; تبسيط الفقه .. الربا | مجلة المجتمع

العنوان تبسيط الفقه .. الربا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

مشاهدات 103

نشر في العدد 120

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

حكمة تحريمه حين شدد الإسلام في أمر الربا وأكد حرمته، إنما راعى مصلحة البشرية في أخلاقها واجتماعها واقتصادها، وقد ذكر علماء الإسلام في حكمة تحريم الربا وجوهًا معقولة، كشفت الدراسات الحديثة وجاهتها، وأكدتها وزادت عليها. ونكتفي بما ذكره الإمام الرازي في تفسيره: أولًا: إن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين يحصل له زيادة درهم من غير عوض. ومال الإنسان متعلق بحاجته، وله حرمة عظيمة، كما في الحديث «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه» فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرمًا. ثانيًا: إن الاعتماد على الربا يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد، نقدًا كان أو نسيئة، خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق. ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات «ولا شك أن هذه الحكمة مقبولة من الوجهة الاقتصادية» ثالثا: إنه يقضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان. «وهذا تعليل مسلم من الجانب الأخلاقي» رابعًا: إن الغالب أن المقرض يكون غنيًّا، والمستقرض يكون فقيرًا فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالًا زائدًا وذلك غير جائز برحمة الرحيم. «وهذه نظرة إلى الجانب الاجتماعي». ومعنى هذا أن الربا فيه اعتصار الضعيف لمصلحة القوي، ونتيجته أن يزداد الغني غنى والفقير فقرًا. مما يفضي إلى تضخم طبقة من المجتمع على حساب طبقة أو طبقات أخرى مما يخلق الأحقاد والضغائن، ويورث نار الصراع بين المجتمع بعضه وبعض، ويؤدي إلى الثورات المتطرفة والمبادئ الهدامة. كما أثبت التاريخ القريب خطر الربا والمرابين على السياسة والحكم والأمن المحلي والدولي جميعًا. موكل الربا وكاتبه آكل الربا هو الدائن صاحب المال الذي يعطيه للمستدين فیسترد بفائدة تزيد على أصله، وهذا ملعون عند الله والناس بلا ريب ولكن الإسلام على سنته في التحريم لم يقصر الجريمة على آكل الربا وحده بل أشرك معه في الإثم موكل الربا أي المستدين الذي يعطي الفائدة وكاتب عقد الربا وشاهديه. وفي الحديث: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه» (رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجة) وإذا كانت هناك ضرورة أو حاجة ملحة اقتضت معطى الفائدة أن يلجأ إلى هذا الأمر، فإن الإثم في هذا الحال يكون على آخذ الربا «الفائدة» وحده. 1- وهذا بشرط أن تكون هناك ضرورة أو حاجة حقة، لا مجرد توسع في الكماليات أو أمور يستغنى عنها. ٢- ثم يكون هذا الترخيص بقدر يفي بالحاجة دون تزيد، فمتى كان يكفيه تسع جنيهات مثلًا، فلا يحل له أن يستقرض عشرة. 3- ومن ناحية أخرى، عليه أن يستنفد كل طريقة للخروج من مأزقه المادي، وعلى إخوانه المسلمين أن يعينوه على ذلك، فإن لم يجد وسيلة إلا هذا، فأقدم عليه غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم. الرسول يستعيذ بالله من الدين: ومما ينبغي للمسلم أن يعرفه من أحكام دينه أن يأمره بالاعتدال في حياته والاقتصاد في معيشته: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: 26-27). وحين طلب القرآن من المؤمنين أن ينفقوا، لم يطلب إليهم إلا إنفاق بعض ما رزقوا لا كله، ومن أنفق بعض ما يكتسب قلما يفتقر، ومن شأن هذا التوسط والاعتدال، ألا يحوج المسلم إلى الاستدانة وخصوصًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كرهها للمسلم، فإن الدين في نظر الرجل الحر هم بالليل ومذلة بالنهار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منه ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» (أبو داود) وقال: «أعوذ بالله من الكفر والدين. فقال رجل: أتعدل الكفر بالدين يا رسول الله؟ قال: نعم» (رواه النسائي والحاكم.) وكان يقول في صلاته كثيرًا: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم «الدين» فقيل له: إنك تستعيذ من المغرم كثيرًا يا رسول الله. فقال: إن الرجل إذا غَرِمَ «استدان» حدث فكذب ووعد فأخلف» (رواه البخاري.) فبين ما في الاستدانة من خطر على الأخلاق نفسها. وكان لا يصلي على الميت إذا عرف أنه مات وعليه ديون لم يترك وفاءها، تخويفًا للناس من هذه العاقبة، حتى أفاء الله عليه من المغائم والأنفال، فكان يقوم هو بسدادها. وقال: «يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين» (رواه مسلم.) وفي ضوء هذه التوجيهات لا يلجأ المسلم إلى الدين إلا للحاجة الشديدة، وهو حين يلجأ إليه لا تفارقه نية الوفاء أبدًا. وفي الحديث «من دان أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (رواه البخاري.) فإذا كان المسلم لا يلجأ إلى الدين المباح «أي بغير فائدة» إلا نزولًا على حكم الضرورة وضغط الحاجة فكيف إذا كان هذا الدين مشروطًا بالفوائد الربوية؟! البيع لأجل مع زيادة الثمن ومما يحسن ذكره هنا أنه يجوز للمسلم أن يشتري ويدفع ثمن الشراء نقدًا، كما يجوز له أن يؤخره إلى أجل بالتراضي. وقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا من يهودي لنفقة أهله إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد. (رواه البخاري) فإذا زاد البائع في الثمن من أجل التأجيل، كما يفعله معظم التجار يبيعون بالتقسيط، فمن الفقهاء من حرم هذا النوع من البيع مستندًا إلى أنه زيادة في المال مقابل الزمن فأشبه الربا. وأجازه جمهور العلماء، لأن الأصل الإباحة، ولم يرد نص بتحريم، وليس مشابهًا للربا من جميع الوجوه، وللبائع أن يزيد في الثمن لاعتبارات يراها، ما لم تصل إلى حد الاستغلال الفاحش والظلم البين، وإلا صارت حرامًا. قال الشوكاني: «قالت الشافعية والحنفية، وزيد بن علي والمؤيد بالله والجمهور: يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه. وهو الظاهر» نيل الأوطار حـ (5) ص (۱5۳). قال الشوكاني: وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة «شفاء العلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل» وقد حققناها تحقيقًا لم نسبق إليه.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل