العنوان تحليل سياسي: التسوية السياسية القائمة
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1016
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
التسوية الفلسطينية
الراهنة: أين موقعها من سياق النضال؟
في زحمة وكثافة وسيولة الأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية في
السنين القليلة الماضية، تتفجَّر تساؤلات جوهرية تأخذ طريقها في محاولة لالتقاط
الأنفاس وللوصول إلى رؤية واضحة.
أين يمكن إدراج التسوية السياسية الراهنة في سياق تطوُّر تاريخ
القضية الفلسطينية الحديث والمعاصر؟
1. هل نستطيع إدراجها ضمن قائمة النضال الوطني الفلسطيني كثورات
العشرينيات والثلاثينيات، أو كالثورة المسلحة في عام 1965؟
2. وهل يمكن اعتبار فرسان التسوية السياسية الراهنة امتدادًا لصف الشيخ عز
الدين القسام، والشيخ الشهيد فرحان السعدي، وعبد الرحيم الحاج،
والحاج أمين الحسيني؟
3. أم نستطيع إدراج التسوية ضمن مسلسل الالتفاف والتآمر الذي حاق
بالقضية الفلسطينية منذ أيام الانتداب الأولى وتداعيات حرب الخليج
الأخيرة؟
وإذا كانت هناك أيام كيوم الأرض، ويوم السجين، ويوم الشهيد، ويوم التضامن مع
الشعب الفلسطيني... إلخ، ففي أي أيامنا يكون يوم مدريد؟ وإذا كان 1/1/1965
هو يوم إعلان انطلاق الرصاصة الأولى، فأي يوم هو يوم رفع غصن الزيتون؟
من الرصاصة إلى غصن
الزيتون: صراع القيم
لقد كان الإدراك طافحًا في سماء عيلبون بأن الرصاصات انطلقت لتبحث عن
وطن، وأن ثمن ذلك سيكون دموعًا ودمًا ونارًا ورمادًا. وقد وصل الوعي آنذاك درجة
اعتُبر معها الميثاق الوطني الفلسطيني مسألة «الكفاح المسلح» الطريق
الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك يُغلِق الباب على كل الطرق الأخرى، ولا يرى طريقًا
غير النضال والكفاح. وكم هم الذين قُتِلوا لمجرد مناداتهم بالتسوية السياسية
آنذاك، واعتُبِروا خائنين وخارجين عن الصف الوطني! فهل كان قتلهم جريمة؟
وهل هم أبرياء بمقاييس التسوية الجُدُد؟
إنه من الجهل بمكان الاعتقاد بأن الذهاب إلى مدريد كان قسرًا، وأن
سلوك التسوية السياسية كان نتيجة معركة الخليج الأخيرة وتداعيات سقوط
الاتحاد السوفيتي. فقد تم تطويع الرصاصات الأولى منذ تلك البدايات.
والتسوية هنا نهج وليست ضرورة مرحلية. وكل المُطَّلِعين على بواطن الأمور
يعلمون السرداب والنفق الذي أُرغِمت على دخوله منظمة التحرير الفلسطينية
عربيًا ودوليًا، والذي حتمًا سيؤدي إلى مدريد (والعملية لم تكتمل بعد). وقد تنبأ
المُحَلِّلون بذلك منذ السبعينيات (وما هم بأنبياء إنما يمارسون تحليلهم ضمن
المعطيات الملموسة).
أما أصحاب التسوية الجُدُد فمُحاجَّاتهم تعتمد على البراغماتية
والمنطق والفلسفة المُغَلَّفة بـ الوطنية وبالحرص على إنقاذ ما يمكن
إنقاذه من الاستيطان المسعور! وهم بهذا يرون أنفسهم من الذين يحسبون أنهم
يُحسِنون صُنعًا، ويرون أنفسهم أبطال مرحلة وفلاسفة تحرير. وهنا تصطدم
القيم والمعايير ما بين الخيانة والشرف وما بين الحق والباطل والخطأ
والصواب، ويعيش البعض حالات غَثَيان أو فقدان وعي أو تناقض صارخ. (مؤتمر مدريد للسلام).
المسارات النفسية لتشكيل
العقلية التسووية
وعلى أي حال، فهناك سيل من الحجج التي يُوردها التسوويون لتدعيم
موقفهم، وتحتاج كل حجة لرد طويل (فتلك الحجج تراكمت حتى أخذت طريقها). ولكن أشير
هنا إلى كيفية تشكيل المنهج التسووي، وبالتالي أصحابه ذوي العقلية التي
استباحت مُحَرَّمات الأمس، هذه العقلية التي جَرَت لها عملية جراحية في الوعي
والإدراك لتُحيلها من وضع إلى وضع. فما هي المسارات التي سَلَكَتْها تلك العقلية
حتى غَدَت على ما هي عليه اليوم؟
أ. مرحلة الانتقال من الثورية إلى الواقعية:
لقد وصل الفلسطيني في أواخر الستينيات إلى «حالة» ناضجة من التثوير،
وشكَّلت الثورة آنذاك أملًا في سماء العالم العربي. إلا أن هذه «الحالة» لم تَدُمْ
طويلًا؛ إذ تضافرت عوامل موضوعية لتَهشيم تلك الحالة وإحاطتها بتراكمات من العوامل
الداخلية والخارجية لكي تَتَروَّض لتنتقل إلى:
ب. «الحالة» الواقعية:
وهي أن يعيش المرء «حالة» من الاستغراق والانغماس في الواقع لدرجة
ينسى معها قِيَم الثورة، لا بل يَتَنكَّر لها لأنها أَوْرَدَتْه المهالك! وتغدو
الثورة كخيال بعيد أو كحُلم مستحيل التحقق! وعندما يصل للقناعات الواقعية أو التي
يُمليها الواقع، يصبح الاستغراق في التفاصيل والجزئيات الواقعية
ومُعالَجَتها هو الأمر المسيطر. وهذه «الحالة» تقود إلى:
ج. «حالة» العجز:
وهو الشعور بالعُقم والشعور بالاستسلام للأمر الواقع، والوصول إلى الانهيار
الشامل بحيث إن السيقان لا تَصمُد على حَمل هامة المرء.
تنازل وارتهان: ضريبة
الذل وخسارة القوة
إن هذا المسار في البحث عن الوطن لم يثبت أنه جَادَ بضمان واحد إيجابي.
فالشعب الفلسطيني كأكثر من أي وقت مضى مُشَرَّد ومُحطَّم القُوى، ومُثخَن بالجراح.
وهو على وضعه هذا في أفضل الخيارات لتمرير الحلول صهيونيًا وغربيًا.
ولا أرى في عكس عملية إحياء الصورة للروح، كأن يتحول العاجز لحالة
الواقعية، ومِن الواقعية المُفرِطة إلى الواقعية الثورية، ومِن هذه الثورية إلى
الثورة بما تعنيه من تحوُّل وانقلاب على الأمر الواقع. وذلك لأن القطار سَبَق،
ولا يستطيع أن يخرج عن تاريخه مَن دَخَل النفق السابق. فالقوي الذي سَلَك سُلَّم
العجز لا يملك أن يقوم قويًا؛ لأنه خَسِر كل مُبَرِّرات القوة ودَفَع ضريبة
الذل. دفع ماء وجهه على طاولة المفاوضات وامتهن قِيَمَه، فأصبحت المُحرَّمات
الوطنية مطالب وطنية. والذي يرضى بالتنازل عن ثوريته ابتداءً يرضى بالتنازل عن
كل شيء انتهاءً. والمشكلة أن درجة العجز التي وصلت عند قومنا هي من النوع
الخطير، فقد صَدَقَ البعض فعلًا أنه لا يَقوى على شيء، ولم يعتقد أنها لحظة
ضعف وتَمُرّ، وتعامل وكأنه مَفطور على العجز، وأن العجز فيه مُستَدام. ولكنه لم
يعلم أن دوام الحال من المُحال.
إن ما يجري الآن على ساحة التسوية السياسية ليس بحثًا عن وطن، إنما
هو تنازل وارتهان وبيع للوطن.