العنوان تحت ضوء الإسلام: يريدون ليطفئوا نور الله
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1987
مشاهدات 60
نشر في العدد 812
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-أبريل-1987
- كان قبول المسلمين للقانون الوضعي قبول المضطر الذي لا يملك الإرادة الكاملة
عندما بدأت النهضة الأوروبية «الرينسانس» كان أمامها مادتان لصناعة فكرها أولهما: الفكر الإعلامي التجريبي وحصيلة العلوم الإسلامية في مجال النفس والأخلاق والاجتماع والتاريخ والحضارة وكان ذلك قد وصل المسلمون إلى ألف سنة من قيادة العالم.
وثانيهما: ركام الفلسفات القديمة الوثنية اليونانية والأساطير والمجوسية وبقايا ديني موسى وعيسى بعد أن اختلطا بالفلسفات.
وكان على الغرب أن يختار إما إنه قد أخذ المنهج التجريبي الإسلامي فتلك حقيقة مؤكدة، ولكن كان هناك صراع حول هذا المنهج الذي كانت مواده مخالفة لما جاء في الكتب المقدسة ولما تؤمن به الكنيسة ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن محاكم التفتيش قد نصبت أساسًا لجاليلو وغيره من أجل إيمانهم بتجربة الإسلام المخالفة، وخاصة فيما يتعلق بدوران الأرض وعمر الكون.
ولكن العلم التجريبي اكتسح هذه المحاولة تمامًا وانتصر عليها ولكن بقي شيء هام هو أن الشباب الذي جاء من أوروبا إلى الأندلس يطلب العلم رافقته نصيحة تقول: لا تنقلوا دين المسلمين. ولما كانت مفاهيم الإجماع والنفس والتاريخ والحضارة مرتبطة في الإسلام بالدين بمفهومه الجامع فقد وقف منها الفكر الغربي موقفًا معارضًا لأنه نظر إلى الإسلام كدين غريب في قدرته على النماء والتوسع وإن مرد ذلك إلى منهجه الرباني الذي مكن له من السيطرة على مناطق شاسعة من العالم خلال أقل من مائة عام بالفتح ثم توالت توسعاته على مدى القرون، كل هذا دفع الغرب إلى مقاومة الإسلام وإلى إثارة الشبهات حوله، لإيقاف نموه وحاول عن طريق تراثه الوثني القديم والمرتبط باليهودية والمسيحية وبالخرافة والأساطير وبالتجسيم والفكر العاطفي أن يعرقل نمو الإسلام، بأن يضع هذه العقبات كلها في طريقه، ولكن الإسلام الذي كان قادرًا دائمًا على الانبعاث من داخله، كان سرعان ما يستطيع التحرر من حلقات التبعية والاحتواء ولقد حاول الغرب أن ينقل معاركه إلى أفق الإسلام: معركة الصراع بين الدين والعلم، بين القوميات والعقائد، بين التراث البشري في الغرب والتراث الإسلامي المرتبط بالقرآن والسنة، مسألة العنصر والدم والأجناس وفي كل هذه المطروحات كانت الأمور تنتهي إلى فشل ذريع لاختلاف المصادر والموارد. فلم يكن في أفق الإسلام خلاف بين الدين والعلم ولا بين العروبة والإسلام وكانت مسألة العنصر قد حسم الإسلام الموقف فيها.
وحاول الغرب أن يدعي بأن الأرض التي سيطر عليها الإسلام كانت أرض أوروبا، فقد سيطر الرومان عليها مئات السنين ولكن الحقيقة أن الغرب كان مستعمرًا، وأنه كان بغيضًا إلى الناس وكان ظالمًا وقد جاء الإسلام فحرر أهل هذه المناطق فضلًا عن أن موجات الجزيرة العربية كانت قد امتدت خلال هذه المناطق قبل ذلك بمئات السنين في العراق والجزيرة والشام ومصر وشمال أفريقيا، فلم تكن هذه المناطق في الحقيقة ملكًا للغرب أو للمسيحية كما يدعون، هذا فضلًا عن أن الإسلام عندما حرر هذه المناطق من ظلم الرومان لم يفرض عليهم عقيدته ولكن أهل هذه المناطق هم الذين قبلوا الإسلام بإرادتهم الخاصة بعد أن تأكدوا من عدالته ورحمته.
كان هذا الاكتساح الواسع في السنوات القليلة «۸۰عامًا» حيث أقام الإمبراطورية الإسلامية من حدود الصين إلى نهر اللوار حيث قامت في خلال ألف سنة وهو الذي أزعج الغرب، وكان يعرف أن المنهج الرباني هو مصدر هذا الإعجاز ولذلك كانت مؤامرته تتسع من كل جانب بالتآمر مع التتار ونصارى الحبشة وغيرها حتى جاءت جيوشهم في ثمان حملات صليبية متوالية استمرت معركتها ألفي عام وانتهت بالهزيمة الكاملة. هنالك تبين لهم أن المسلمين لا يؤتون من ناحية الحرب والقتال فإن عقيدتهم تضاعف عددهم ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 65) ولذلك اتجهوا نحو التآمر على هذا المفهوم الرباني بتزييفه والتشكيك فيه وإثارة الشبهات حوله لتفريغ الإسلام من مضامينه التي كانت قادرة على تثبيت المسلمين في وجه الأعداء.
كان وجود المسلمين في هذه القارة الوسطى «بين آسيا وأفريقيا» من أخطر ما أزعج الغرب حيث توجد الخامات والأسواق والتجارة والخلجان، حدة العالم كل من يريد أن يتجه غربًا أو شرقًا لا بد أن يمر بالقارة الإسلامية.
إن الخطة الغربية هي احتواء قارة الإسلام، ولن يكون ذلك إلا بإخراجهم من جوهر مفاهيم التوحيد الخالص وبث النظريات والأيديولوجيات المادية والإباحية والوثنية، وقد تحرك الغرب في هذه الدائرة أكثر من مائة عام اليوم منذ أن فرض قانون نابليون وحجب الشريعة الإسلامية.
كان قبول المسلمين للقانون الوضعي، وللمنهج الليبرالي، والنظام الربوي، وأسلوب التعليم المفرغ من الدين والأخلاق، قبول المضطر الذي لا يملك الإرادة الكاملة.
ومع ذلك فقد خرجت من تحت رايات الجهاد الإسلامي كل موجات المقاومة المسلحة للنفوذ الاستعماري المسيطر في أنحاء العالم الإسلامي، ثم خرجت من قلب مفهوم التوحيد كل معارك المقاومة للغزو الفكري والتغريب.
يقول جين لوجول:
إذا درسنا بلا تحيز الثورات الدينية الكبرى في التاريخ فإننا نذهل أمام الصلابة الثابتة التي تبدو عبر هذه الثورات في الروح المعنوية والعرب يستطيعون على أي حال أن يستمدوا من هذا التاريخ ما يزهون به عن جدارة في الماضي وما يؤكد لهم شرعة كفاحهم في المستقبل وتاريخ الخمسين عامًا الأخيرة على الأخص يبرز لنا هذه الشعوب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي في دجلة انطلاقها التام ونهضتها العظيمة.
هذا الخوف من نفوذ الإسلام وتوسعه أولًا، ثم ثباته وامتداده ثانيًا هو الذي يدفع الغرب بكل قواه لحصار اليقظة الإسلامية واحتوائها عن طريق أعوانه الذين يملكون أوسع أدوات النشر والكتابة، والذين يحملون كراهية حقيقية للإسلام الذي يقضي على وجودهم. إن محاولة النفوذ الغربي تتمثل أساسًا في هزيمة تعاليم الإسلام وإقناع أهله بأنه ليس إلا منهجًا لاهوتيًا «يتعلق بالعبادات فحسب» أما نظام المجتمع فيقوم على الأيديولوجيات البشرية ويتجاهل منهج الإسلام كلية، ومن هنا فهو يثير الشكوك أساسًا حول الخالق وعقيدة التوحيد، ويحاول أن يصور القرآن الكريم على أنه كتاب بشري من صنع محمد صلى الله عليه وسلم وليس وحيًا منزلًا، بل هو مجموعة أفكار استقاها محمد صلى الله عليه وسلم من التحديات التي تواجه بيته ومجتمعه «الشيوعيون يركزون على قضية الغفر» ومن ناحية الغرب فهم يصوبون إليها الشبهات المختلفة ويحاولون تصويرها بأنها كتبت بعد عهد النبي بمراحل أما الشريعة فهم يدعون أنها مأخوذة من القانون الروماني، أخذها المسلمون في الشام. ثم جرت من ناحية أخرى محاولة التوفيق بين الإسلام وبين الأقطار الغربية، الإسلام والديمقراطية، الإسلام والاشتراكية، وغيرها في محاولة للمقارنة بين المنهج الرباني والمنهج البشري، حتى يفقد المنهج الرباني أصالته وينصهر في بوتقة الحضارة الغربية، دون تقدير للخلاف العميق الواسع بين المنهج الإسلامي الرباني القائم على تكامل القيم والنظرة الجامعة بين الروح والمادة والعقل والقلب والدنيا والآخرة، وبين المنهج الغربي المادي الذي لا يقر المسؤولية الفردية ولا الالتزام الأخلاقي ولا التعب والجزاء.
لقد تنكر الغرب لدينه الأساسي ووجد فيه عجزًا يحول بينه وبين التقدم في مجال العلم والحضارة، ولكن صراع العلماء مع رجال الدين انتهى إلى التنكر للدين جملة والدعوة إلى دین جدید بشري «هو دين البشرية» الذي لا يعترف بالألوهية ولا الوحي ولا النبوة ولا الأخلاقيات وفي ظل هذا المنهج الجديد ظهرت نظريات دارون للعلوم الطبيعية ثم انتقلت إلى العلوم الاجتماعية نظرية فرويد في علم النفس، ونظرية ماركس في الاقتصاد، نظرية سارتر في الوجودية. ولقد قاوم علماء المسلمين هذه النظريات منذ اليوم الأول الذي طرحت فيه وكشفوا عن ريقها لقيامها في إطار «التفسير المادي للتاريخ» وقد صدقت الأيام ما ذهب إليه العلماء المسلمون وكشفت النظريات عما يكذب دعاوى صلة الإنسان بالفرد وبين أن نظرية فرويد خاطئة لأنها اعتمدت على عنصر واحد من عناصر التكوين النفسي وهو الجنس، وكشفت نظرية ماركس عن خطأ اعتبار الاقتصاد هو أساس الحركة الاجتماعية بل لقد ذهب كثيرون إلى أنها في المرتبة الثالثة، وكشفت الأبحاث فساد دعاوى سارتر في فهم الإنسان.
بل إن الغربيين أنفسهم في الأخير كشفوا في مؤتمراتهم هذه الأخطاء، وتبين لهم أن النظرة الانشطارية المادية لا يمكن أن تقدم حقيقة علمية صحيحة لأنها تتنكر للشطر الآخر من الإنسان هو جانب الروح والغيب ولقد كان الإسلام سباقًا قبل هذه العلوم الوضعية البشرية كلها إلى تقديم الحقائق للإنسان عن الإله الوحي، النبوة، النفس، الموت، البحث، العالم الآخر «الميتافيزك» لكي تكون دراساته العلمية قائمة على أساس حقيقي، ولكن مع الأسف لا يزال الغرب يخوض في بحيرة آسنة من الأساطير يعتمد عليها في نظرياته، كاعتماد فرويد وسارتر.
والقرآن بين أيدي الناس جميعًا ومع ذلك فهم يذهبون إلى الفكر البدائي: فكر طفولة البشرية «الأنثروبولوجيا» ليأخذوا منه النظريات وأمامهم الحق واضح ولكنهم علموا منذ وقت بعيد أن يحذروا من علوم الإسلام ومع ذلك فإن الذين التحموا هذا المجال، وصلوا إلى الحق وعرفوا الكثير وأنقذهم الله تبارك وتعالى من التمزق والغربة والضياع واليأس، أمثال إیتان دينيه، هنري دي كاستري، اللورد هدني خالد شلدريك، بوكاي جارودي، إلخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل