العنوان الاقتصاد: المرتكز الجديد للسياسة الخارجية الأمريكية
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 52
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
تحول المرتكزات: من الأمن إلى
الاقتصاد في السياسة الخارجية
· انحسار العامل الأمني كمرتكز أساسي للسياسة الخارجية بعد زوال
الخطر النووي.
· الصراع الآن بين المؤسسات القائمة على المرتكز الأمني أو المرتكز
الاقتصادي داخل أمريكا.
· بروز دور المؤسسات التي تلعب دورًا متعاظمًا في السياسات
الاقتصادية.
· بريجينيف وريجان رمزا فترة المجابهة القائمة على المرتكز الأمني.
· كول وميازوا رمزا الهجوم الاقتصادي والتفوق الصناعي والمالي.
يدور الآن جدل فكري وأكاديمي في أروقة الجامعات والمراكز العلمية
للبحث ومجموعات صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حول الرؤيا المرتقبة
لمرتكز جديد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، في أعقاب الحرب
الباردة، فقد ارتكزت السياسة الخارجية الأمريكية في فترة ما بين الحرب العالمية
الثانية والحرب الباردة على العامل الأمني «Security factor» كمحور تدور عليه حركة السياسية الخارجية للولايات
المتحدة.
وقد تصدر العامل الأمني صدر السياسة الخارجية، بسبب الخلاف
الأيديولوجي وأنظمة الحكم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ثم تطور إلى
خلاف مسنود بالقوة النووية لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية، وبات التهديد
بالحرب النووية بين الغريمين هو المحور الذي تدور حوله العلاقات الدولية، طيلة
الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي.
هذا وبعد زوال الخطر النووي والمعسكر الذي يمثله زال المرتكز الأساسي
الذي عليه استندت سياسة الولايات المتحدة الخارجية، الأمر الذي جعل مؤسسات السياسة
الخارجية الأمريكية الرسمية، ومراكز البحث التي تدور معها، والجامعات التي تشتغل
بالعلاقات الدولية تدخل فترة من التيه، والضياع، وعدم وضوح الرؤية، والسؤال
المطروح الآن هو: ما هو نوع المرتكز الجديد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد
ضعف العامل الأمني؟
الاقتصادي، المرشح الجديد
لقد بدأ الصراع بين العامل الأمني والعامل الاقتصادي كمرتكزات للسياسة
الخارجية يتشكل في السبعينيات، عندما شعرت مجموعة من الأكاديميين أمثال بروفيسور
جوزيف ناي وبروفيسور روبرت كوهين أن سيطرة العامل الأمني وخطر البقاء ما عادت تجسم
الواقع العالمي، إذ بدأت المجموعة الأطلسية «دول الساحل الغربي والشرقي للمحيط
الأطلسي» ودول حافة المحيط الهادي
«the pacific rim» تهتم بالتقدم الاقتصادي، والإنتاجية، والتكنولوجيا المدنية.
وشعر هؤلاء الأساتذة أن البحوث العلمية والكورسات في الجامعات ترتكز
على العامل الأمني في السياسة الخارجية، في الوقت الذي انحسرت فيه المساحات التي
يأخذها العامل الأمني في العمل الدبلوماسي، والمفاوضات بين الدول. قد بدأت
المفاوضات حول الاقتصاد العالمي والتجارة الخارجية وحالة البيئة والهجرة، وتلوث
المحيطات والمناخ تأخذ مساحات واسعة في أطر المفاوضات بين الدول في حين تراجعت
المساحات التي تشغلها المفاوضات حول الحرب، والأسلحة، ورغم ذلك ظلت الكورسات
الدراسية في الجامعات، والبحوث العلمية في مراكز البحث تدور حول العامل الأمني في
العلاقات الدولية.
كما شعر هؤلاء الأساتذة أنه في الوقت الذي تهتم فيه الولايات المتحدة
بالسلاح والجنود والعامل العسكري، وتأخذ على عاتقها الحماية الأمنية للعديد من
بلاد العالم، اهتمت الدول الأخرى التي تتمتع بالحماية الأمنية الأمريكية مثل
اليابان، وأوروبا، ودول مثل تايوان وسنغافورة وكوريا بالتصنيع والاقتصاد، والثورة
التكنولوجية وثورات المعلومات، وبدأ العامل في هذه البلاد يسجل معدلات كبيرة من
الإنتاجية «Labor Productivity»
مقارنة
بالعامل الأمريكي.
ليس ذلك فحسب بل إن الدول المعنية صارت تنافس حتى الصناعات الأمريكية،
فاليابان تتفوق على الولايات المتحدة في صناعة السيارات، والمحولات وشبه المحولات «Semi-Conductors»، كما تفوقت عليها في مجالات أخرى من
التكنولوجيا العليا
«High tech» وقد
أفضى هذا الاتجاه إلى أن تسجل اليابان فائضًا في التجارة الخارجية مع الولايات
المتحدة يصل إلى 50 بليون دولار، ومع أوروبا فائضًا تجاريًا يصل إلى 30 بليون
دولار.
هذه العوامل ساعدت على انحسار الانشغال بالعامل الأمني، والتركيز على
العامل الاقتصادي، وقد جاءت قاصمة الظهر بالنسبة للعامل الأمني في العلاقات
الدولية في انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وإذا عرف أن الاتحاد السوفيتي كان
يعاني من تخلف شديد في الأداء الاقتصادي، بسبب تركيز نسبة متزايدة من الدخل القومي
في تنشيط الجوانب العسكرية، على حساب التقدم الاقتصادي في الجوانب المدنية، الأمر
الذي عجل بانهياره، عرف كيف أن الاهتمام بالعامل الأمني على حساب الاقتصاد، يؤدي
إلى الانهيار الكامل.
جذور العامل الأمني: «The roots of
security factor»
تغوص جذور بروز العامل الأمني في العلاقات الدولية إلى النظرية
الواقعية في العلاقات الدولية
«The realist theory» إذ يذهب فلاسفة هذه النظرية، أمثال ثوكايدايس
وميكافلي وهوبز إلى القول بأن النظام العالمي المبني على الوحدات السياسية
المنفصلة «المدن- الدول»، «الأمة- الدولة» يقوم على السلطة المركزية عالميًا «The An- Anarchical Reality» وعليه فإن كل
دولة تعد نفسها لمواجهة مع دولة أخرى بسبب معضلة الأمن «Security Dilemma».
ثم تلا هؤلاء بروفيسور هانز مورغنثاو عندما أصدر كتاب «السياسة بين
الدول 1948» «Politics
among nations» قال فيه إن الدول تسعى للقوة بكل وسيلة، وعليه فإن محور السياسة
الخارجية هو الصراع حول القوة والثروة، وذلك بسبب تضارب المصالح بين الدول «The conflict of interest» وغني عن القول
أن العلاقات بين الدول تشمل جوانب خلاف وجوانب اتفاق، أي أن العلاقات بين الدول لا
يمكن تصويرها على أنها تدور حول اختلاف المصالح، لأن هناك مصالح مشتركة كذلك كما
هو الحال في كل مجتمع إنساني. ومن هذه النقطة جاء العامل الاقتصادي ليدخل في
المعادلة، ثم يذهب به الذين ينظرون حوله إلى أنه الآن هو العامل الأعلى على غيره
في صياغة العلاقات بين الدول.
جذور العامل الاقتصادي: «The roots of the
economic factor»
أما العامل الاقتصادي في العلاقات الدولية فترجع جذوره إلى نظرية
الميزات المقارنة
«Comparative advantage» في الاقتصاد، والتي تذهب إلى أن الدول تنتهي في
وضع أحسن إذا ما تخصصت كل واحدة منها في تلك السلع التي تنتجها بأقل كلفة مقارنة
بغيرها من الدول، ومن هنا يحصل التبادل الدولي، إذ أن الدولة التي تنتج سلعة ما
بأقل كلفة مقارنة بغيرها، تقوم بتصديرها ثم تستورد السلع التي تريدها والتي لا
يمكن إنتاجها داخليًا أو يمكن إنتاجها بكلفة عالية مقارنة بغيرها، ومن هذه العلاقة
ينشأ مصطلح المصالح المشتركة
«The common interest» الذي ينتج عنه الاعتماد المتبادل «The principle of interdependence» هذا وقد تبنى
هذا الطرح أنصار المدرسة الليبرالية مقابل الطرح العسكري والأمني، الذي طالما
تبناه تلاميذ المدرسة المحافظة في الولايات المتحدة، علمًا بأن الحركة الليبرالية
تسود في أوساط مثقفي الحزب الديمقراطي الذي يحكم الولايات المتحدة الآن، بينما تجد
طروحات المدرسة الواقعية المحافظة مساندة في أوساط مثقفي الحزب الجمهوري.
هذا وقد نشأ من مبدأ المصالح المشتركة «Common interest» توجه عام يقف ضد مبدأ المصالح المتضاربة «The interest of conflict» وصار هناك
نظريتان في العلاقات الدولية هما:
-
النظرية الواقعية ومبدأ تضارب المصالح «The realist theory»: هذه النظرية
تذهب إلى أنه من الأسلم النظر إلى العالم كما هو «The world as it is» وليس كما ينبغي أن يكون «The world as supposed to be» وبإعمال هذا
المبدأ تذهب هذه النظرية إلى أن المصالح الاقتصادية وغيرها مصالح متضاربة بين
الدول، وهذا التضارب يقود المنافسة الحقيقية بين الدول إلى تجميع أكبر قدر من
عناصر القوة والثروة
«The power and wealth» حتى تستطيع الدول تحقيق أهدافها المتمثلة في
الحفاظ على المصالح الوطنية عن طريق استخدام القوة، ذلك لأن القوي دائمًا يتفوق
على الضعيف في كل المسائل الخلافية بسبب إمكانية تحويل القوة «The fungibility of power».
نظرية الاعتماد المتبادل: «The theory of
interdependence»
يذهب تلاميذ هذه النظرية إلى أن العلاقات بين الدول ليست كلها خلافية،
فهناك مجالات العلاقات فيها والمصالح مشتركة مثل التجارة والعلم، والنمو
الاقتصادي، بل إن العالم يعتمد على بعضه البعض، فمثلاً الدول الصناعية تعتمد على
الدول النامية في مجالات المواد الخام، وتعتمد هذه الأخيرة على الأولى في مجالات
الصناعة. وعليه فإن أحسن ما يفسر العلاقات الدولية هو النظريتين معًا، هناك مجالات
تفسرها النظرية الواقعية وهناك مجالات تفسرها نظرية الاعتماد المتبادل.
السياسة الخارجية والعامل الاقتصادي
هذا ويبدو أن لغة الاقتصاد كمرتكز للسياسة الخارجية للولايات المتحدة
قد رجحت على كفة العامل الأمني، إذ أن التوجه الآن يسير نحو بلورة سياسة خارجية
ترتكز على العامل الاقتصادي في العلاقات الدولية مع تخلص تدريجي من سيطرة الفكرة
الأمنية.
وبالتأكيد فإن هذا التوجه يسير بمخاض شديد لأن كيانات ضخمة قد تكونت
منذ الحرب العالمية الثانية على أساس العامل الأمني والعسكري، مؤسسات مثل وزارة
الدفاع والمخابرات مثل: الـ CIA
والـ FBI ومجلس الأمن
القومي NSC كلها تريد أن
تحمي مصالحها وميزانياتها وهي على ذلك سوف تسعى بكل جهد للحد من التخلص منها، وخفض
ميزانياتها، وتسريح عناصرها.
وينضم إلى هذه القافلة من المؤسسات الشركات الضخمة المتخصصة في
الصناعات العسكرية والحربية مثل GM وماكدونالد
دوجلاس المتخصصة في صناعة الطائرات العسكرية، وشركات أخرى متخصصة في صناعة
الصواريخ والسفن العسكرية، والحربية، وصناعات الأسلحة الثقيلة والخفيفة أو ما يسمى
في العرف السياسي بـ
«The military industrial complex». كل هذه المؤسسات سوف تسعى لعرقلة جهود انتصار
العامل الاقتصادي كمحور في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، مستخدمة ما يسمى
بالسياسة البيروقراطية « Bureaucratic»؛ لأن
نتيجة التغيير تكلفها الكثير.
عولمة الاقتصاد والمنظمات الدولية
لقد تغيرت الظروف العالمية منذ السبعينيات في منطقة الأطلسي على
الأقل، وصارت دول هذا الحوض أكثر جنوحًا نحو البناء الاقتصادي، الأمر الذي جعل
العلاقات الاقتصادية والتجارية، في إطار الجات GATT تنامى الأمر الذي ساعد على أن تهتم الدول بخفض
الجمارك بين بعضها البعض، فعقدت جولات من المفاوضات مثل دورة كيندي في الستينيات
ودورة طوكيو في السبعينيات، ودورة أرجواي في التسعينيات القصد منها إزالة الحواجز
الجمركية بينها.
كما أن منظمة دولية مثل: الـ: «IMF» صارت تلعب دورًا متعاظمًا في السياسات الاقتصادية
لمجمل دول العالم، وصارت تملي شروطًا معينة على أي دولة تريد أن تستفيد من إمكانات
صندوق النقد الدولي، الأمر الذي وسع من مساحات التفاوض والعلاقات في مختلف الشئون،
فصندوق النقد الدولي يلعب دوره في تصحيح مسار ميزان المدفوعات للبلاد التي تعاني
من عجوزات مستمرة في الميزان المذكور، سواء عن طريق خفض قيمة العملات، أو إزالة
دعم سلع معينة، أو اتباع سياسات خفض الإنفاق الحكومي، واللجوء إلى تخصيص النشاط
الاقتصادي، بدلًا من تركه في يد الدولة أو ما يسمى بمشروعات القطاع العام، وصارت
الوفود تأتي وتذهب تتحدث عن الهموم الاقتصادية وليست الهموم العسكرية أو الأمنية.
أما البنك الدولي
«IBRD»، فهو مؤسسة أخرى تعني بالنمو الاقتصادي في البلاد النامية وغيرها،
وتقدم تسهيلاتها لمشروعات معينة في بلاد محددة، وقد زاد نشاطها في الآونة الأخيرة
للدرجة التي صار لها مكاتب في كل بلد من بلاد العالم تقريبًا. هذا بالإضافة إلى
الزيادة المضطردة في حجم التبادل التجاري الدولي، والدليل على ذلك أنه في كل بلد
من بلاد العالم يوجد سلع من بلاد أخرى، لقد نشطت أيضًا الشركات متعددة الجنسيات «Multinational Corporations» المتخصصة في
العمل المصرفي مثل:
«City Bank» مثلًا،
وشركات السيارات مثل فورد وجنرال موتوز، وشركات النفط مثل: «شل»، وشيفرون وغيرها،
مما صار يسمى في العلاقات الاقتصادية الدولية بتدويل الإنتاج «Globalization of production».
هل يمكن تعميم العامل الاقتصادي
يذهب بعض المفكرين في العلاقات الاقتصادية الدولية إلى القول بأن
سيطرة العامل الاقتصادي لا يمكن تعميمها على النظام العالمي ككل، ومنطق هذه
المجموعة يذهب إلى القول بأن العامل الاقتصادي يتفوق على العامل الأمني في الدول
الصناعية المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث إن الدولة بشكلها الحديث قد
رسخت، ومؤسساتها اكتملت، والبنيان الاجتماعي نفسه قد تجذر، للدرجة التي صارت معها
سلطة الدولة مركزة، والخوف من الاعتداء عليها أو زوالها تحجم، وقد صارت الشعوب
أكثر انشغالا بالأوضاع الاقتصادية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، وعليه انزوى الهم
الأمني أو الهاجس الأمني.
أما في بلاد العالم النامي «الجنوب» في أفريقيا، وآسيا وأمريكا
اللاتينية وجزء كبير من آسيا فإن «الدولة» ما زالت ضعيفة، تعتريها المشكلات
الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويطولها الفقر والتخلف. فسلطة
«الدولة» لم ترسخ، وكيانها لم يثبت بعد إذا أخذنا في الحسبان قيام هذه الدولة على
النمط الغربي الذي رسم حدودها دون مراعاة لكثير من العوامل الثقافية والإثنية
والجغرافية، وعليه فما زالت «الدولة» تهتم بالعامل الأمني أكثر من العامل
الاقتصادي، فالدولة تريد أولا «أن تبقى حية» «To survive» قبل أن تسعى في الاهتمام بالاقتصاد، والعلم،
والتقدم التقني.
وهكذا يخلص أصحاب هذا الاتجاه إلى أن العالم ينقسم إلى قسمين، العالم
المتقدم الصناعي والذي يسيطر عليه الهم الاقتصادي بعد انتهاء الحرب الباردة،
والعالم المتخلف «أو النامي» الذي يطغى عليه الهم الأمني «The security concern» حتى في أعقاب
الحرب الباردة بسبب الضغوط المتزايدة على «الدولة» وعليه من الصعوبة تعميم مسألة
انتصار العامل الاقتصادي على العامل الأمني.
إن مثل هذه النظرية تشكل تحديًا كبيرًا لقادة الفكر، وصناع القانون،
والتنفيذيين في الولايات المتحدة إذ يلح هنا سؤال فحواه هل تناسب أحادية المرتكز
السياسة الخارجية في عالم ما بعد الحرب الباردة بعد أن ناسبت عالم الحرب الباردة؟
وهل بالضرورة أن تعتمد السياسة الخارجية لأي دولة على مرتكز واحد؟
التحديات الإقليمية ومستقبل النظام العالمي
على كل حال يطغى جانب الترجيح الاقتصادي في أوساط المثقفين الأمريكيين
على العامل الأمني، وهذا الترجيح يجد سنده في فروضات المدرسة الواقعية في العلاقات
الدولية من الناحية الهيكلية فقط. فهذه المدرسة تنظر للنظام السياسي الدولي في
إطار هيكلي، يسود فيه المركز الغربي
«The Euro- American center» إذ أن النظام السياسي في العالم في نظرهم هو
الشمال الذي ينتج 80% من إنتاج العالم، وعليه فإن نظرية احتكار القلة تسود
العلاقات الدولية «Oligopoly
theory explains world politics».
أما الذين ينتجون حوالي 20% من إنتاج العالم، وهو العالم النامي فلا
يعدون لاعبين في النظام العالمي بشكل مؤثر، رغم المساحات الجغرافية الواسعة التي
يسكنونها، ورغم أعدادهم السكانية الغفيرة، إنما هم تابعون لمركز الإنتاج في
الشمال، وهذه النظرة تدعم سياسة العامل الاقتصادي في النظام الدولي الراهن، وهو في
نظرهم نظام العالم كله، لأنه يمثل مركز الثقل ومركز الإنتاج «القوة والثروة» «The center of power and wealth».
أما المشكلات الأمنية التي تحدث في البلاد الأخرى- البلاد التي تنتج
20% فقط من إنتاج العالم، فلن تؤثر على الأمن القومي للنظام العالمي، أي الولايات
المتحدة وغرب أوروبا، فهذه الدول لا تملك من «القوة» أو «الثروة» ما يمكنها من
تهديد الأمن القومي للنظام العالمي. ولكن ورغم ذلك فإن النظام العالمي سوف يتعامل
مع المشكلات الإقليمية أو بؤر الصراع في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وذلك بقدر
مساهمة هذه المشكلات في تهديد المصالح الأمريكية الحيوية في هذه المناطق من
العالم، وعلى رأس هذه التهديدات الإقليمية تهديد ما يسمى بالتطرق لمصالح الولايات
المتحدة وحلفائها الغربيين في الشرق الأوسط، وقد تبلور ذلك في حرب الخليج الثانية
عند غزو العراق للكويت، كما أن الولايات المتحدة سوف تستخدم، سياسة «الجزرة
والعصا» في التبشير ببعض القيم التي تقوم برعايتها مثل: احترام حقوق الإنسان،
واتباع النهج الديمقراطي في الحكم، بالإضافة إلى التبشير باقتصاديات السوق الحر.
وهكذا يبدو أن عصر الاقتصاد في العلاقات الدولية قد بدأ يأخذ مكان
الاهتمام بالأمن في العلاقات الدولية، إذا ما نظرنا للعلاقات الدولية كمفهوم مركزه
المجتمع الأطلسي.
انظر أيضا
من الذي يصنع القرار في الخارجية الأمريكية؟