; تحالفات العدالة والتنمية: من تدبير المدن إلى عزل حزب الأغلبية | مجلة المجتمع

العنوان تحالفات العدالة والتنمية: من تدبير المدن إلى عزل حزب الأغلبية

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1858

نشر في الصفحة 22

السبت 27-يونيو-2009

- الانتخابات أفرزت نتائج يصعب معها تشكيل المجالس دون قيادة حزب العدالة والتنمية أو على الأقل حضوره الوازن

كان للقانون الانتخابي الذي أعتمد نظام اللوائح وأجريت الانتخابات البلدية الأخيرة في المغرب على أساسه وأشترط لفوز أي حزب الحصول على نسبة 6% حتى يضمن الفوز بالمقاعد، كان لهذا القانون أثر كبير في التخفيف من حدة «البلقنة» السياسية، إذ حصلت ٨ أحزاب على ما يقرب من 90% من المقاعد، وبحسب النتائج التي نشرتها وزارة الداخلية في موقعها المخصص لانتخابات ٢٠٠٩م، فإن المدن الكبرى أنتجت خريطة انتخابية تمكّن من عقد تحالفات مريحة بين حزبين أو ثلاثة أحزاب، وفي أسوأ الحالات بين أربعة أحزاب أو خمسة، كما أفرزت أرقامًا انتخابية يصعب معها تصور تشكيلة للمجالس بدون قيادة العدالة والتنمية، أو على الأقل حضورها الوزن في تشكيلة هذه المجالس.

ففي مدينة طنجة «شمال المغرب»، أظهرت النتائج تقدم حزب التجمع الوطني للأحرار بـــ ۲۲ مقعدًا، والعدالة والتنمية بـ ٢١ مقعدًا،  وحصلت الحركة الشعبية على 11 مقعدًا، والأصالة والمعاصرة على 7 مقاعد، والاتحاد الدستوري على ٦ مقاعد، بينما تراوحت مقاعد أحزاب أخرى بين مقعدين وأربعة مقاعد، وهي الخريطة الانتخابية التي تدفع في اتجاه تشكيل تحالف من ثلاثة أحزاب على الأكثر يكون فيها حضور العدالة والتنمية لازمًا، ويثقل تمثيلي «تحالف التجمع الوطني للأحرار، والعدالة والتنمية، والاتحاد الدستوري».

وفي مدينة أغادير «جنوب المغرب» حصل حزب الاتحاد الاشتراكي على ٢٦ مقعدًا، والتجمع الوطني للأحرار على ١٢ مقعدًا، والعدالة والتنمية على 7 مقاعد، وحزب الاستقلال على ٦ مقاعد، وهي الخريطة الانتخابية التي تتيح تشكيل تحالف بين حزبين «يشكله الاتحاد الاشتراكي، الذي أختار حسب التحالفات الجارية العدالة والتنمية» بحكم أن الأغلبية المطلقة هي ۲۸ مقعدًا «من أصل ٥٥ مقعدًا».

 وهو المعطى نفسه الذي أتاحته الخريطة الانتخابية في مدينة تطوان «شمال المغرب»، فقد حصل التجمع الوطني للأحرار على ٢٦ مقعدًا، والعدالة والتنمية على ٢٢ مقعدًا. والاتحاد الاشتراكي على 7 مقاعد، وهو ما يعني أن التحالف سيكون بين حزبين فقط «العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي حسب ميثاق الشرف الموقع بين الحزبين»، وهكذا أنتجت الخريطة الانتخابية في المدن الكبرى مثل: الرباط وسلا والدار البيضاء معطيات انتخابية تؤشر على تقليص عدد الأحزاب التي يفترض أن تشكل المجالس مع حضور ضروري ووازن للعدالة والتنمية.

بين المنطق السياسي والاعتبار المحلي

من الصعب الحديث في الانتخابات البلدية عن منطق سياسي عام يحكم التحالفات بين الأحزاب في تشكيل المجالس، فيصعب مثلًا أن يتم بناء التحالفات على معيار الأغلبية الحكومية أو معيار الكتلة الديمقراطية، أو معيار التقارب الأيديولوجي، فالخريطة الانتخابية في كل جماعة تفرز معطيات خاصة لا تتشابه بالضرورة مع جماعات أخرى، وهو ما يعني فتح المجال للتحالف بناء على اعتبارات محلية تفرضها المعطيات الانتخابية، ففي مراكش مثلًا، لا يوجد ضمن الأحزاب الفائزة حزب الاتحاد الاشتراكي، ولم يحُز حزب الاستقلال في هذه المدينة سوى على 4 مقاعد، وبقيت الخريطة الانتخابية موزعة بين: الاتحاد الدستوري ٢٥، والأصالة والمعاصرة ٢١، والتجمع الوطني للأحرار 9، والعدالة والتنمية 9 مقاعد والحزب المغربي الليبرالي على 7 مقاعد، وهو ما يفرض على العدالة والتنمية خيارات ليست بالضرورة هي الخيارات نفسها التي أتيحت له في مدن أخرى، مثل: الرباط وأغادير، وتطوان التي تحالف فيها مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

الخلاصة: أن نتائج اقتراع ٢٠٠٩م لم تسعف بشكل كامل في بناء تحالفات على منطق سياسي وطني، إلا ما كان من حالات وقع فيها التحالف بين العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي «حزب يساري».

لكن هذه المعطيات الانتخابية التي تدفع لتحكيم المنطق المحلي في عملية التحالفات لم يمنع الأحزاب السياسية، خاصة منها الوطنية والديمقراطية من تأسيس منطق سیاسي جديد لا يقوم بالضرورة على معيار التحالف السياسي الحزبي، بقدر ما يقوم على عنوان مواجهة الفساد والمفسدين مهما كانت انتماءاتهم، وهو الخيار الذي تعزز في الكثير من المدن، إذ تم فيها تشكيل تحالفات على ثلاثة معايير أساسية تندرج كلها ضمن ضابط وصفه القيادي الاتحادي «إدريس لشكر» بالدفاع عن الديمقراطية في المغرب:

المعيار الأول: محاصرة المفسدين وسماسرة الانتخاب: وهو الأمر الذي نجحت فيه قيادات العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي بتدبير يتراوح بين المحلي والمركزي في إقامة تحالفات في كل من أغادير، والرباط، وسلا، وتطوان، والعرائش، ومرتيل، ووزان، كما نجح حزب العدالة والتنمية في التنسيق مع حزب التقدم والاشتراكية في كل من الرشيدية والفنيدق، ونجح حزب العدالة والتنمية في عقد تحالف في كل من وجدة والقنيطرة مع حزب الاستقلال، فيما كان التنسيق شاملًا بين العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال لإسقاط الاتحاد الدستوري من رئاسة المجلس.

المعيار الثاني: الاستجابة لتطلعات الناخبين: وهو الضابط الذي تم على أساسه التحالف. في كل من العرائش لإسقاط «لحسيسن» عن التجمع الوطني للأحرار، وفي سلا والرباط الإسقاط رمزين من رموز الحركة الشعبية «السنتيسي» و«البحراوي»، وفي مراكش لإسقاط «عمر الجزولي» من الاتحاد الدستوري، وفي تطوان لإسقاط «رشيد الطالبي العلمي» عن التجمع الوطني للأحرار وفي الشاون لإسقاط «سعد العلمي» عن حزب الاستقلال.

المعيار الثالث: معيار عزل الأصالة والمعاصرة: وهو المعيار الذي حكم تحالفات العديد من الأحزاب، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي، والعدالة والتنمية، وحزب الاستقلال.. ففي طنجة، وشفشاون والفنيدق، والرباط، والدار البيضاء، والقنيطرة، تم استبعاد حزب الأصالة والمعاصرة، وكانت الرسالة أكثر وضوحًا في حالة وجدة التي اختار حزب العدالة والتنمية «۲۱ مقعدًا» فيها أن يوسع تحالفه ليشمل كل الأحزاب الفائزة ما عدا حزب الأصالة والمعاصرة «الحركة الشعبية ١٤ مقعدًا، حزب الاستقلال ۱۳ مقعدًا، التجمع الوطني للأحرار مقعد واحد».

وعلى العموم، تسمح هذه التحالفات، والمعايير السياسية التي تم اعتمادها بتسجيل الملاحظات الآتية:

1- أن رفع العتبة كان سببًا مباشرًا في تغيير منطق التحالفات نحو المضي نحو اعتماد منطق سياسي في التحالف، وإن كان في شكل عناوين، مثل: محاربة الفساد وعزل رموزه، أو محاكمة التجارب السابقة أو عزل الأحزاب الإدارية، وهو ما يجعل الرهان السياسي للأحزاب السياسية في المستقبل يتوجه نحو النضال من أجل رفع العتبة إلى أكثر من 6%․

20 أن حزب العدالة والتنمية نجح في فك العزلة السياسية عنه، وصار في قلب التحالفات الوطنية والديمقراطية، وهو مؤشر مهم في مسار الحزب السياسي، يجيب عن الانتقادات التي كانت تتساءل عن قدرته على نسج التحالفات، وتعزو ذلك إلى طبيعة خطابه ونموذج ممارسته السياسية.

3- أنها تمضي في اتجاه إحداث جبهة وطنية للدفاع عن الديمقراطية ومنع حصول الارتداد إلى تجربة الحزب الأغلبية.

4- أنها تعزز التقارب بين الصف الوطني والديمقراطي والإسلامي «العدالة والتنمية، والاتحاد الاشتراكي، وحزب الاستقلال»، ونتجه نحو القتل الإكلينيكي لبعض الأحزاب الصغيرة والإدارية.

بيد أن هذه الاتجاهات التي كشف عنها مسار التحالفات الجارية لا يمكن أن تسير إلى منتهاها إلا إذا رفعت السلطة السياسية يدها وأمتنعت عن التدخل لتغيير خريطة التحالفات، وهو الشرط الذي يبقى محددًا لمدى المصداقية التي تتمتع بها العملية الانتخابية في المغرب.

 محمد ضريف أستاذ العلوم السياسية:

أتوقع ألا يعمّر حزب الأصالة والمعاصرة طويلًا

قال محمد ضريف أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الحركات الإسلامية: إن النتائج التي حصل عليها حزب الأصالة والمعاصرة لن تضمن له موقعًا مهما في خريطة المجالس بالمدن، فالمقاعد التي حصل عليها في المدن ضعيفة بالمقارنة مع ما حصل عليه في القرى، ناهيك عن وجود اتفاق شبه ضمني بين الأحزاب الوطنية على استبعاد هذا الحزب من تحالفاتها في المدن، وأذكر بوجه خاص حزب العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي.

وتوقع ضريف استقالة كثير من الناجحين على قوائم حزب الأصالة والمعاصرة في المدن بحثًا عن مواقع في تشكيلة المجالس، وهذا ما حدث في الرباط ويجري الآن في الدار البيضاء.

وأضاف قائلًا: أتوقع ألا يعمر هذا الحزب طويلًا، لأن بنيته الترشيحية قامت أساسًا على استقطاب محترفي الانتخابات وأُطر الأحزاب الأخرى، ولا شك أن هذه الفئات بحكم ارتباطها بالمصالح ستجد نفسها مضطرة للالتحاق بالمجالس، وهو ما يعني مغادرتها الأكيدة لحزب الأصالة والمعاصرة.

أما بخصوص التحالفات في المدن الكبرى أشار إلى أنه يبدو أن النتائج التي أفرزها الاقتراع ستكون حاسمة، لاسيما وأنها ضيّقت الاحتمالات الواسعة التي كانت في التجارب السابقة «انتخابات ۲۰۰۲م»، بفضل اعتماد نسبة 6% في القانون الانتخابي، مؤكدًا أن التحالفات الجارية كشفت الحضور الوازن للعدالة والتنمية بحكم أنه أحتل المرتبة الأولى في الجماعات ذات الاقتراع اللائحي.

الرابط المختصر :