; قطوف تربوية حول قصة ذي النون - عليه السلام (۱) من (۲).. تحمل تكاليف الدعوة والصبر على الأذى | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة ذي النون - عليه السلام (۱) من (۲).. تحمل تكاليف الدعوة والصبر على الأذى

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

مشاهدات 45

نشر في العدد 1126

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

  • على الدعاة تحمل المشاق في سيل الدعوة لأنهم يحملون قضية سامية والبديل عنها أسوأ وأخطر.

وهي قصة يونس بن متى عليه السلام الذي (سمي ذا النون - أي صاحب الحوت) لأن الحوت التقمه ثم نبذه وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه فضاق بهم صدرا، وغادرهم مغاضباً، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظانا أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة، والقرى كثيرة والأقوام متعددون ومادام هؤلاء يستعصون على الدعوة، فسيوجهه الله إلى قوم آخرين. وقاده غضبه الجامح، إلى شاطئ البحر، فوجد سفينة مشحونة فركب فيها، حتى إذا كانت في اللجة ثقلت وقال ربانها: إنه لا بد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق، فساهموا فجاء السهم على يونس، فألقوه أو ألقي هو بنفسه، فالتقمه الحوت مضيقا عليه أشد الضيق فلما كان في الظلمات ظلمة جوف الحوت، وظلمة البحر وظلمة الليل نادى ﴿ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  (الأنبياء: 87). فاستجاب الله دعاءه ونجاه من الغم الذي هو فيه. ولفظه الحوت على الساحل ([1]) وهي قصة معدودة الآيات، ولكنها تقدم نموذجاً رائعاً ورفيعاً لدور القصص، في التوجيه التربوي والتغيير الحضاري فإلى بعض القطوف والملامح التربوية التي لأصحاب الدعوات أن يتأملوها:

● ادخلوا عليهم الباب:

1- سيظل المخلصون يراوحون في خنادق الدفاع وستظل مقاعد المتفرجين محجوزة للغيورين! وستظل آليات التوجيه ودفة التغيير حكرا على نخبة التغريب، وأساطين العلمنة وسيستمر عرض مسلسل البضاعات المزجاة في أسواق المبادئ... وذلك حتى تأتي المبادرة الذاتية لطلائع التغيير، ثم يتبعها تحرك التابعين العاملين. وتدبر ما حدث مع بني إسرائيل حينما أصابهم التردد والتقاعس، فكان عاقبتهم هو التيه والشتات والضياع، وذلك عندما رفضوا مبادرة الرجلين اللذين تميزا بالخوف منه سبحانه، فأنعم عليهما، وصاحا بالمترددين المتقاصين:

 ﴿ٱدخُلُواْ عَلَيهِمُ ٱلبَابَ فَإِذَا دَخَلتُمُوهُ فَإِنَّكُم غَٰلِبُون ([2])  وهي قاعدة عامة إنها قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب أقدموا واقتحموا فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم) ([3]). وقصة ذي النون، تقدم نموذجاً رفيعاً للأدب القصصي الهادف وتذكر العاملين بأن لا يهملوا ميدان الأدب عامة، والقصة خاصة، وهو میدان لم يقدم الطليعة التي خافت ربها، فأنعم عليها بالفهم، ومنهم ابن حنبل - رحمه الله الذي نادى: (ما أحوج الناس إلى قاص (صدوق) ([4]) . والبنا - رحمه الله - عندما تساءل: لا أدرى لماذا أهمل التأليف الروائي، وكان يمكن أن يكون سبباً في إنشاء أجيال واعية ؟!([5]). وشهيد اليمن القاضي الشاعر محمد محمود الزبيري وهو يعمق دور الأدب كنت أحس إحساسا أسطوريا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان) ([6])ولكن يبقى دور التابعين الواعين الذين سيقع عليهم واجب التفاعل مع مبادرة الطليعة الربانية الواعية فيبادرون بدخول الباب ليحملوا مشاعل التغيير، وليمتلكوا آليات التوجيه وإلا فستظل أمتنا تراوح بين التيه الإعلامي والشتات الفكري والضياع الثقافي.

● صبرًا .. لا تدع ثغرك:

2- ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقدِرَ عَلَيهِ  ([7]) لقد غضب يونس - عليه السلام . وضاق صدره بالقوم، فغادرهم، ظانا أن الله لن يضيق عليه الأرض، فالميادين متنوعة والبدائل كثيرة، فكانت مهنته العصيبة، وكربه العظيم.وفي هذا درس للدعاة أن يتحملوا تكاليف الدعوة وأن يصبروا على الأذى، وأن يكرروا ويعيدوا وينوعوا في الأساليب، لأنها معركة مع الشيطان ومجال تنافس على قلوب العباد والصبر هو أصعب مرتبة في سلسلة الفلاح والنجاة في مجاهدة النفس التي هي أربع مراتب من استكملها صار عبدا ربانيا عظيما. وذلك لأن الجهاد أربع مراتب جهاد النفس وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين فجهاد النفس أربع مراتب أيضا.

الأولى: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات.

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذي الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات ([8]) والأصل هو الدعوة وليس شخص الداعية فليضق صدره، ولكن ليكظم ويمض، وخير له أن يصبر، وليعمل تاركا النتائج والهدى عليه سبحانه.

●  الدعوة.. حياة.. ونور

3- ﴿إِذ أَبَقَ إِلَى ٱلفُلكِ ٱلمَشحُونِ ([9]) لقد هرب يونس - عليه السلام- من الميدان بعد ضيقه بقومه وأثر البحث عن ميدان آخر، فكان العقاب الإلهي بمحنة من جنس عمله، فابتلي بضيق آخر مضاعف وظلمات ثلاثفتأمل كيف أن هذه الحياة دار ابتلاء وإواء ونصب، ولكل نفس حظها من ذلك الألم، فإن لم تتحمله في سبيل قضية سامية، وجهاد ودعوة لدينه سبحانه وصبر عليها، فالبديل أصعب وأضيق، والأخطر من هذا هو في المصير، في عاقبة وجزاء الطريقين: 

﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبتِغَآءِ ٱلقَوم إِن تَكُونُواْ تَألَمُونَ فَإِنَّهُم يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُون وَتَرجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرجُون([10]). وتأمل أيضا أن طريق الدعوة لهذه العقيدة حياة ونور مضاعف، فمن تخلى عما وكل إليه من ثغور الدعوة، فما هو إلا اختيار عن طواعية للبديل وهو ظلمات مركبة وموت ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيتا فَأَحيَينَٰهُ وَجَعَلنَا لَهُۥ نُورا يَمشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيسَ بِخَارِجٖ مِّنهَا  ([11]) إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات يجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق هذا الدين، ومنهجه في العمل والحركة. إنه مشهد رائع باهر مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه، ويجد الإنسان في قلبه النور، فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس وحقائق الأحداث التي تجرى في هذا الكون التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر ومشهد المشيئة الإلهية من وراء السنة الجارية، ويجد الإنسان في قلبه النور، فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث ويجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه ويجد الراحة في باله وحاله وماله. ([12]) ولو تأملت لوجدت كم هم كثر الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ففضلوا الموت على الحياة، واختاروا الظلمات على النور عن طواعية فماتت قلوبهم، وفقدوا النور، ولا مخرج إلا بتجديد العهد على العمل ويسبق ذلك كله ابتهال الله سبحانه، بدعوة المكروب ﴿أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ للظَّلِمِينَ وإلا فهي المراوحة مع من ظلم نفسه وظلم دعوته وظلم المدعوين.

● احذر.. السامريون:

4- ﴿ فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعنَٰهُم إِلَىٰ حِينٖ([13]) في موقف القوم بعد رحيل يونس - عليه السلام- مغضبًا أبقًا وقد شعروا بأن بوادر ما أنذروا به من غضبه وعقابه سبحانه وتعالى عليهم قد ظهرت في الأفق، فخافوا، وأمنوا آجمعين واستغفروا، وطلبوا العفو من الله فسمع لهم ولم ينزل بهم عذاب المكتبين وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون.وكان هذا اللطف منه سبحانه بعبده المؤمن يونس - عليه السلام - الذي زكاه صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: لا ينبغى لعبد أن يقول: «أنا خير من يونس بن متى» ([14]) وما ينبغي لنبي أن يقول: «أنا خير من يونس بن متی»([15]) فلم يعبث بتركته المبطلون، وغواية الشياطين، كما حدث مع موسى - عليه السلام - عندما صعد الجبل وترك قومه في أسفله، وترك عليهم هارون عليه السلام - نائباً عنه، وغلبه الشوق الملاقاة ريه، فتعجل اللقاء، ولم يشفع له حسن النية في الخلوة بريه فأوقفه الله عز وجل، موقف الحساب والمؤاخذة، لأن شعبا باسره ضل بغيابه عنهم دوما 

﴿ وَمَآأَعجَلَكَ عَن قَومِكَ يَٰمُوسَىٰ  قَالَ هُم أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرضَىٰ  قَالَ فَإِنَّا قَد فَتَنَّا قَومَكَ مِنۢ بَعدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَومِهِۦ غَضبَٰنَ أَسِفا  ([16]) ([17]) فإذا كان الأنبياء عليهم السلام. قد حفظوا بالعصمة، وكان المجال الوحيد لتلاعب المبطلين، والغواية السامريين هو نفوس تابعيهم فإن الداعية - وهو الوارث لمنهج النبوة، وهو المحروم من تلك العصمة - فإن عليه أن يحذر أرتال السامريين المتربصين بنفسه، وبأهله وبالمدعوين، إذا انشغل أو غاب عنهم ولن تشفع له نيته الحسنة، ولا سمو مهمته.

● رصيد.. لا يضيع:

5- ﴿إِذ أَبَقَ إِلَى ٱلفُلكِ ٱلمَشحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلمُدحَضِينَ فَٱلتَقَمَهُ ٱلحُوتُ وَهُوَ مُلِيم ([18]) عندما قاد الغضب يونس - عليه السلام - إلى شاطئ البحر حيث ركب سفينة مشحونة. وفي وسط البحر ناوأتها الرياح والأمواج، وكان هذا إيذانا بأن من بين الركاب راكبا مغضوبا عليه. وأنه لابد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق فاقترعوا على من يلقونه من السفينة. فخرج سهم يونس - عليه السلام - مرة بعد مرة وهم يترددون في إلقائه وكان معروفاً عندهم بالصلاح فالقي هو بنفسه، فالتقمه الحوت وهو عليم أي مستحق الموم.فتأمل كيف أن سلوك يونس - عليه السلام - الطيب، ومعاملته الحسنة، قد أثرت في الركاب فضنوا به على البحر، رغم الخطر الماحق بهم جميعاً، لولا أنه أنقذ الموقف بمبادرته بإلقاء نفسه، وهو نفس السبب الذي جعل ابنة الرجل الصالح (شعيب تزكى موسى - عليه السلام - لوالدها، لما رأت سلوكه، وكانت بداية خروجه من ضيقه وخوفه. ﴿قَالَت إِحدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱستَئجِره إِنَّ خَيرَ مَنِ ٱستَئجَرتَ ٱلقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ([19]) وكذلك ما حدا بالسجينين، عندما انسا إلى يوسف - عليه السلام - وطلبا إليه تعبير رؤياها، لما توسما فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك وهو يعاني فتنة الضراء في السجن. وكان اعترافهما ( إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلمُحسِنِينَ ٣٦ ([20]) وفي سيرته صلى الله عليه وسلم عندما قفل حزينا من الطائف، وفي طريقه أتى إليه (عداس) بقطف. من العنب فلما أبتدأ صلي الله عليه وسلم بأكل قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال (عداس) هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال صلى الله عليه وسلم من أي البلاد انت؟ وما دينك؟ فقال: نصراني من (نینوی) فقال صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال: وما علمك بيونس فقرأ له من القرآن وما فيه من قصة يونس، فلما سمع ذلك (عداس) اسلم ([21]) فتأمل كيف أن السلوك الطيب يفتح أبواب الخير، ويظهر ذلك جليا أثناء المحن.والداعية عليه أن يعلم جيدا أن له رصيداً عند الناس أرضيته السلوك الحسن، والذكر الطيب في القلوب وإن لم تعترف به الألسنة، وله وقت سيجازى به فإن لم يكن في الدنيا فسينفعه ﴿يَومَ لَا يَنفَعُ مَال وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن أَتَى ٱللَّهَ بِقَلبٖ سَلِيمٖ ([22]).

([1]) فى ظلال القرآن الكريم: سید قطب 17/2393]

([2])[المائدة : ٢٣)

([3]) في ظلال القرآن: سید قطب (6/870]

([4]) تلبيس إبليس: ابن الجوزي 120

([5]) كيف تتعامل مع القرآن الغزالي 60

([6]) ديوان ثورة الشعر الزبيري ۱۰ نقلا عن الشعراء الدعوة الإسلامية الجدع وجرار (1/23]

([7]) [الأنبياء: ۸۷]

([8])زاد المعاد: ابن القيم 3/9-۱۰ بتصرف

([9])[الصافات (١٤٠]

([10])[النساء: ١٠٤]

([11]) [الأنعام: ۱۲۲]

([12]) (في ظلال القرآن: سيد قطب 8/1200 - ۱۲۰۱بتصرف

([13]) [الصافات: ۱4۸]

([14])(صحيح الجامع: الألباني (٤٣٣٦]

([15])(صحيح الجامع: الألباني (5۸۲۱

([16])طه: 83-86)

([17])تذكرة الدعاة البهي الخولي (٢٦٦)

([18])(الصافات: ١٤٠ - ١٤٢]

([19])[القصص: (3٦]

([20])[يوسف: (٣٦)

([21])نور اليقين الخضيري (٦٤]

([22])[الشعراء: ۸۸ و ۸۹]

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 273

69

الثلاثاء 04-نوفمبر-1975

غاية العبادة

نشر في العدد 521

51

الثلاثاء 24-مارس-1981

همسة ولمسة