العنوان تجربتي في التحرك بالقرآن(1626)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004
مشاهدات 38
نشر في العدد 1626
نشر في الصفحة 52
الجمعة 05-نوفمبر-2004
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاء للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًّا، وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
الخوف
لنتصور فندقًا عالميًّا له شهرة واسعة في استخدام أحدث وسائل الأمان وقد تدرب موظفوه على استخدام الوسائل الكفيلة بسلامة النزلاء إن حدث أي مكروه، ووقع اختيار مجموعة من رجال الأعمال على المبيت بهذا الفندق، وفي دجى الليل، حدث زلزال شعروا به جميعًا، فهبوا من النوم مذعورين وقد تملكهم الرعب والهلع وجاءت من مكبرات الصوت أصوات العاملين بالفندق يطلبون منهم عدم النزول من السلم لخطورة هذا الأمر، طالبين منهم الهدوء حتى صدور تعليمات أخرى، ولكن الخوف إذا تملك شخصًا وسيطر عليه تصرف بغير هدى، وضرب عرض الحائط بالنصائح والتعليمات، فهذا لا يثق إلا في ردود أفعاله هو، وهذا ما حدث، فكلما كانت ثقة رواد الفندق كبيرة في قدرات هذا الفندق في التصرف في هذه المواقف، كان شعورهم بالأمان أكبر، وردود أفعالهم محسوبة ومدروسة؛ لذا فقد مكث بعضهم بالحجرات آملين أن تأتيهم النجاة سريعة وهم في ثقة كبيرة من حتمية مساعدة إدارة الفندق لهم لما سمعوه ووثقوا به من شهرة هذا الفندق في القيام بهذه المهام على أكمل وجه، وبعضهم الآخر أخذتهم أرجلهم كالريح المرسلة ناحية السلم، يتدافعون عليه هم وغيرهم، تدافعًا جعلهم يسقطون والسلم في هاوية، حيث كانت قبورهم في انتظارهم والآخرون تم إنقاذهم بعد حين لما لهذا الفندق من تقنية وخبرة كبيرة في مثل هذه الأمور.
والخوف في حقيقة الأمر له أنواع مختلفة تجعل الإنسان يشعر وكأنه في بحر متلاطم الأمواج في يوم شديد الظلمة قارس البرودة مما يسبب له الكثير من القلق، ويؤدي إلى انحطاط معنوياته النفسية، والله سبحانه وتعالى لم يترك خلقه فريسة للخوف، بل أكرمنا أيضًا بخوف يذهب كل خوف، فالخوف لا يعالج إلا بخوف مثله يشعرنا بالأمان والطمأنينة والسكينة ورفع معنوياتنا، فتخطو خطواتنا بثقة، فتؤدي كل خطوة إلى الأمام وليس إلى الخلف، فهو خوف ينقذه من أن يسقط في عصارة الحياة بكل ضغوطها وكيدها، هذه الحياة الصغيرة، ولكن ما أعطى لها أهميتها أنها لا تعوض وهي الوحيدة التي لا بد وأن نمر عليها فتكون سببًا رئيسًا فيما أحصاه علينا الله من عمل فيها إلى خلود بالجنة، أو خلود بالجحيم والعياذ بالله.
والخوف إن لم نعالجه يشتت لنا الكثير من الوقت الذي هو ذخرنا الوحيد في دنيانا، إن أحسنا استخدامه فزنا.
فما أنواع الخوف التي صنفها لنا الخالق في كتابه؟ وما الخوف الذي يذهب كل خوف؟
لنبدأ بمشيئة الله برحلة تكونون فيها صحبتي إلى كتاب الله، وها هي الآيات تتلألأ لتكشف لنا أنواع الخوف:
1- الخوف من ظلم الناس: ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ﴾ (إبراهيم عليه السلام) (هود : 70).
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ﴾ (موسى عليه السلام) (القصص: 33).
﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ﴾ (موسى وهارون عليهما السلام) (طه: 45).
2-الخوف من الفتنة: ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ﴾ (النساء: 101)
﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ﴾ (يونس: 83).
3- الخوف من تقلبات الدنيا: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ﴾ (البقرة: 155).
4- الخوف على الأولاد في الحياة وبعد الممات: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ﴾ (القصص: 7).
﴿وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ﴾ (النساء: 9).
5- الخوف من الخلافات الزوجية:﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا﴾ (النساء: 128).
﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (النساء: 34) ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾ (النساء: 35).
6- الخوف من عدم الإنجاب: ﴿وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا﴾ (مريم: 5).
7-الخوف من خيانة الآخرين لنا: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ﴾ (الأنفال: 58).
8-الخوف من الفقر: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ﴾ (التوبة: 28).
9- الخوف من معصية الأبناء لله: ﴿وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ﴾ (الأحقاف: 17).
الخوف... الخوف... الخوف... من ينجينا من كل هذا، ويحتوينا بالطمأنينة والسكينة والأمان؟ إنه الخوف من الله تعالى وهناك دعوة من رب العزة إلى هذا النوع من الخوف الذي فيه الأمان من كل الأنواع السالف ذكرها.
الخوف من الجليل
﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ﴾ (الأعراف: 205)
وأوضح لنا سبحانه أن الخوف من الله نعمة يمن بها على عباده الصالحين:
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ﴾ (المائدة: 23).
وسنذكر مثالًا لعله يوضح المعنى المقصود:
﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (آل عمران: 173-175).
فلو اتبعوا الشيطان وخافوا فقد خسروا الدنيا والآخرة، ولكن خوفهم من الله كان أكبر، فاستعانوا به سبحانه فأذهب كل خوف من نفوسهم، وانقلب إلى شجاعة وإقدام.. فشعور الإنسان أن الله معه يذهب كل خوف آخر إلا منه لاتباع أوامره كما أمر سبحانه، وقد أمن سبحانه موسى وهارون بقوله وقال: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ﴾ (طه: 46).
ومن ذهب للجهاد إما أن ينقلب بفضل من الله ونعمة لا يمسه السوء، وإما أن يقتل وإما أن يكون مضطهدًا من أعدائه، وجميعهم قد أعطاهم الله وأسبغ عليهم.
فالأحياء منهم ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾( آل عمران: 169- 170).
أما المجاهدون المضطهدون في الأرض فبشرهم سبحانه في (الأعراف: 48- 49): ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ * أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ﴾.
ووعد المؤمنين إبدال خوفهم أمنًا في (النور: 55) ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ﴾.
وسبحانه يدعو الرسل إلى الخوف منه ليتحقق وعده فيهم، ونجد ذلك في (إبراهيم: 13- 14) ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ * وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
فعندما نخاف من المولى سنتبع طريقه المستقيم، فمهما لاقينا من صعوبات أو تقابلنا مع بعض أنواع الخوف الأخرى سيكون شعورنا بمعية الله معنا مما يجعل الطمانينة تسكن محل الخوف في القلوب.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ (فصلت: 30).
وكذلك الخوف من الله سبحانه يجعلنا نسلم أنفسنا له مختارين طائعين محبين، فليس هناك من نخافه أو نخشاه أشد خشية من الله، فليس لنا سواه نلجأ إليه ونتبعه حتى يتحقق لنا الأمن، فهو كفيل بإبعاد كل ما يؤذينا ما دمنا في طريق طاعته ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (البقرة: 112).
وفيما روي عن رسول الله ﷺ: اتق الله حيثما كنت.. فتقوى الله تذهب الخوف إلا من الله، وقد وعدهم الله بالأمان ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (الأعراف: 35).
وكلما كان إقبالنا على الله كان الأمان لنا: ﴿يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ﴾ (القصص: 31).
فإقبالك على المولى يشعرك بالثقة الكبيرة في وعوده والطمأنينة في اتباع أوامره، والالتزام بأحكامه، واليقين أن في ذلك النجاة والفوز؛ فالخوف من الله شعور رائع لا يشعر به إلا المؤمن المخلص حيث يتخلص به من كل خوف آخر فيكون خالصًا لله محبًّا له مقبلًا عليه.
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل