; صواعق من الفاتيكان.. البابا والفاتيكان | مجلة المجتمع

العنوان صواعق من الفاتيكان.. البابا والفاتيكان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 66

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-يناير-1980

- يعود أصل الكلمة إلى اللاتينية من الإغريقية (باباز) وتعني الأب وهي لقب كنسي يعبر عن الاحترام وقد أطلق منذ القرن الثالث إلى الخامس على أي كاهن وحتى على القسس البسطاء كما لا يزال يطلق كذلك في الشرق لدى الأرثوذوكسيين. ولكنه منذ القرن التاسع صار وقفا- لدى الغرب الكاثوليكي على كاهن روما الكبير كراس للكنيسة الكاثوليكية- التي مقرها الفاتيكان.

ووفق هذه العقيدة الكاثوليكية فإن من يخلف السان بتر (بطرس) في تفقد شؤون روما وفق خطة المسيح (التي منحت بطرس تفوقا كاملًا بمنحه القوة الكاملة والعليا للحكم والتعليم على كل الكنائس) فإنه يحوز هذا اللقب الذي ليس مجرد تكريم لقبي، بل هو يشبه السان بتر في وكالة المسيح وهو رأس الكنيسة الظاهر على الأرض بينما يبقى المسيح رأسها الخفي ورئيسها الأساسي.

وبهذا التفوق يكون لكنيسة روما السلطة المطلقة العليا دوما في التشريع والتفسير وسن كل ما يتعلق بالنصرانية كمعتقد وأخلاق وكنيسة ومبادئ وتحريمات وحكم وتنظيم على جميع الكنائس والأفراد الكاثوليكيين. وسلطة البابا هذه لا تفوق أي كاهن لوحده فحسب بل تفوق سلطة جميع الكهنة مجتمعين وتمتد إلى جميع أتباعه خارج روما وداخلها. ولأجل هذه السلطة الرعوية المباشرة يسمى (البابا) مطران الكنيسة الكاثوليكية ويتضمن ذلك حقه المطلق في توجيه التعاليم للكنائس والأفراد في كل ما يختص بالمثل والاعتقاد الديني. وهكذا- فالبابا- لا يمكن أن يخطئ على حد زعمهم- أو أن يحكم بخطأ أو أن يفسر خطأ وهذا ما يسمونه (العصمة). ولقد مورست هذه (العصمة) في التعليم والتفسير والحكم على أيدي البابوات على مدى القرون، وقد حددت بوضوح في مؤتمر الفاتيكان في ١٨/ تموز 1870/ الذي أوضح هذه الممارسات القديمة وأكدها.

ولقد كان البابوات القدماء منعزلين في أبراجهم العاجية ليتقدسوا عن مخالطة العوام أو البشر العاديين ولا يطلون على الناس إلا قليلا بترفع لمنح البركة أو إعطاء (الوعظة) الفصلية أو الأسبوعية أو لإثارة الناس كما حدث في الحروب الصليبية.

ولكن بعضهم- أخيرا صار يقوم برحلات سياسية ودعائية وسياحية مختلفة. وفي الجولة التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني وزار خلالها أيرلندا والولايات المتحدة والمكسيك وتركيا، نلاحظ أن الأيرلنديين الذين ما زالوا مشدودين بالعصبية الطائفية قد رحب أتباعه منهم بزيارته وخفوا لاستقباله وتحصيل بركاته وقد ركز في خطابه فيهم على أمرين:

أولهما: إنهاء أعمال العنف والصراع الطويل بين الكاثوليك والبروتستنت، والثاني هو تأكيده على بعض مواقف الكنيسة من قضايا الأسرة والطلاق والإجهاض وزواج رجال الدين ومنع الحمل، ولم يستجب الجيش الجمهوري الأيرلندي لندائه. وكان أول دليل على ذلك احتجاز أسرة كاثوليكية قطعت مسافة (٤٠٠ ميل) لأجل لقاء البابا كما أن الحكومة الأيرلندية قابلت حديثه ببرود ذلك لأن العالم المسيحي كله تقريبا يرى ضرورة تنازل الكنيسة عن مواقفها المتعنتة تجاه الأسرة والطلاق وزواج الكهنة وما إلى ذلك.

وفي الولايات المتحدة وجد البابا ثلاثة آلاف شخص فقط في استقباله عند هبوطه في مطار بوسطن إضافة إلى روزالین کارتر وإدوارد كندي- المرشح الكاثوليكي للرئاسة الأمريكية- وخوفًا من تورطه في القضايا المتحدة الحساسة ذاتها فقد واجهته الصحافة باستطلاعات أثبتت أن غالبية المسيحيين في الولايات المتحدة هي ضد المواقف الرسمية للكنيسة فـ 65% من الأمريكيين يؤيدون الطلاق، و66% يوافقون على استخدام مانعات الحمل، و35% يؤيدون زواج القساوسة.

ولقد حشدت تركيا أكبر احتياطي أمني لاستقبال البابا الذي هو أول واحد من جماعته يزور بلدًا مسلمًا عريقًا فاستقبل بإجراءات الأمن المشددة والمظاهرات الصاخبة التي تندد بهذه الزيارة..

بقي القول بأن البابا يحاول استعادة شعبية منصبه وهيمنته الروحية والتسلطية التي زالت مع تقدم الزمن فما عادت تحريماته للقراءات والدراسات والأعمال تسمع باحترام كما كان الأمر أيام آل بورجيا ومحاكم التفتيش والتي كانت عقوبة الحرق في الميادين العامة أبسط عقوباتها، بل تأثر كثير من الأتباع وحتى الكهنة بالثورات التشريعية والحقوقية والعلمية في أطراف العالم المسيحي وغيره فأخذوا يغيرون من أفكارهم ويطالبون بالتغيير الجذري للمفاهيم القديمة.

المجتمع

والمقال المترجم المرفق مثال على ذلك:

قصة جاك بوهيار مع الفاتيكان

نشب خلاف شديد في الآونة الأخيرة بين مجمع الكرادلة في الفاتيكان وبين كثير من القساوسة الذين أبدوا أراء جديدة وجريئة حول بعض تعاليم الكنيسة من بين هؤلاء القس الفرنسي النير لأندي عالم اللاهوت جاك بوهيار والقس السويسري هانس كونك والدومنيكي أدوار شيلبيك.

فقد تم إيقاف هانس كونج عن التدريس وهدد تهديدًا شديدًا، كما تم إبعاد صديقه الألماني جان باتيست عن كرسيه في تدريس علم اللاهوت بجامعة ميونخ.

كل الذي يطالب به هؤلاء القساوسة اللاهوتيون هو إدخال تعديلات ضرورية على تعاليم المسيحية البالية.

قصة جاك بوهيار مع الفاتيكان

جاك بوهيار أستاذ لعلم اللاهوت وعميد كلية. أبدى رأيًا جديدًا بكل جرأة حول عزوبة القساوسة وحول الإجهاض والتعقيم مما أثار ضجة في الفاتيكان ضده.

ألف هذا العالم القس كتابًا حول آرائه الجديدة وسماه «عندما أقول الله» تم نشر هذا الكتاب في عام ۱۹۷۷ محتوياته مناقضة تمامًا لكثير من التقاليد المسيحية وقد أقبل المسيحيون على قراءته بانطباعات مختلفة في أبريل ۱۹۷۸ تلقى جاك بوهيار رسالة شديدة اللهجة من مجمع الكرادلة بالفاتيكان الذي وجه إليه في رسالته عشرة أسئلة حول أفكاره الجديدة وطالبه بالرد عليها خلال شهر واحد وإن يشرح في رده الطريقة التي يمكنه بها أن يعلن عن تلك الأفكار على الملأ في شهر مايو من نفس العام رد جاك بوهيار على رسالة الفاتيكان قائلًا: إن النقاط التي دارت حولها أسئلتكم العشرة مناقضة لأفكاري ولمحتويات كتابي الذي لم يوزع بعد على نطاق واسع حتى يحدث كارثة في الأوساط المسيحية كما تدعون في رسالتكم ولهذه الأسباب أرجو أن تقبلوا حضوري بمجمعكم لمناقشة الموضوع تحت إجراءات عادية لم يتلق جاك بوهيار ردًا على طلبه المذكور حتى وفاة البابا بول السادس في ٦ أغسطس ۱۹۷۸ وبعد انتخاب جان بول الأول أرسل الفاتيكان رسالة إلى رئيس جاك المباشر جاء فيها «يبدو أن القس بوهيار لم يوافق على الملاحظات التي أبديناها حول كتابه الجديد لذلك ندعوه إلى الرد على النقاط العشر التي دارت حولها أسئلتنا كما نطالبه باعتناق العقيدة المسيحية حسب تعاليم الكنيسة.

في أبريل ۱۹۷۹ تم استدعاء جاك بوهيار ورئيسه المباشر إلى باريس واستلما رسالة من الوكيل السابق للبابا وبعد ذلك بأيام عاقبه رئيسه المباشر عقابًا شديدًا حيث منعه من إمامة القداس ومن الوعظ والتدريس وقد اعترض على هذا القرار كثير من المسؤولين المحليين في الخريف من نفس السنة أرسل ثلاثمائة دومنيكي رسالة تضامن إلى جاك بوهيار وازدادت الرياح التي أثارها كتابه بعد أن تمت ترجمته إلى التييرلاندية والألمانية وسيترجم قريبًا إلى الإنجليزية. وتلقى رسالة احتجاج على ضغوط الكنيسة من قبل مئات الملحدين يقول كاتب هذا المقال: إن رأي جاك بوهيار حول فكرة البعث التي تعتبر مسألة مركزية للكاثوليك لا يمكن أن تقبلها الكنيسة أبدًا ومع كل ذلك يقول جاك نفسه لست مقتنعًا بما كتبت تمامًا بل أنا أبحث عن الحقيقة وقد بدأت السير على الطريق السليم.

مسألة الموت بين بوهيار والكنيسة:

يقول جاك بوهيار عن الكنيسة «منذ وقت طويل اعتبرت الكنيسة الموت حادثة تقع في الحياة وليس نهاية الحياة والخبر اللطيف الذي أشاعته الكنيسة هو أنه لأموت. وذلك في محاولة منها لتأييد فكرة انبعاث المسيح والناس أجمعين ويستطرد جاك قائلًا وقد أدركنا اليوم أن الموت حتمي الوقوع في الحياة كنهاية لها وكل الناس مقدمون على الموت لا محالة وهو أمر واقعي لم أصل إليه عن طريق علم اللاهوت بل تعلمته من علم الأحياء ومن التاريخ ومن التجارب اليومية في الغرب وبعد أن وصلت إلى هذا الاستنتاج تساءلت قائلًا هل المسيحية صالحة للبقاء كعقيدة لهذا العصر؟ وهل تستطيع أن تستوعب الفكرة الجيدة الواقعية حول الموت؟ إذا لم تستطع الكنيسة أن تغير رأيها حول هذه القضية فإني اعتبر المسيحية ثقافة كانت صالحة لفترة محددة يمكن أن تغيب وتنتهي!

عن صحيفة: لو نوفيل أوبسارفاتير الفرنسية عدد: الاثنين 31/12/1979

الرابط المختصر :