; تتارستان: المفتي الجديد.. هل يطفئ نار الصراع الديني القائم؟ | مجلة المجتمع

العنوان تتارستان: المفتي الجديد.. هل يطفئ نار الصراع الديني القائم؟

الكاتب رياض مصطفي

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013

مشاهدات 63

نشر في العدد 2050

نشر في الصفحة 12

السبت 27-أبريل-2013

محاولة الاغتيال للمفتي السابق كشفت عن انقسامات خطيرة داخل القائمين على الشؤون الدينية في الجمهورية

لأول مرة في تاريخها يتم تنفيذ عمليات إرهابية مسلحة استهدفت المفتي السابق ونائبه

المفتي الجديد مطالب بإيجاد طبخة سحرية تتوافق مع متطلبات الدولة وأجهزتها الأمنية وجميع التوجهات في مجتمع الأئمة والخطباء


حظيت جمهورية تتارستان في السنوات الأخيرة باهتمام كبير في وسائل الإعلام المحلية والفيدرالية، حيث ركزت في تغطيتها على الأسلمة التي يشهدها المجتمع منذ عشرات السنين، ومظاهر الصحوة الإسلامية التي بدأت ظاهرة للعيان في كل شوارع ومدن وقرى الجمهورية، وقد زاد الاهتمام بعد تنحية المفتي السابق عثمان إسحاقوف، حيث ظهرت الاختلافات بين قادة الإدارات الدينية وعدد من الأئمة المحسوبين على التيار الأكثر تشددًا «ما اصطلح عليه هناك بالتيار السلفي».

الشيخ عثمان إسحاقوف اتهم بانفتاحه على كل الحركات الإسلامية المتواجدة في تتارستان، فقد عُرف عن الرجل بإمكاناته الجيدة في توحيد كل هذه التوجهات تحت سقف الإدارة الدينية دون تدخله المباشر في تفكير كل منها، ما دامت تحركاتها داخل الإطار القانوني، ولا تثير مشكلات حقيقية في المجتمع، من ناحية أخرى اتهم المفتي السابق بتساهله في إرسال العديد من الطلاب التتار للدراسة في المملكة العربية السعودية، وهو ما اعتبر سببا رئيسا في تواجد السلفيين المتشددين على حد وصفهم.

تفسير سطحي

لكن المتابع للشأن الإسلامي في الجمهورية يفهم أن هذا التفسير سطحي لمثل هذه الظواهر، فالقائمون على الإدارات الدينية في معظمهم لا يملكون علمًا شرعيًا، ويتهم الكثير منهم ببعدهم عن الالتزام الشرعي، وهو ما زاد من الهوة بينهم وبين الشباب الباحث عن العلم والتعلم والقدوة الحسنة، التي توافرت بطريقة أو بأخرى لدى قلة قليلة من الأئمة الشباب.

مع توسع الخلافات داخل الإدارة الدينية ضغطت الدولة على المفتي عثمان ليقدم استقالته، وينأى بنفسه عن كل ما يتعلق بالعمل الإسلامي في الجمهوري،ة وبسرعة غير معهودة تم تنصيب المفتي الدوز فائيزوف الذي كان إمامًا ومساعدًا للمفتي السابق لفترة طويلة، وعلى ما يبدو أن اختياره لم يكن اعتباطًا، فقد كان من المعروف عنه رفضه التام للمدارس الإسلامية العربية والتركية واعتبارها أساسًا في بعد المجتمع التتري عما يسمونه الإسلام التقليدي، وجلب طرق وفهم جديد للإسلام لم تعرفه المجتمعات المسلمة في تتارستان عبر تاريخها، حسب قولهم.

بمجرد اختياره رسميًا من قبل الهيئة العمومية للإدارة الدينية في تتارستان، بدأ فائيزوف بمحاربة ما يطلق عليهم في تتارستان الوهابيين، فتم طرد العديد منهم ومحاولة وضع مناهج لتدريس الإسلام «التقليدي» في جميع مدارس ومساجد الجمهورية، كما تمت إزاحة مجموعة من الكتب الإسلامية وإدخال البعض منها في قائمة الكتب المحرمة في روسيا الاتحادية على أساس أنها تدعو إلى الغلو والإرهاب، وتم التضييق على عدد من الدعاة الذين لا يدخلون تحت سلطة الإدارة الدينية، وإيقاف نشاطهم بالكامل بالرغم من انتشار صيتهم على نطاق الجمهورية بل بعضهم تعداها إلى نطاق روسيا ككل.

ولأول مرة في تاريخ الجمهورية تمت في يوم ۱۹ يوليو ۲۰۱۲م عمليتان «إرهابيتان» استهدف فيها نائب المفتي ولي الله يعقوبوف الذي قتل رميا بالرصاص أمام بيته، وتمت في نفس اليوم والساعة محاولة تفجير سيارة المفتي فائيزوف لكنه خرج من العملية بسلام مع إصابات طفيفة في رجليه.

عمليات الاغتيال اتهمت فيها جماعات متشددة لها علاقة بما يسمى بإمارة القوقاز، وظهرت أشرطة فيديو بعد العملية يشير فيها أصحابها إلى أهمية رفع راية الجهاد في الجمهوريات الإسلامية الروسية لتحكيم شرع الله.

اللافت للانتباه أن المجتمع التتري معروف بطبيعته ببعده عن مظاهر العنف، بل إن تتارستان كانت مثالا يحتذى في التعايش السلمي بين جميع الطوائف الدينية وبعد المجتمع ككل عن مظاهر الغلو والتطرف، ويفتخر بها في وسائل الإعلام كعاصمة الإسلام المعتدل في روسيا الاتحادية.

كل هذا زاد من الأسئلة عمن يقف وراء هذه الحركات؟ وعن أهدافها؟ وتوقيت العملية التي غيرت تماما مسار تعامل الدولة مع الصحوة والأسلمة التي تشهدها البلاد؟!

استقالة أو إقالة المفتي

لم تمر أيام طويلة بعد خروج المفتي فائيزوف من المستشفى حتى أعلن في نهاية شهر فبراير ۲۰۱۳م عن تنحيه، وإقالة نائبه عبد الله أديغاموف من منصبه، وتم تعيين قائم بأعمال المفتي الشاب اليافع «۲۷ عامًا»، نائب المفتي في الشؤون التعليمية وإمام وخطيب مسجد «تونوشلوك» في العاصمة قازان الشيخ كاميل ساميغولين.

كثر الحديث عن شخصية المفتي الجديد ومع حداثة سنه إلا أن الرجل يملك إمكانات علمية لا تتوافر عند غيره ممن سبقه.

من ناحية أخرى فقد جاء في البيان الرسمي الذي صدر عن الإدارة الدينية أن المفتي قد تنحى بسبب ظروفه الصحية ولزوم بقائه تحت العناية الطبية لفترة طويلة، لكن المراقبين يعتقدون أن مرحلة المفتي قد انتهت وأنه لم يعد قادرًا على إتمام المهام التي من أجلها تم اختياره، وهو ما يقوله المستشرق «ألكسي كونوف»: «إن قرار مغادرة المفتي لمنصبه كان نتيجة لزيادة الضغط في الفترة الأخيرة على الحياة الدينية في تتارستان، فبعد محاولة الاغتيال كشفت فجأة انقسامات خطيرة داخل القائمين على الشؤون الدينية في الجمهورية، والتي لم يكن عامة الناس يعرفون عنها شيئًا. ربما تفاقمت بعد رحيل المفتي السابق عثمان إسحاقوف، وورث المفتي فائيزوف هذا الإرث الصعب، فالمجموعات المتشددة ليست راضية عن السياسة التي تنتهجها السلطة، وتدخلها المفرط في شؤون الأمة المسلمة».

ويرى «كونوف» أن المفتي فائيزوف «كانت توجهاته علمانية، وهو ما لم يرق لبعض الأصوليين العاملين في الإدارة الدينية ما زاد الضغط الداخلي عليه»، وهو ما يجعل المهمة صعبة أمام المفتي الجديد الذي هو مطالب بإيجاد طبخة سحرية تتوافق مع متطلبات الدولة وأجهزتها الأمنية، وبين جميع التوجهات في مجتمع الأئمة والخطباء.

من جهة أخرى يرى راييس سليمانوف رئيس المركز الإقليمي للدراسات العرقية والدينية بمنطقة الفولجا التابع للمعهد الروسي للدراسات الإستراتيجية، والمقرب من دوائر القرار السياسي «أن استقالة المفتي فائيزوف التي حصلت تحت ضغط الكرملين في قازان تعتبر خطأ سياسيًا كبيرًا من قبل السلطات الإقليمية، فالخط المعارض الذي انتهجه المفتي السابق لأي تأثير أجنبي «عربي وتركي» حصد من ورائه العديد من الأعداء، وعرض نفسه لهجوم إرهابي وتعرض لهجوم كلامي عنيف من قبل الوهابيين».

ويعتقد سليمانوف أن المفتي قد تم التخلي عنه من قبل السلطات والتضحية به وتقديمه «كبش فداء لمصلحة الأصوليين وذلك قبل بدء الأولمبياد في العاصمة قازان»، معتبرًا أن ذلك نوع من الرضوخ للنخبة السياسية البيروقراطية المحلية، ولعدد من رجال الأعمال والأئمة السلفيين، كما تعرض المفتي الحملة تشهير وتشويه لصورته في وسائل الإعلام القومية، التي يسيطر عليها الكرملين في قازان.

المفتي الجديد

ولد المفتي كميل في ٢٢ مارس ١٩٨٥م، من أتباع العقيدة الماتوريدية وللمذهب الحنفي في الفقه، درس في حلقات المساجد، ثم انتقل إلى المدرسة المحمدية بقازان؛ ليكمل بها تعليمه الديني، ثم واصل في عام ٢٠٠٣م تعليمه الديني في جامعة شمال القوقاز الإسلامية «محج قلعة- الداغستان».

انتقل بعدها إلى إسطنبول من سنة ٢٠٠٤ إلى ۲۰۰۷م للدراسة حيث حفظ القرآن الكريم، وحصل على إجازة لتعليم العلوم الشرعية في الفقه وأصوله والعقيدة، وأصول الحديث وعلوم اللغة العربية من النحو والصرف، كما تحصل على إجازة لتدريس الكتب الستة في الحديث تحصل عليها من الشيخ عبد الرحمن سعيد بن ناخلة «المغرب».

عمل منذ عامًا ٢٠٠٨م إمام مسجد «تينيشليك» بقازان، ثم عين في ۲۰۱۱م مديرًا لقسم الطباعة والنشر في الإدارة الدينية لجمهورية تتارستان، وفي عام ٢٠١٢م عين نائبا للمفتي للشؤون التعليمية، وكذلك عضوًا بمجلس إدارة الإدارة الدينية المركزية، وعضوًا في مجلس العلماء، وعضوًا في مجلس الخبراء لدى الإدارة الدينية.

في عام ۲۰۱۳م تخرج في كلية الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية الروسية، ويجيد اللغتين العربية والتركية.

الهامش

[1] (*) باحث في الشؤون الإسلامية بدول الاتحاد السوفييتي السابق

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل