولكن ذلك الوضع لم يدم طويلًا، فسرعان ما تعرضت تلك الأحزاب لانتكاسة كبيرة بعد حرب صيف ١٩٩٤م. وفقد حليفها الداعم الحزب الاشتراكي موقعه في السلطة، فأخذت بعض فصائلها تبحث عن حليف آخر.
وعلى أثر ذلك انشق عن حزب الحق مجموعة ما يسمى بالحوثيين، وفقد مقعديه في مجلس النواب (حسين بدر الدين الحوثي وعبد الله عيضة الرزامي) ليؤسسوا «تنظيم الشباب المؤمن» بدعم وإيعاز من السلطة الناقمة على حزب الحق بسبب مواقفه المتحالفة مع الحزب الاشتراكي، إلا أن العلاقات القوية للأمين العام لحزب الحق أحمد محمد الشامي بالرئيس، منحته حقيبة وزارية مرتين (الأوقاف والإرشاد في حكومة فرج بن غانم ۹۷ - ۹۸م، وحكومة د. عبد الكريم الأرياني، والتي استقال منها بعد فترة وجيزة، مع الاحتفاظ بعلاقة جيدة مع الرئيس، وهذا ما يفسر مواقفه المعلنة تجاه حزبه وتجاه الحرب في صعدة.
ومن هنا يمكننا القول إن ما يطلق عليه الأحزاب الزيدية دخلت مرحلة ضعف تنظيمي وانحسار جماهيري، بسبب خلافات المرجعيات الفقهية والانشقاقات الداخلية ومضايقات السلطة ودعمها للقوى المتطلعة إلى القيادة المرجعية. واستمر هذا الضعف في تزايد، خصوصًا بعد الحرب في صعدة، مما دفع السلطة إلى التلميح بحل حزب الحق واتحاد القوى الشعبية، واعتبار الحوثيين الجناح العسكري لهذين الحزبين.
وخلال الأشهر القليلة الماضية أعلن أمين عام حزب الحق والسلطة حل الحزب رسميًا. ما يؤكد عمق وأثر الخلافات الداخلية بين المرجعيات الدينية والكوادر السياسية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل