; تخوفات من فتنة جديدة.. مساجد اليمن بين التأميم والحرية | مجلة المجتمع

العنوان تخوفات من فتنة جديدة.. مساجد اليمن بين التأميم والحرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1314

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 25-أغسطس-1998

اليمن

شهد اليمن خلال الشهرين الماضيين، سلسلة من أعمال العنف، عكس بعضها ملامح سياسية جديدة، في إطار خطة تحجيم التيار الإسلامي النشيط.

وفي خلال أيام متقاربة، أعلن عن قتل ثلاث راهبات يعملن في مشروع طبي، كما أعلن عن مقتل الشيخ محمد صلاح إمام مسجد الحسيني في العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى حادثة مسجد «عثرب» التي جذبت الاهتمام الأكبر، باعتبار أن أطراف المشكلة كانوا ذوي هويات سياسية واضحة، انعكست في الصحافة المحلية، لتعلن حقيقة ما يدور وراء الكواليس.

في أعقاب هذه الحوادث الثلاث، لاحظ المراقبون أن ثمة حملة إعلامية مركزة يتبناها الإعلام الرسمي، والصحافة المؤيدة له، تسعى إلى تحميل الإسلامين- وبخاصة التجمع اليمني للإصلاح- مسؤولية حوادث العنف هذه، ذات الصبغة الدينية.

ويبدو من خلال استقراء أولى للحملة الصحفية الرسمية أن الحزب الحاكم يفكر في فتح ملف «المساجد»، وانتهز فرصة الحوادث المذكورة، لتمهيد الأرضية المناسبة لفرض نوع من الرقابة والهيمنة على المساجد التي تظل بعيدة في مجموعها عن سيطرة الدولة، وتسمح للإسلاميين بمخاطبة جمهور كبير من المواطنين في أجواء من الحرية النادرة، كما أن المساجد تظل أهم المنابر التي يمارس فيها عموم الإسلاميين عددًا كبيرًا من الأنشطة الخيرية والتربوية والتعليمية، التي حققت لهم شعبية واضحة تخشى بعض الدوائر من الاستفادة منها في أي انتخابات قادمة، ولا سيما مع ازدياد التأزم الاقتصادي الذي يعاني منه المواطنون.

فيما تخشى السلطات أن تكسر انتقادات خطباء المساجد لسياستها، جواجز الإعلام الرسمي حول الرأي العام.. وفي المقابل، فإن المواطنين يجدون في هذه الانتقادات مصداقًا لمشارعهم، مما يعني التحامًا كبيرًا بينهم وبين الإسلاميين.

والحقيقة أن ملف «المساجد» ظل يؤرق السلطة لفترة طويلة، لكن الأوضاع السياسية لم تكن تسمح بالاقتراب منه بصورة جدية باستثناء بعض الإشارات العامة عن حرمة المساجد، وضرورة إبعادها عن الصراع السياسي والذهبي، لكن التطورات التي أعقبت انتخابات أبريل 1997م، سمحت- فيما يبدو- بحسم قرار الإقدام على معالجة هذا الأمر الذي يشكل مصدرًا قويًّا لممارسة نوع من المعارضة الشعبية ضد الحكومة، بصورة لا يمكن الاستهانة بها نتيجة انتشار المساجد والحرية المطلقة التي ما يزال اليمنيون يتمتعون بها في إلقاء المواعظ والخطب والمحاضرات والدروس.

أما التطورات التي أعقبت انتخابات أبريل 1997م فيمكن القول: إن جناحًا ذا نفوذ داخل حزب المؤتمر الحاكم يدفع بقوة إلى ممارسة سياسة تحجيمية ضد الإسلاميين المنتمين للتجمع اليمني للإصلاح، بهدف إقصائهم تدريجيًّا من أي مسؤولية إدارية يتولونها داخل أجهزة الدولة، ووصلت بعد هذه الإجراءات إلى مستوى مدراء المدارس العامة في بعض المناطق.

وبالإضافة إلى سياسة تحجيم الإصلاحيين في أجهزة الدولة، يبقى ملف المساجد هو الأكثر أهمية بالنسبة لهذه السياسية.. فمهما نجحت عملية التحجيم الإداري، فإن الاتصال بالجماهير الذي توفره المساجد يشكل تعويضًا لا يمكن التقليل من أهميته.

ولعل أصحاب سياسة التحجيم وجدوا فرصتهم السانحة أثناء أحداث العنف والشغب التي صاحبت قرارات رفع الأسعار في شهر يونيو الماضي، وهي الأحداث التي كانت عفوية في مجملها.. لكنهم قدموا خطبة جمعة للشيخ عبد المجيد الزنداني، كدليل على تورط الإسلاميين في إثارة الأحداث واستفادتهم من المساجد لبث أفكارهم ومواقفهم السياسية.

ومع أن محاولة اتهام الشيخ الزنداني وترديد أنباء عن تقديمه للقضاء، فقدت أهميتها وجديتها مع اتضاح حقيقة أن الأحداث بدأت قبل صلاة الجمعة التالية لقرارات رفع الأسعار، إلا أن موضوع «المساجد» بدأ يأخذ مداه الإعلامي، ونشرت الصحف الرسمية عددًا من المقالات والاستطلاعات ركزت كلها على ما وصفته بأنه خطر على الوحدة الوطنية، يأتي من المساجد غير المنضبطة بسبب سيطرة اتجاه سياسي واحد عليها.

على الخط نفسه، شارك الاتجاه المذهبي المتمثل في حزب «الحق» المتحالف حاليًّا مع المؤتمر الشعبي في الحكومة، وهو حزب صغير يركز جهوده على المناطق المعروفة تاريخيًّا بانتشار المذهب «الهادوي» المنتسب إلى المذهب الزيدي، هذا الحزب انتقل فجأة من صفوف المعارضة المتطرفة، إلى المشاركة في الحكومة التي تشكلت في أعقاب الانتخابات، وخروج الإصلاح إلى المعارضة.. ويمثل الحزب في الحكومة أمينه العام القاضي أحمد الشامي.. وهو شديد الخصومة للإصلاح، ومشهور بتعصبه.. كما أنه كان أحد الحلفاء الأساسيين للحزب الاشتراكي طوال سنوات ما بعد الوحدة، حتى قيام الحرب الأهلية صيف 1994م، وطوال تلك السنوات، ظل الاشتراكيون والعلمانيون- عامة- يصفون هذا التيار بأنه يمثل الإسلام المستنير(!)، في مقابل الحركة الإسلامية الإصلاحية، فيما ظل الحزب حتى الانتخابات الأخيرة في تحالف مع الاشتراكين والناصريين والبعثيين العراقيين، وما يزال التعاون مستمرًا بينهم، رغم تولي أمينه العام وزارة الأوقاف والإرشاد في الحكومتين اللتين شكلهما المؤتمر الشعبي خلال السنة الأخيرة، واعتبر حينها تولي القاضي الشامي وزارة الأوقاف إحدى مفاجآت ما بعد الانتخابات.. لكن الدلالة كانت واضحة للجميع.. تصفية الحسابات مع «الإصلاح» في موضوع «المساجد»، وقد حرصت الحكومتان الأخيرتان على تضمين برنامجيهما فقرة حول المساجد، وضرورة تحييدها، وهي «الإكليشه» التي يقصد بها منع سيطرة الإسلاميين، ومنع انتقاد سياسات الحكومة.

أغراض مذهبية:

وقد شارك حزب «الحق» في حملة الحكومة للسيطرة على المساجد بشعارات خاصة به، تحقق أهدافه، فبينما الحكومة تسعى لمنع المساجد من انتقاد سياساتها.. فإن حزب «الحق» يسعى للسيطرة على المساجد في المناطق التي يعدها ضمن دائرة نفوذه والتي نجح الإصلاحيون في دخولها طوال العقود الأربعة الماضية، وأنشأوا فيها قواعد واسعة غير خاضعة لنفوذ مرجعيات حزب الحق، الأمر الذي يشكل أحد أسباب النفور بينهم وبين الإصلاحيين المتهمين بأنهم «وهابيون»! واعتبروهم لذلك أعداءهم الأساسيين، ويشنون عليهم حملات شديدة لتخويف المواطنين منهم.

تولى الجانبان: الحكومي والمذهبي حملة التشنيع على خطباء المساجد، باعتبار أنهم يهددون الأمن والاستقرار، ويقحمون المساجد في الصراع السياسي.. فيما يركز التيار المذهبي في حملته على مزاعم أن المساجد واقعة تحت سيطرة اتجاه واحد يثير الفتن المذهبية ويفرض إرادته بقوة السلاح!.. وفي المقابل بدأت السلطة منذ شهور- بالاستعانة بوزارة الأوقاف- في عملية إحلال أنصارها في بعض المساجد بدلًا من الخطباء والأئمة المعتمدين، غير الموالين لها.. فيما يبدو أنه محاولة لجس النبض والتدرج في عملية السيطرة.

الأسلوب الثاني الذي تمارسه هذه الجهات يتمثل في إثارة المشاكل في بعض المساجد عن طريق أنصار حزب «الحق» الذين يتلقون دروسًا مكثفة في مركز شهير لهم في صنعاء للتفقه على أصول المذهب، وهذا الأسلوب تم تطبيقه في حادثة مسجد «عثرب» الذي تولى الإصلاحيون تجديده، وبناءه من جديد، وجمعوا تبرعات قدرها عشرون مليون ريال يمني، لهذا الغرض، فلما تم المشروع، حوض بعض الجهات حفيد باني المسجد القديم لإلغاء الاتفاق الذي عقده مع مشرفي المشروع الجديد، ودفعوه لتعيين إدارة للمسجد من أنصار حزب الحق، مما أدى إلى تفجر مشكلة تحولت إلى صدامات مسلحة.. كانت وقودًا للحملة ضد خطباء المساجد، وترديد الدعوة إلى ضرورة سيطرة الدولة وإشرافها على المساجد.

التأثير ما زال محدودًا.. ولكنه ممتد:

وعلى الرغم من أنه لا يمكن القول إن الأمر قد تحول إلى أزمة خطيرة في المجتمع اليمني، إلا إن الأرضية الأولى لذلك قد تم تمهيدها، وتبقى عملية إعارتها على نطاق واسع، مسألة حسابات مختلفة، فالسلطة لديها تخوفات معينة، بينما الجانب المذهبي يدفع بقوة لإشعال الموقف، لأنه يستفيد من توتر الأوضاع، باعتبار صبغته الدينية التي تؤهله للحلول محل الخطباء والأئمة، بينما الحزب الحاكم لا يمتلك كوادر كثيرة في هذا المجال، وبالطبع، يستند الاتجاه المتزعم للحملة الهادفة إلى بسط سيطرة الحكومة على المساجد إلى قوة الدولة وإمكاناتها الضخمة، لكن نقطة الضعف الخطيرة في موقفه أن البديل الذي تقدمه الحكومة يظل محدود الشعبية لسببين اثنين.

- السبب الأول: أن البدائل الرسمية يتم فرضها على جماهير المصلين بقرارات إدارية وضد رغبة المواطنين.. مما يكسبها صفة التابعية للحكومة وسياساتها.

- السبب الآخر: أن البدائل المقدمة من أنصار التيار المذهبي لا تحظى بشعبية، بسبب تعصبهم المذهبي الضيق، وارتباطهم في أذهان العامة ببعض الممارسات التاريخية المكروهة.

لا يمكن- قطعًا- التقليل من خطورة محاولات إثارة أزمة جديدة ذات طابع ديني في المجتمع اليمني.. فلا شك في أن نتائج مثل هذا الصراع لن تكون سهلة على الإطلاق، ولا سيما إن اتخذت طابعًا مذهبيًّا يمكن أن يثير حساسيات تاريخية، كما أن الطرف الآخر المستهدف من الحملة يمثل ثقلًا سياسيًّا وشعبيًّا قويًّا في المجتمع اليمني.. ولا سيما في المناطق القبلية حيث ينتشر السلاح بكل أنواعه وبكثافة غير معتادة، ولذلك فإن كثيرًا ما يزالون يستبعدون إقدام السلطة- على الأقل في هذه المرحلة- على تفجير أزمة مواجهة مع خطباء المساجد.. لكن ربما تستمر الحملة الإعلامية بعض الوقت مع محاولات متفرقة لتنفيذ فكرة السيطرة بالتدريج.

وفي كل الأحوال، فإن مثل هذه الممارسات لا تخدم بالتأكيد بلدًا كاليمن ما يزال يعاني من آثار الصراعات السياسية طوال العقود الأربعة الماضية، وما يزال هناك أكثر من بارقة أمل في أن ينجح العقلاء في وضع النقاط على الحروف لتستبين حقائق اللعبة الجديدة التي تتخذ من «المساجد» هدفًا لها.

الرابط المختصر :