; تحرير النزاع بين البدر «والبغدادي» والفتوى في دعوى فشل الرسول صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان تحرير النزاع بين البدر «والبغدادي» والفتوى في دعوى فشل الرسول صلى الله عليه وسلم

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مشاهدات 55

نشر في العدد 1230

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

تحرير النزاع بين البدر «والبغدادي» والفتوى في دعوى فشل الرسول صلى الله عليه وسلم

بتاريخ 25/7/1996م نشرت مجلة الشعلة للدكتور «أحمد البغدادي» أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فشل في فرض الإسلام على المجتمع المكي لمدة ثلاثة عشر عامًا حتى دخل الإسلام قلوب أنصار من أهل المدينة قبل قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وقد فرض الدكتور «عبد الرزاق الشايجي» هذا الكلام على هيئة فتوى في الإدارة العامة للإفتاء والبحوث الشرعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لإبداء الرأي فيها فأصدرت في تلك الفتوى رقم ٤١٥٥/96 المتضمنة أنها اطلعت على المقال ذي وردت فيه العبارة المسؤول عنها ورأت أن نسبة الفشل في النبي صلى الله عليه وسلم هو من إساءة الأدب ومن الجهل بسنته وسيرته النبوية في الدعوة إلى الله فما كان ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن خلال التسابق غير المحمود بين بعض دعاة الحرية الفكرية المطلقة وبين بعض الكتاب من الإسلاميين تطوع من يدافع عن أقوال الدكتور «البغدادي» مما بعد إصرارًا على وصف ووصم النبي ﷺ بالفشل خلال الفترة المكية وهو أمر لا يملكه إلا الله تبارك وتعالى حسبما أبينه في السطور التالية.

ثم بتاريخ 9/12/ ١٩٩٦م أعلنت الأنباء في صفحتها الأولى عن مقال نشر في اليوم التالي للدكتور «سليمان البدر» -وزير التربية الأسبق- بعنوان: «فشل الرسول تاريخيًا ونجاحه دينيًا»، وبالاطلاع على أقواله تبين أنها كانت أساسًا حول التعليم الجامعي في إيجابياته وسلبياته ثم سئل عن أكبر مشكلة اجتماعية في الكويت فأجاب إنها التكفير والتحجر في الفكر، وإلى هنا لا غريب عليه في رأيه بغض النظر عن وجود ظاهرة التكفير في الكويت من قومه، ولكنه ضرب مثلًا بما نشر للدكتور «البغدادي» عن فشل النبي ﷺ في ثم دافع عن هذه المقولة مؤكدًا أنها حقيقة تاريخية ولا عيب فيها للرسول إنه بشر، وقال صحيح أنه فشل تاريخيًا في مكة ولكن لم يفشل كرسالة الدين الإسلامي باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكان ينبغي أن تطوى هذه الصفحة وأن يوقف الجدل بين الإخوة الفرقاء بحد، أن تجاوز حدود الحوار العلمي ثم امتد بغير قصد إلى النبي ﷺ خصوصًا أن الأخوين الدكتورين «البغدادي» «والبدر» في موقع القدوة من الطلبة، ولا يمكن أن يصر مسلم في الدفاع عن ذلة القلم التي نسبت الفشل إلى النبي ﷺ في الفترة المكية؛ لأن النبي ليس إلا رسولًا من الله، والله هو الذي حدد وجهته في مكة وفي المدينة وفي غيرهما وهو العليم بالتزام الرسول ﷺ بما أرسل وبمدى تجاوزه، ولا يملك أحد غير الله أن يحدد النجاح والفشل في هذه المهمة، ولم يرد في القرآن الكريم نسبة أي فشل إلى النبي في مكة أو غيرها ولم يقل ذلك أحد حتى من غير المسلمين.

ولا يخفى على أي قارئ للقرآن الكريم أن الله -تبارك وتعالى- لم يجامل أي رسول أو نبي، فذكر أي خطأ ولو كان يسيرًا جدًا، فعلى سبيل المثال قال الله عن اجتهاد نبيه يونس -عليه السلام- عندما هجر قومه لرفضهم الإيمان بالله، قال الله تعالى في الآية: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ (الأنبياء: ۸۷).

وفي مكة عندما أعرض النبي ﷺ عن «عبد الله بن أم مكتوم» حيث كان يتحاور من هو أكثر منه تأثيرًا في أهل مكة لعله يسلم فنزل قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ  وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ  أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ  أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ  فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ  وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (عبس: ۱- 7) وعندما اعتذر له بعض الصحابة عن الخروج للجهاد بأعذار قبلها النبي ﷺ نزل قوله تبارك وتعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا .. (التوبة: ٤٣).

هذه أمثلة خاطفة تبين أن الرسول ﷺ مقيد في حركته وسكونه والتعليمات والأوامر التي تصدر إليه من الله تبارك وتعالى، فإذا اجتهد في أمر يعتقد أنه من أمور الدنيا التي تركها الله له ولمن معه، ينزل الوحي ليصحح هذا الاجتهاد إذا كان خاطئًا بالمقياس الإلهي الرباني وهو العليم بخلقه وبالوسائل التي تنتصر بها الرسالة.

لهذا فإن الله تبارك وتعالى هو الذي يحدد الخطأ في اجتهاد الرسل، ومن باب أولى هو الذي يحدد الفشل والذي لا مجال له أصلًا لأن الله هو الذي يحدد مراحل الدعوة ووسائلها ويحدد وقت انتصارها، ولم يترك ذلك للرسل حتى ينسب الفشل جدلًا إلى أحدهم، بل إنه في أخص الخصائص التي تركها الله للبشر مثل الدعاء على الظالمين ورد اعتداء المعتدين قيد الله الرسل في هذه الأمور فلا يتصرفون فيها إلا بوحي من الله، لهذا منع الله النبي ﷺ ومن معه من رد أي اعتداء عليهم في مكة وكان منهجه في ذلك قوله تعالى: «كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة».

ولما عقد النبي ﷺ معاهدة مع المسلمين من أهل المدينة وهم الأنصار والتي عرفت ببيعة العقبة الثانية حيث تعاهدوا بنصرته ومن معه عندما ينتقلون إلى المدينة، أذن النبي صلى الله عليه وسلم برد العدوان حيث نزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج: ٤٠،٣٩)

بل إنه عندما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء على «أبي سفيان» «وعمرو بن العاص» «والحارث بن هشام» نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (آل عمران: 138)، قال «ابن هشام» في السيرة النبوية أي ليس لك في عبادي إلا ما أمرتك به، وقد روى الترمذي عن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ كان يدعو على هؤلاء ولكنهم بعد ذلك تابوا وأسلموا، وليس صحيحًا أن الإسلام لم ينتشر في مكة إلا بعد فتحها بل إنه من خلال السنوات الثلاث الأولى من الرسالة حيث كانت الدعوة سرًا، ذكر «ابن هشام» أنه قد دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام في مكة، ثم أمره ربه بالجهر بالدعوة في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ وقوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين (الحجر: 94)، السيرة النبوية جـ ١ ص ٢٦٢.

فالإسلام كان منتشرًا في مكة، ولكن زعماء قريش وهم القوة والحكام كانوا يعذبون ويضطهدون من يظهر إسلامه، لذلك أخفى المسلمون إسلامهم وكان هذا من أسباب أمر الله لنبيه بقبول صلح الحديبية لأن المسلمين الذين لم يهاجروا سيضارون من الحرب، وفي هذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الفتح: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ﴾.

إنه في غزوة أحد قد ضعفت طائفتان من المسلمين هم بنو سلمة من الخزرج وينو حارثة من الأوس ونسب المسلمون الهزيمة والفشل إليهما فنزل القرآن بما يجب أن يقال في هذا الشأن، قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران:122) فالقرآن، اعتبر هذا الضعف همًا في النفس بالفشل وليس فشلًا ودافع الله عن هاتين الطائفتين بقوله: «والله وليهما»، أما . الرماة الذين خالفوا أوامر النبي ﷺ، ونزلوا من أعلى الجبل جريًا وراء الغنائم فقد نسب الله الفشل إليهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ (آل عمران:152).

وبعد .. لقد أدرك مايكل هنت هذا كله وأصدر عام ۱۹۸۷م كتابه «الخالدون مائة أو العظماء في التاريخ» جعل في مقدمتهم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم لأنه في حياته أكمل مهمته وأشرف على تنفيذ هذه المهمة في جميع أرجاء الجزيرة العربية وغيرها، ونجح نجاحًا باهرًا وملحوظًا.

وختامًا ما أود أن يدركه المسلم الذي يظن أن له نقد النبي ﷺ ووصفه بالفشل في أي مرحلة من مراحل الدعوة، بأن الله تبارك وتعالى قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. (الحجرات: 2)

الرابط المختصر :