العنوان ملوك الآخرة.. تبديل السيئات
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1901
نشر في الصفحة 56
السبت 08-مايو-2010
تناولنا في المقال السابق الصفة الخامسة عشر، وهي «التوبة» ونتناول في هذا المقال، ما يترتب على التوبة النصوح من الإكرام الإلهي، بتبديل السيئات إلى حسنات.
يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا (70)﴾ (الفرقان)، كيف يتم هذا التبديل؟ وما معنى هذا التبديل؟ فقد اختلف المفسرون في معنى هذا التبديل على عدة أقوال:
أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام.
وثانيها: قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله، ويثبت عليه السيئات.
وثالثها: قال قوم: «إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية، وهذا قول سعيد بن المسيب، ومكحول، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيئات»، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» (۱).
رابعها: قال القفال والقاضي: إنه تعالى يبدل العقاب بالثواب (۲).
أرجح الأقوال
وأميل للقول الثالث الذي يراه إمام التابعين سعيد بن المسيب، وذلك لعدة اعتبارات، أولها رحمة الله وكرمه، فإن الله تعالى لا يعجزه تبديل السيئات إلى حسنات، وأن كرمه يتناسب مع ذلك.
الأمر الثاني: أن هذا يتماشى مع تشجيع التائب من المعاصي للثبات والمضي في طريق التوبة إلى الله تعالى.
والأمر الثالث: ما جاء في الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة رضى الله عنه.
وكذلك يرى هذا الرأي الإمام القرطبي فعندما استعرض الأقوال المختلفة في تبديل السيئات، قال: «قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة» (3).
عندما ضحك النبي ﷺ
وليس هذا فحسب، بل هناك جملة أخرى من البشارات النبوية تؤيد ما ذهب إليه الإمام سعيد بن المسيب، والإمام القرطبي، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها. رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا. وعملت يوم كذا وكذا، كذا كذا فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه» (4)، وفي هذا الحديث دليل تبديل السيئات إلى حسنات، ومحو سيئات أخرى بأعمال صالحة استحدثها بعد توبته.
المستحقون للتبديل
هل جميع التائبين يستحقون التبديل لسيئاتهم، أم هناك فئة محدودة هي التي تستحق هذه الكرامة الربانية؟
لقد بين الله تعالى صفة هذه الفئة التي تستحق التبديل، قبل ذكر بشارة التبديل وذلك عندما قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتِ وكَانَ اللهُ غَفُورا رحيما (70)﴾.
فأول هذه الصفات التوبة النصوح، والتي تشتمل على شروط التوبة التي ذكرناها آنفاً، والتي من أبرزها الندم على ما مضى من المعاصي، والإقلاع فوراً والعزيمة على عدم العودة للمعصية، وإرجاع الحقوق إلى أهلها.
الصفة الثانية: الإيمان بكل مستلزماته بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وبالقضاء خيره وشره، وأن يتخلق بأخلاق الإيمان من اليقين، والرضا، والتقوى، والخوف، والرجاء، والزهد، ومعرفة حقيقة الدنيا، والهدف من خلقه فيها، وغيرها من الأمور المتعلقة.
الصفة الثالثة: العمل الصالح، فالإيمان وحده لا يكفي من غير عمل، فما من آية في كتاب الله تعالى ذكرت الإيمان، إلا وقرنته بالعمل، كما أن تعريف علماء السنة والجماعة الإيمان بأنه «نطق باللسان، واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان»، والعمل الصالح ينقسم إلى قسمين:
الأول: الفرائض، وهي أحب الأعمال إلى الله تعالى.
الثاني: النوافل، وهي كل ما زاد العبد من العبادات التي لم يفرضها الله على العباد ولكنه ندب إلى فعلها، ولا يأثمون بتركها، ولكنهم كلما ازدادوا منها ازدادوا تقربا إلى مولاهم، ونالوا درجة محبته.
اتهام التوبة
وقبل أن يفرح التائب بهذه البشارات المتتالية، لا بد أن يراجع توبته بين فينة وأخرى، ويتأكد من أنها خالصة لوجه الله تعالى، ولم يداخلها شيء من أمور الدنيا، تفسدها، وتعيد صاحبها إلى ما كان عليه رويداً رويداً دون أن يحس.
وكما قال الإمام ابن القيم: «ومن اتهام التوبة»: ضعف العزيمة والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة وتذكر حلاوة مواقعته فربما تنفس وربما هاج هائجه. ومن اتهام التوبة: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب، حتى كأنه قد أعطي منشوراً بالأمان. فهذا من علامات التهمة.
ومن علاماتها: جمود العين، واستمرار الغفلة وألا يحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قب الخطيئة» (5).
المراجع
(۱) رواه الحاكم في المستدرك ۷۷۱۸، وصححه الألباني ص ج ص ٥٣٥٩.
(۲) التفسير الكبير للرازي، ١١٢/٢٤، طبعة دار إحياء التراث.
(۳) تفسير القرطبي، ٤٧٩٤/٧، طبعة دار الثقافة بيروت.
(٤) رواه مسلم، ۱۹۰ كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة.
(5) تهذيب مدارج السالكين، ص ١٢٥، طبعة وزارة الشؤون في الإمارات.
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل