; تدهور خطير للوضع الأمني في جنوب السودان | مجلة المجتمع

العنوان تدهور خطير للوضع الأمني في جنوب السودان

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986

مشاهدات 58

نشر في العدد 775

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-يوليو-1986

•الجبهة الإسلامية في السودان تعتبر الوضع في الجنوب نتيجة لغياب السياسة الحازمة والواضحة لاستتباب الأمن وسلامة المواطنين.

يشهد الوضع الأمني والعسكري في جنوب السودان تدهورًا خطيرًا خلال الأيام الأخيرة التالية لتولي السيد الصادق المهدي رئاسة الحكومة، وقد تطورت الأمور سلبًا إلى درجة غدت تهدد بسيطرة القوات المتمردة على أكثر أجزاء الجنوب سيطرة تامة، بينما ينشغل المسؤولون بأمور ثانوية ومهاترات حزبية. وربما يجهل كثير من القراء أن المؤامرة التي تحاك اليوم في جنوب السودان ليست إلا نسخة طبق الأصل للمؤامرة الصهيونية البريطانية التي حصلت في فلسطين منذ مطلع القرن، وانتهت في ١٩٤٧ بتأسيس الكيان الصهيوني.

ترفع قوات التمرد في جنوب السودان شعارات سياسية فضفاضة مثل إصلاح الوضع في كامل السودان وتؤكد أنها ليست حركة عنصرية خاصة ببعض قبائل الجنوب، وتقول إنها حركة ماركسية التوجه تريد أن تسود الاشتراكية العلمية كل وجوه الحياة في البلاد.

هذا ما تقوله الحركة في المحافل الرسمية لكن الحقيقة التي تكشفها سياسة الأمر الواقع أن المؤامرة تهدف إلى تكريس الخطة الانفصالية التي نفذت جزءًا كبيرًا منها الإدارة البريطانية أيام استعمارها للسودان.

فقد عمدت بريطانيا إلى عزل الجنوب عن الشمال عزلًا إداريًا ومنعت انتقال المسلمين إليه وهجرت المسلمين منه وجعلت الإنجليزية لغة التخاطب والمعاملات الرسمية. وأطلقت يد الكنائس والمنظمات التبشيرية في المدارس، فأصبح اعتناق المسيحية شرطًا لازما لدخول المدرسة، وشيئًا فشيئًا أصبحت النخبة المرشحة لتسيير الحياة اليومية إنجليزية اللغة والثقافة، وأعوانًا مطيعين لبرامج الكنائس المختلفة.

وقد تسببت هذه السياسة في إبقاء موضوع الجنوب مشكلة قارة في السودان منذ استقلالها في ١٩٥٦. وكانت أهم محطة في معالجة المسألة اتفاقية أديس أبابا التي أمضاها جعفر نميري مع الجنوبيين في ۱۹۷۲ وتعطي صلاحيات واسعة للساسة المسؤولين عن إقليم جنوبي واحد في ذلك الوقت.

لكن مع تطور الأوضاع السياسية والديمغرافية داخل الجنوب نفسه أعلن النميري في ۱۹۸۳ تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أقاليم، وفي وقت لاحق أعلن البدء في تطبيق الشريعة الإسلامية، ومنذ ذلك الوقت برزت حركة التمرد بصفة رسمية تحت اسم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وبقيادة عقيد سابق في الجيش «جون قرنق»- واتخذ المتمردون من أثيوبيا قاعدة لتحركاتهم بينما نشطت كتائبهم في حرب العصابات وشن الغارات المفاجئة على الأبرياء العزل في القرى والغابات، لكن النميري اتخذ موقفًا متصلبًا من التمرد وشن حربًا ضارية ضد المتمردين وألحق بهم خسائر جسيمة، وحجم كثيرًا من تحركاتهم، لكن بتغير الأوضاع السياسية ونجاح انتفاضة رجب ١٤٠٥ تدهور الوضع في الجنوب من جديد بتركيز حكومة الانتقال على شعارات المصالحة السياسية ودعوتها القرنق للالتحاق بالخرطوم ووقف الحرب من جانب واحد، لكن هذه الدعوات كلها راحت سدی واستغل المتمردون الفرصة لمضاعفة نشاطاتهم، فكثفوا هجومهم واستطاعوا في وقت من الأوقات احتلال مدينة رومبيك قبل أن تسترجعها القوات الشرعية في وقت لاحق.

وقد ظل التجمع الوطني الذي يمثل تجمعًا لعدد من الأحزاب اليسارية وحزب البعث وحزب الأمة ظل يضغط على الحكم طيلة الفترة الانتقالية لتجنب الحرب والتساهل مع قرنق، واعتباره طرفًا وطنيًا تحركه قضية عادلة وأرسل التجمع وفودًا كثيرة إلى أديس أبابا فاوضت قرنق باسم السودان(!) لكنها لم تحصل على شيء رغم ذلك.

مع انتهاء الفترة الانتقالية وتسلم حزب الأمة رئاسة الحكومة بادر السيد الصادق المهدي بإرسال مبعوث شخصي إلى قرنق في أثيوبيا يعرض عليه التفاهم مع الحكومة والالتقاء برئيس الوزراء، لكن قرنق رفض هذه العروض كلها واشترط حل الحكومة وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية وعقد المؤتمر الدستوري. وبالرغم من أن حزب الأمة لا يمانع في إلغاء قوانين الشريعة وعقد المؤتمر الدستوري إلا أن حل الحكومة كان مطلبًا مجحفًا وشرطًا تعجيزيًا على حد تعبير المسؤولين.

وقد استطاعت حركة التمرد أن تستغل تكالب أحزاب اليسار وحزب الأمة على خطب ودها ونيل رضاها كي تحسن من وضعها على أرض المعركة، فضاعفت من هجومها وغاراتها، وسيطرت على أطراف المدن الكبرى، وامتدت يدها لتغتال كثيرًا من الشخصيات المناهضة لها داخل المدن الرئيسة ذاتها وكانت آخر جريمة بشعة لها تلك التي حصلت منذ عشرين يومًا باغتيال ثلاثة أطباء يعملون مع منظمة الدعوة الإسلامية وحرق جثثهم نكالًا وغدرًا.

وقد كشفت مذكرة رفعتها الجبهة الإسلامية إلى الحكومة منذ يومين عن اتساع رقعة التمرد والخروج على القانون لتشمل مناطق آمنة مستقرة لسنوات خلت، فقد أصبح معلومًا اضطراب حبل الأمن في شرقي وغربي الاستوائية، وكانت قوات الخوارج قد عبرت النيل الأبيض مهددة سلامة المواطنين وعرض حركة النقل والمواصلات وإمدادات التموين الغذائي للخطر. وقالت المذكرة إنه أصبح مألوفًا وقوع حوادث النهب والسلب والقتل بالعشرات ومهاجمة المسافرين حتى غد متعذرًا أو كاد الخروج خارج المدن دون حراسة عسكرية مكثفة، وتفشى الذعر والرعب في قلوب المواطنين، كما توقفت الخدمات الضرورية أو كادت وعلى رأسها الخدمات الصحية مما أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة، ونتج عن ذلك أيضًا ندرة في المواد الغذائية والتموينية حتى تفاقمت أسعارها إلى أرقام خيالية لا قبل لعامة الناس بها.

وأوضحت الجبهة الإسلامية في مذكرتها التي نشرتها وكالة السودان للأنباء أن هذا الوضع يعتبر نتيجة طبيعية لغياب السياسة الحازمة والواضحة لاستتباب الأمن وسلامة المواطنين، وضبابية الرؤيا التي لا تفرق بين واجب الحكومة في توفير الأمن وبين المجهودات التي يمكن أن تبذل من أجل السلام الشامل عن طريق الحوار السياسي. وقالت الجبهة: إن الدور الذي لعبته أحزاب التجمع في الفترة الماضية كان له أثره البالغ في ضياع هيبة الحكومة وسلطانها وشل فعالية القوات المسلحة وفتح شهية المتمردين لتحقيق مزيد من الانتصارات وسط سطوتهم على بعض القبائل ودفعها قسرًا لموالاتهم ومشاركتهم التمرد.

ويمكن للقارئ أن يدرك حقيقة الخطر الماثل في الجنوب عندما يدرك المرامي البعيدة لهذا الضغط المتواصل. فالمعلوم أن جون قرنق لا يحظى فقط بالدعم الإثيوبي النائب عن دعم الاتحاد السوفيتي وإنما هو يحظى أيضًا بالدعم الأميركي وكلنا يذكر أن واحدًا من الشروط الرئيسة التي فرضها جورج بوش على النميري في آخر أيامه هو وقف الحرب مع قرنق وإجراء مصالحة مجزية معه. ويفسر هذا الاتفاق بين القوتين الأعظم على أن محاولة «حكيمة» للتصدي لخطر مشترك هو توسع نفوذ التيار الإسلامي في السودان بما يرشح قلب أفريقيا السوداء كله لتغيرات سياسية وحضارية كبرى.

فمن خلال دعم المتمردين والدعاية لموقفهم، تحاول أمريكا وروسيا معًا أن توهم الرأي العام داخل السودان وخارجه أنه لا مجال لوحدة السودان دون الاتفاق على دستور علماني، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية إلغاء باتًا، والإبقاء على الامتيازات السياسية والثقافية للنخبة المسيحية الأنقلوفونية في الجنوب.

وبمحاصرة مشروع إقامة دولة في السودان، تضمن القوتان العظميان ألا يستشري الخطر إلى الدول الأفريقية المجاورة للسودان والتي يتمتع فيها الإسلام بوجود قوي ومؤثر أو بوجود أقلي لكن مرشح للتطوير والتزايد مثلما هو الحال في إريتريا أو تشاد أو أوغندا والصومال وإفريقيا الوسطى.

وتقدر التحاليل الغربية أن السودان المسلم يمكن أن يلعب دور صلة وصل ثقافية هامة بين العرب والمسلمين الأفارقة والمسلمين السود في بقية القارة، بما أنهم يجمعون الصفتين، وترى هذه الدوائر أن قيام «دولة أصولية إسلامية» في السودان سيدفع بالرياح في اتجاه جيرانها ومن يليهم من البلدان ذات الأغلبية المسلمة في وسط وغرب أفريقيا وهو تطور استراتيجي خطير يهدد السياسات الغربية على المدى المتوسط والبعيد.

ولذلك تحاول هذه القوى مواجهة الخطر من جذوره وتتخذ من حركة التمرد مطية لتحقيق غاياتها، وفي عهد نميري تدخل الأمريكان بطريقة مفضوحة لإبعاد الإسلاميين ووقف الحرب القوية التي شنها النميري على المتمردين، أما الآن فإن الدوائر الغربية تراهن على اعتدال الحكومة الجديدة وحاجاتها الماسة للقروض كي تفرض سياساتها القاضية بالاعتراف بالنفوذ الجنوبي ومحاصرة الوجود الإسلامي فيه بالإضافة طبعًا إلى إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية.

وقد سبق للصادق المهدي أن كشف عن بعض هذه السياسات منسوبة إليه طبعًا في تصريح لإذاعة جوبا برر فيه عدم إشراك الجبهة الإسلامية في الحكومة بأن هذه المشاركة ستقلل فرص التعامل مع القوى الخارجية وفرص حل مشكلة الجنوب.

ومنذ توليه رئاسة الحكومة لم يبذل السيد المهدي أي جهود جدية لمواجهة الخطر القائم في الجنوب، واكتفى بترديد التصريحات الداعية للسلام والحوار بينما وسع قرنق رقعة نفوذه بما أصبح يشكل خطرًا جديًا يهدد البلاد كلها، ويهدد الخيار الإسلامي فيها. علمًا أن هذا الخيار كان هو الذي أتى بالسيد الصادق المهدي نفسه إلى سدة الوزارة.

وعندما تحركت الجبهة الإسلامية لمواجهة هذه الوضعية ورفعت مذكرتها للحكومة وطالبتها بوضع خطة عاجلة لاستتباب الأمن والنظام في الجنوب ودعم القوات المسلحة ماديًا ومعنويًا حتى تقوم بواجبها في ردع المتمردين وحماية أمن المواطنين والإسراع بتكوين حكومات أقاليم الجنوب من عناصر فعالة ومخلصة ومقبولة لدى جماهير الإقليم وإجراء الاتصالات السياسية اللازمة للاتفاق على حل حقيقي للمشكلة، عندما رفعت الجبهة اقتراحاتها لمعالجة الموضوع حتى لا يتسع الخرق ويستعصي عن الإصلاح، ردت الحكومة بمذكرة رسمية فسرت فيها سياساتها الراهنة بطريقة بعيدة كل البعد عن الجدية والمسؤولية وهذا أقل ما يمكن قوله فيها.

فقد قال السيد صلاح عبد السلام الناطق الرسمي باسم الحكومة في المذكرة: إن الحكومة الحالية تجهل المشكلات القائمة وتحاول التعرف عليها لوضع الحلول والاستنباطات، وقال أيضًا: إن الحكومة تحاول التعرف على الخلل في وضع القوات المسلحة لإصلاحه، وتحاول التعرف على الواقع في الجنوب قبل تكوين الحكومات الإقليمية. وذكر الناطق أن الحكومة تسعى إلى كسب مصداقية كل القوى الدولية ذات الصلة بالبلاد حتى يتم التعامل مع مشكلة الجنوب من خلال فهم جديد ووضع جديد.

وفيما عدا هذه الردود التي لا تقبل من حكومة تحترم نفسها وتصريحاتها ودعايتها الانتخابية منذ أشهر فقط حفلت المذكرة باللمز والشتم للمعارضة فاعتبرت الحديث عن وضع القوات المسلحة انتهازية معادة وممجوجة، واعتبرت الحديث عن غياب السياسات الحازمة في الجنوب إشارة غريبة وحاقدة ما دامت المعارضة على حد تعبير المذكرة تعرف حجم الدمار المايوي بحكم صلتها بالنظام السابق ومشاركتها فيه وفي تحمل المسؤولية معه.

وهكذا كررت المذكرة تهجمات رئيس الوزراء العديدة في هذه الأيام ضد الجبهة الإسلامية وهي في الحقيقة محاولة فاشلة لتغطية العجز الحكومي الظاهر في مواجهة أهم القضايا الأمنية أو المعيشية في البلاد، حتى إنه لما انقطع الماء والكهرباء عن أغلب أحياء العاصمة في رمضان المعظم وخرجت بعض المظاهرات في الشوارع للاحتجاج برز السيد وزير الطاقة على شاشة التليفزيون ليتهم نظام مايو ومن كان معه بتخريب معدات الطاقة والاصطياد في الماء العكر وتحريض الناس.

ويعلم الجميع في السودان أن أكثر من سبعين نائبًا في حزب الأمة كانوا نوابًا في برلمانات نميري السابقة، وأن رأس الدولة الحالية نفسه كان عضوًا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي حتى آخر يوم من حكمه، بل إن محاكمة مدبري انقلاب مايو قد كشفت أسرارًا مثيرة من أهمها أن السيد الصادق المهدي قد أيد الانقلاب منذ الأيام الأولى رغم صبغته الشيوعية التي كانت بارزة في ذلك الوقت.

فهل تحل المزايدات الفارغة مشاكل السودان؟!

في هذه الأثناء قررت الجبهة الإسلامية تنظيم اجتماعات شعبية عامة لإطلاع الناس على حقيقة الوضع بالجنوب، وقد أقدمت الجبهة على هذه الخطوة بعد ظهور الرد السلبي للحكومة، ويأمل قادة الجبهة أن يتمكنوا من الضغط على الحكومة ودفعها لمغادرة موقع السلبية والصمت إزاء اتساع المؤامرة الدولية في الجنوب، وستكون هذه الاجتماعات أول خطوة جادة لإرساء تقاليد فعالة في المعارضة والنصح والإصلاح.

والحقيقة الماثلة الآن أمام كل المخلصين أن هذه ليست إلا خطوة أولى ينبغي أن تتبعها خطوات أكثر حزمًا لان المستهدف من هذه الحرب القذرة هو وحدة السودان وإسلاميته كمرحلة أولى ضرورية لمحاصرة الإسلام في أفريقيا. فهل ينجح المسلمون في إسقاط هذه المؤامرة، وهل يتحمل المسلمون خارج السودان مسؤولياتهم لمواجهة الدعايات الكاذبة المغرضة حول حقيقة الوضع في الجنوب.

الرابط المختصر :