; فكر وثقافة (1994) | مجلة المجتمع

العنوان فكر وثقافة (1994)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 65

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 50

الجمعة 23-مارس-2012

تجارب في أدب السجن العربي القوقعة والذاكرة

صبحي حديدي

 صدرت في باريس، عن دار النشر Actes Sud الترجمة الفرنسية النص فريد يمزج بين الرواية والشهادة الذاتية الصرفة بعنوان القوقعة للسجين السوري السابق مصطفي خليفة الذي قضى قرابة ١٥ عامًا بين سجني «تدمر» و«صيدنايا». 

وإلى أن تكون لي كما أرجو وقفة مفصلة عند هذا العمل المتميّز الأسر رغم وقائعه الكابوسية أو ربما بسبب من هذه السمة أولًا، أشير دون إبطاء إلى أن القوقعة ليست النص الوحيد اللافت في الطور الراهن من أدب السجن السوري.. هنالك أعمال سردية لأمثال عماد، شيحا وإبراهيم صموئيل، وحسيبة عبدالرحمن، ولؤي حسين، وهبة دباغ، ومالك داغستاني، فضلا عن قصائد عدنان مقداد التي لم تر النور في حدود ما أعلم.

أخلاقيات الاستبداد

لكني، ولكي أشدد على تلازم اخلاقيات الاستبداد العربي، أذهب إلى المغرب الاستذكار تجربة أخرى سابقة في أدب السجن العربي المعاصر، وأعني رواية العريس للشاعر والروائي المغربي صلاح الوديع، وأبدأ من هذه الواقعة في أبريل عام ١٩٩٩م كان الملحق الثقافي لصحيفة الاتحاد الاشتراكي، المغربية قد نشر رسالة مفتوحة، وجهها الوديع إلى الجلاد الذي أشرف على اعتقاله وتعذيبه طيلة عشر سنوات بين عامي ١٩٧٤ و ١٩٨٤م، في مركز الاعتقال والتحقيق والتعذيب الذي يحمل اسم درب «مولاي الشريف».

سلسلة عذابات

وفي رسالته، استعرض الوديع سلسلة العذابات التي عاشها في المعتقل، واللذائذ الإنسانية التي حرم منها جراء احتجازه، لكي يختم رسالته هكذا حين أستعيد كل هذا أتساءل: كيف نستطيع - أنا وأنت - أن تنتمي إلى نفس الوطن، وأن نتقيأ نفس الشجر وتلفحنا نفس الشمس ويبللنا نفس المطر ونمشي في نفس الطرقات، ونتحدث بنفس اللغة وتؤمن بنفس المستقبل ذلك، فأنا ومع الست حاقدا عليك.

وقد تفاجئك قدرتي على الصفح والغفران، ولكنني لا أستطيع أن أشارك في مسرحية عنوانها النسيان، مسرحية سمجة تهدر حقوق الضحايا وتدمر ذاكرتنا الجماعية لست حاقدًا ولا متشفيا، ولكنني لست مستعدًا للاستخفاف بالآلام لست مستعدًا الباب مشرعًا أو مفتوحًا أو حتى مواربًا لعودة لترك الامتهان والعسف والهوان.. فأنا شاهد ولا بد لي من الإدلاء بالشهادة.

اعتقال مواطن

الشهادة تلك اتخذت صيغة رواية تدور باختصار شديد حول اعتقال مواطن مغربي شاب أثناء مشاركته في عرس ابن عمه (ومن هنا لقب العريس الذي اختاره له سجانوه) وبعد مرور ٤٣٣ يوما في المعتقل، وعشرات من أفانين التعذيب أثناء التحقيق، ينتهي السجين محمد إلى الجنون، وتنتهي حكايته ها هنا تحديدًا وأما تجربته في السجن فترويها ٢٦ رسالة كتبها إلى أمه، ونقلها مجهول كان زميلًا له في المستشفى لهذا فإن العريس شهادة في المقام الأول، بل هي وثيقة استثنائية حول التقاليد الأسوأ والأشد بربرية في ثقافة امتهان الإنسان وتحويل الجسد البشري إلى مادة خام لتطبيق وتوظيف تقنيات العنف البهيمي الأقصى الذي ينتهي إلى مآلات رهيبة مثل التشوه أو الجنون أو الموت.

تراث المقاومة

وهي شهادة جديرة باحتلال موقع رفيع ليس في الذاكرة الجمعية المغربية فحسب، بل أيضًا في الوجدان العربي المعاصر بأسره وفي تراث المقاومة الإنساني الذي لا تكف الشعوب عن كتابة صفحاته هنا وهناك في معتقلات العالم.

ذلك لأن عنصر الشهادة في النص لا يخدم التسجيل الذاتي وحده، بل يؤدي الخدمة الكبرى للذاكرة الجمعية أولًا، خصوصًا وأن بين كبرى مفارقات أدب السجون أنه كتابة استثنائية تمنح الكاتب/ الشاهد حق ترقية تجربة الاعتقال الشخصية إلى مصاف التجربة الوطنية أو الكونية الإنسانية، التي لم تعد سردية فردية بل تحولت إلى حكاية قياسية.

سخرية سوداء

وفي جانب آخر شديد الأهمية من خصائص العريس، أن الوديع استقر على السخرية السوداء، أيا كانت مرارة الموقف وقسوة التفصيل وعنف الممارسة وبربرية امتهان الجسد.. وحين يصف مشكلة وجود مرحاضين فقط لمائة شخص، وكيف يتولى تنظيم الدخول رجل يلقب بالحاج يتساءل المواطن محمد: قلت في نفسي: يا الله ! كيف يكلفون حاجًا بمثل هذه الأمور النجسة؟

ألم يجدوا مهمة يوكلونها إلى شيوخ وقورين غير الوقوف على أبواب المراحيض ينظمون استعمالها بين الناس بالقسطاس؟ وفي ختام الفصل ذاته يقول: وأخطر من ذلك، فقد سبح خيالي وبدأت أتصور مدينة فاضلة يعمها الرخاء والأخوة وتشيد بها مراحيض عمومية فاخرة رومية وتقليدية حسب رغبة المرء أينما (حل هذا المرء وارتحل وهذه النبرة التهكمية التي يطلق عليها الوديع صفة ضحك كالبكاء) تقول ببساطة: إن الضحك خيار تنتهجه الذات الإنسانية عن سابق وعي وتصميم، في مواجهة التعذيب والتنكيل والامتهان وسواها من خيارات السلطة المستبدة في قهر تلك الذات وتدمير إنسانيتها، وفي منعها من الضحك على سبيل المثال.

العريس شهادة ضد مسرحية عنوانها النسيان كما يقول الوديع في رسالته إلى جلاد درب مولاي الشريف. وكما يمكن للمرء أن يتخيل ما سيقوله عماد شيحا، صاحب روايتي موت مشتهى»، و«غبار الطلع الذي قضى نصف عمره في المعتقل، إذا التقى بأي من جلادي سجون «تدمر» و«صيدنايا» و«كفر سوسة... المعتقل العربي، في نهاية المطاف واحد متماثل متصل من البحر إلى الخليج إلى المحيط!


 

 

واحة الشعر ثمَّ عاد الربيع

شعر: شريف قاسم

للرحيق المختوم عُدْتُ ورائي              أتحرى أطايب الأشــــذاء 

وأشم الفواح من ربع روض               فيه أغلى تشبثي وثوائي

وألم الأشتات من ترهاتي                    والبغيض المذموم من أهوائي

ضقت ذرعاً بما رأيت من الزخرف       أوهي من همتي ومضائي

قد عرفت الأفذاذ في موكب المجد      بتيجانهم وبالنعماء

وقرأت التاريخ، والسير المثلى             وما في الزمان للفضلاء

من سمو، ومن علو وفضل                  ومكان في عالم الحكماء

أتوخي مشيع حب لقلبي                      إذ براه النوى من اللأواء

قد وجدت الضرام يحيي حنينا             في فؤادي الذي صبا وروائي

فحنايا أضالعي ظامئات                       في هجير مستمطرات سمائي

أتهادى على المرابع أصغي                    من وراء الغيوب للأصداء

وأولي وجهي إلى حيث لاحت               رفرفات الأنوار في الظلماء

هو ذا مأربي، وتاج طموحي                   وهنا في مداره بشرائي

سيرة لم يحط بيان بليغ                       ببهاها ولا فصيح الثناء

من علاها تحدر الخير غضاً                  من فيوض النبوة الغراء

وتسامت بها أواصر قوم                      جمعتهم في أعذب الأفياء

كيف لا ! والحبيب أحمد مختار          الكريم الرحمن ذي الآلاء

ما تراءى امرؤ بأي زمان                       مثل طه في الخلق والنظراء

أبلج الوجه، والوضاءة فيه                   مثل بدر في الليلة القمراء

أدعج العينين اللتين بحسن             جل ربي حلاهما بالسناء

إن رأته العيون خالته شمساً            طلعت في صباحها الوضاء

فبنور الرضا استنار بهاء                  وجه خير الورى، وأنقى صفاء

أحسن الناس مطلعاً في وقار            وجلال وهيبة وحياء

وعليه الصلاة أكملهم خلقاً             وخلقاً، وسيد الفصحاء

وهو الأوفى ذمة قد تناهى                لم صدق ما في العهود للأوفياء

مصطفانا الحبيب والطيب منه       لم يفارق خطاه في الأرجاء

ويداه كجونة ملأتها                       كف عطار فاح بالأشداء (1)

وابتساماته تفيض بعطف               وحنان حتى على البعداء

ولد الخير يوم مولده الغالي             فما من مثيله في الرواء (۲)

والبرايا مستبشرات بيوم                  في مغاني الأفاضل الندماء

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل