; تكنولوجيا الإعلام تخفي الحرية الأمريكية الزائفة | مجلة المجتمع

العنوان تكنولوجيا الإعلام تخفي الحرية الأمريكية الزائفة

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1985

مشاهدات 51

نشر في العدد 727

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 30-يوليو-1985

• خمسون شركة كبرى فقط تملك معظم وسائل الإعلام الأمريكية!

• الصهيونية تملك التأثير في الإعلام الأميركي من جهة ملكية الوسائل والشركات المالكة لها.

• تتميز السياسة الخارجية الأمريكية كما يلاحظ المراقبون في العالم الثالث بالعدوانية والتقلب والانحياز، وفي الدول الغربية يلاحظ المراقبون أنها سياسة «غير متزنة» أو «قصيرة النظر» أو «أنانية»، ومع ذلك يزداد المعجبون في العالم بالنمط الأمريكي للحياة، أو على الأقل تبقى صورة الولايات المتحدة لدى عامة الناس- مع الأسف- صورة حية تنبض بالحرية والإبداع!!!!

• حقيقة خلاف المظهر:

السبب في ذلك- كما لا يخفى- هو التقدم التكنولوجي الأمريكي من جانب، والتقدم الإعلامي بشكل خاص من جانب آخر، التقدم التكنولوجي في حقل الاتصالات وعلم السمعيات والمرئيات جعل من الإعلام الأمريكي الغزير الإنتاج السيد الذي فرض نفسه على مختلف وسائل الإعلام في معظم دول العالم، ففي عالم السينما والمسلسلات التلفزيونية يلاحظ أن معظم ما تعرضه دور السينما ومحطات التلفزيون في أنحاء كثيرة من العالم هو من إنتاج أمريكي، والصحف الأمريكية أخذت تطبع منها طبعات دولية توزع ملايين النسخ، ووسائل الإعلام الأمريكية بغزارة إنتاجها وسرعة انتشارها تبدو لأول وهلة أنها تتمتع بحرية كاملة خاصة، وأن تمثال الحرية هو رمز أمريكا!!، كما لا يفتأ الأمريكيون يفخرون بأن نظامهم السياسي هو خير الأنظمة وأكثرها حرية!

هذه الصورة قد يعطيها بعض الزخم لدى شعوب العالم الثالث الواقع الدكتاتوريالسيىء الذي يشهدونه، والانهيار الذي قد يظهر على بعض الأفراد ممن زاروا الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة أو للسياحة، أو ممن لهم مصالح مرتبطة بمصالح أمريكية.

• لكن هل الحقيقة كالمظهر؟

ما دام موضوعنا الإعلام، نريد أن نحصر الحديث وضرب الأمثلة في هذا الجانب.

• مثال قريب:

لعل أقرب مثال- وهو الذي أثار هذا الموضوع أخيرًا- هو المقابلة التي أجرتها شبكة التلفزيون سي. بي. إس الأمريكية مع مدير عام وكالة الأنباء الكويتية برجس البرجس يوم ١٧ يوليو الجاري. 

في هذه المقابلة التي تحدث فيها البرجس عن جوانب مختلفة اجتزأت الشبكة الحديث، ولم تذع منه إلا مقتطفات تربط بين الرهائن الأمريكيين في لبنان والمعتقلين في الكويت بحوادث التفجيرات التي حدثت عام 83! وأهملت الشبكة ما وجهه البرجس للسياسة الأمريكية وتحميلها مسؤولية ما يحصل ضد مواطنيها ومؤسساتها في المنطقة العربية، كما أشار إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية مرفوضة من معظم دول العالم؛ حتى من الدول الصديقة للولايات المتحدة.

ولم تكتف الشبكة بهذا، بل زعمت- مع أن فريقها مكث في الكويت عدة أيام- زعمت أن الشعب الكويتي «أخذوا يتراجعون وراء جدران ومتاريس عالية»، وذلك إبان انفجارات المقاهي الشعبية!

في عام (۸۳) حيث طالت التفجيرات السفارة الأمريكية والفرنسية، وفدت إلى الكويت أعداد كبيرة من الصحافيين الأمريكيين، أما بعد حادث المقاهي الشعبية فلم يفد إلا عدد قليل منهم، قال مراقبون: إنهم لم يفدوا ليغطوا الحدث، بل لجمع معلومات خاصة طلبتها منهم هيئات ومنظمات أمريكية ذات أغراض خاصة!

هكذا إذن على أرض الكويت قام الدليل ليس على عدم حرية الإعلام الأمريكي فحسب، بل على عدم نزاهته، وانحيازه، وتضليله، فهل قام الدليل على ذلك على الأرض الأمريكية ذاتها؟

في مايو ٨٤ كشف ديفيد بيرغن مدير الاتصالات السابق في إدارة كارتر النقاب عن أنه قدم استقالته بسبب موقف الإعلام الأمريكي من غزو غرينادا، وقال أمام مؤتمر للأمريكيين من أصل عربي: «إن الإعلام الأمريكي يصور العرب شيوخ نفط وبدو وإرهابيين»، ومعلوم أن هذا الإعلام التضليلي نشط تحت قيادات يهودية منذ مطلع السبعينات بسبب ارتفاع أسعار النفط، ونمو استثمارات الدول المصدرة للنفط في السوق الأمريكية والغربية. 

وفي عام ٨٢ تدخلت الإدارة الأمريكية فمنعت عرض برنامجين تلفزيونيين من تقديم إذاعيين معروفين هما وولتر كيرنكايت وإد إستر تعرضا فيهما لنقد بعض جوانب السياسة الخارجية الأمريكية!

• خدمة السي. آي. إيه

إلا أن الأمر لا يقع عند هذا الحد فحسب، لقد كشف وليم كوبي مدير وكالة المخابرات الأمريكية الأسبق أن الوكالة جندت عام ٧٣ أربعين صحافيًا متفرغًا وآخرين غير متفرغين، وفي وقت لاحق كشف كوبي أن مراسلين خلال الخمسينات والستينات كانوا عملاء نشطين لوكالة المخابرات المركزية «سي. آي. إيه»!

وفي عام ۱۹۸۱اكتشف الصحفي الأمريكي روبي أن ٢٦ شركة نفطية تهربت من دفع الضرائب، فكان جزاؤه أن منع من الكتابة، واستطاعت شركة برتش بتروليوم أن تجعل دار نشر ماكزوهيل تسحب كتابًا عن الصراع من أجل السيطرة على إيران! واستطاع أحد البنوك أن يضغط لفصل صحفي كتب أخبارا تسيء إلى وضعه!

الإعلام الأمريكي كما هو واضح- من هذه الأمثلة وغيرها- يتأثر بسياسة الإدارة الأمريكية، كما يتأثر بسياسة أصحاب شركات النفط والبنوك.. كما أن الإعلام الأمريكي يؤثر حتى على انتخاب الرئيس الأمريكي، وفي هذا المجال يقول صحفي أمريكي في كتاب له صدر عام ۸۳ بعنوان احتكار الإعلام الأمريكي، يقول: «إن الرئيس نيكسون نجح للمرة الثانية؛ لأن ٧٤ صحيفة يومية وقفت معه بسبب استجابته لطلب من احد أصحاب الصحف بإلغاء قيود على أسعار بيع الصحف»!

• إحصائية:

ولكي تتضح الصورة نورد هذه الإحصائية:

في الولايات المتحدة الآن ۱۷۰۰ صحيفة يومية، و ١١ ألف مجلة، و ٩٠٠٠ إذاعة، و ١٠٠٠ محطة تلفزيون، و ۷ إستديوهات سينما، و ٢٥٠٠ دار نشر، ومعظم هذه الأعداد الهائلة من وسائل الإعلام مملوكة لخمسين شركة كبرى فقط! وهذه الشركات الكبرى لها أنشطة في الصناعات المختلفة، والصناعة الحربية، والزراعة، والاستثمارات الخارجية، والبنوك، و وسائل الإعلام، وعلى سبيل المثال هناك ١٢ بنكًا يملكون أسهمًا في معظم الشركات الخمسين المشار اليها!

فإذا أضفنا إلى هذه الإحصائية حقائق أخرى متصلة بها، وهي أن هذه الشركات تمتلك حق تعيين المدراء في وسائل الإعلام، وأن النفوذ الصهيوني كبير في هذه الشركات، تصبح الصورة أكثر وضوحًا.

• سلطة مركزية:

إن الإعلام الأمريكي ما هو إلا صورة متطورة لحقيقة النظام الأمريكي الرأسمالي الاحتكاري، وإن هذه الاحتكارات هي التي تضع السياسات الإعلامية والخطوط الحمراء التي عليه ألا يتعداها!

وبسبب تقدم التكنولوجيا الإعلامية وحاجتها لرؤوس أموال كبيرة، فإن الشركات الإعلامية لا بد وأن تكون رأسمالية احتكارية، وهذا ما يفسر أن خمسين شركة كبرى تملك هذا السيل الجرار من وسائل الإعلام المختلفة.

وبحسب تعبير الصحفي الأمريكي باجديكيان صاحب كتاب احتكار وسائل الإعلام «لقد خلقت التكنولوجيا الحديثة ونظم الاقتصاد الأمريكي نمطًا جديدًا من أنماط السلطة المركزية على المعلومات»!

و يقول في مقدمة كتابه: «من البداية أدركت السلطات أن عليها- إن أرادت السيطرة على الشعب- أن تسيطر أولًا على ما يصل إليه من معلومات».

وهذا ما حصل بالفعل، فالفرد الأمريكي- نظرًا لأسباب تتعلق بخلفيته الثقافية والحضارية، وبسبب الكم الهائل من الفنون الإعلامية- أصبحت نظرته للحياة تتحد بما يلقى على سمعه وبصره من خلال وسائل الإعلام.

• إذاعات موجهة:

أما عن وسائل الإعلام وعلاقتها بالسياسة الخارجية الأمريكية؛ فتكفي الإشارة إلى فكرة محطات الإذاعة الأمريكية الموجهة لمناطق مختلفة في العالم! فصوت أمريكا الموجه للبلاد العربية دأب- في وقت مبكر من عام ١٩٥٠، وهو من خلال إدارة صهيونية أمريكية- على ما يثير التمزق والتشتت بين العرب من جهة، وينشر سموم المجتمع الأمريكي ويركز الدعاية له، والعجيب في هذا الصوت أن الذين يحررون الأخبار ويترجمونها أميركان و يهود، فيما العرب يقرؤونها على المستمعين العرب!

وإذا كانت شهادتنا في الإعلام الأمريكي مجروحة بسبب أننا نعادي السياسة والإعلام الأمريكيين، وهذا ما نفخر به، فإننا نحب أن نختم مقالنا بخلاصة دراسة ظهرت في كتاب نشر عام ۱۹۸۳ بعنوان «سبليت فيجن»، أي الصورة المشوهة، صدر هذا الكتاب عن «مجلس الشؤون العربية– الأمريكية» وقام بالتحرير الدكتور إدمون غريب وهو صحفي معروف.

يقول الكاتب: إنه نتيجة القراءة والبحث والتحليل الدقيق وإجراء المقابلات مع ١١ شخصية أمريكية بارزة خلص إلى استنتاج عدة نقاط هي: 

1- وسائل الإعلام الأمريكية لا تجمع الأخبار، ولا تصيغها فحسب؛ وإنما تضع الأخبار وفق أيدلوجية الكاتب وأهوائه الشخصية.

2- إنها أدوات فاعلة في صياغة موقف الرأي العام الأمريكي تجاه السياسة الخارجية.

3- وسائل الإعلام عملاقة تمتلكها فئات معينة، ولها نفوذ في الحكومة، إنها السلطة الرابعة في البلاد الأمريكية.

4- صورة العرب مشوهة سلبية مبتورة قاتمة، في حين صورة إسرائيل إيجابية مشرقة شجاعة مطوقة من العرب.

• دور التكنولوجيا:

• هذا هو إذًا واقع الإعلام الأمريكي، ولكن لماذا هو مؤثر إذن؟ 

الجواب- كما أسلفنا- يكمن في التكنولوجيا الحديثة، والتكاليف الباهظة، فالمسلسلات الأمريكية تصرف عليها مبالغ طائلة بسبب حرص المخرج على أن تكون الأحداث قدر الإمكان واقعية حية، وهو يعي أن هذا الصرف له مقابل، يقول أحد مدراء شركات الإعلام: كل دولار يصرف له عائد يقاربه في القيمة، والقيمة المقصودة هنا ليست المادية المباشرة المتحصلة من مبيع الإنتاج، وإنما المردود النفسي على المشاهدين، وتأثرهم بكل شيء اسمه أمريكي!

وعلى أية حال فإن ٢٠٪ من عائد إنتاج المسلسلات التلفزيونية يأتي من الخارج، ومن الناحية السياسية تقف التكنولوجيا الأمريكية في مقدمة الأدوات التي تخدمها، خاصة بعدما تقدمت وسائل الاتصال بحيث أصبح من الممكن عقد ندوات صحفية مع المسؤولين الأمريكان والصحفيين في بلادهم، وكانت أول تجربة في هذا المجال نقل خطاب كيركياتريك إلى السفارات الأمريكية في أوروبا، ونقل مؤتمر صحفي لشولتز شاركت فيه الغارديان البريطانية، ونقل على الهواء مباشرة في التلفزيون السويدي!

والمشاهدون في الكويت كانوا قد شاهدوا شبيهًا بذلك، عندما أجرت محطة التلفزيون الأمريكية مقابلة مع وزير النفط علي الخليفة أذيعت هناك على الهواء مباشرة، لكن هذا التقدم التكنولوجي الفذ يجب ألا يُخفي علينا نحن في البلدان العربية والإسلامية على الأقل، حقيقة السياسة الإعلامية الأمريكية المضللة والحرية الأمريكية الزائفة..

وهذا ينبه المسلمين من جديد لمهمتهم الإنسانية، وهي إخراج الناس من الانحطاط الحضاري إلى الرقي الحضاري، من جور الأديان إلى عدل الإسلام... فهل نحن فاعلون؟

الرابط المختصر :