; أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي.. البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو لـ «المجتمع»: تراجع العالم الإسلامي سببه غياب الإرادة السياسية الفاعلة | مجلة المجتمع

العنوان أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي.. البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو لـ «المجتمع»: تراجع العالم الإسلامي سببه غياب الإرادة السياسية الفاعلة

الكاتب محسن عبد الفتاح

تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1879

نشر في الصفحة 26

السبت 28-نوفمبر-2009

  • المعركة حول عروبة القدس غير متكافئة لأننا نقاوم تغييرًا يتم على أرض الواقع بأوراق تاريخية!
  • أجرينا إصلاحات شاملة على المنظمة.. فقد تم تحديث ميثاقها وإصلاح مجمع الفقه الإسلامي ووكالة الأنباء الإسلامية
  • الأزمة الاقتصادية العالمية قد تكون باعثًا لمزيد من التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية
  • نرفض قرار المحكمة الدولية ضد الرئيس السوداني ونسعى إلى تجميد تنفيذه ثم إلغائه

حذر أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي البروفيسور «أكمل الدين إحسان أوغلو» من تداعيات المرحلة الحرجة والخطيرة التي يعيشها عالمنا الإسلامي؛ جراء تخلفه وتراجعه عن ركب الحضارة المعاصرة، وأرجع ذلك لافتقادنا للإرادة السياسية بالدرجة الأولى.. وتناول -في حواره مع «المجتمع»- العديد من القضايا المختلفة التي يعيشها عالمنا الإسلامي حاليًا.. وإلى مزيد من التفاصيل في نص الحوار:

يعيش العالم الإسلامي الآن فترة صعبة من تاريخه المعاصر؛ حيث تواجه بلدانه العديد من التحديات على مختلف الأصعدة.. هل لكم أن توضحوا لنا أسباب هذه الأوضاع الصعبة، وأهم التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، وكيفية التغلب عليها؟

  • العالم الإسلامي يمر الآن بمرحلة حرجة وخطيرة أهم ما توصف به أنها مرحلة تراجع وتخلف عن ركب الحضارة المعاصرة.. فعندما نحلل مجمل مشكلات العالم الإسلامي المعاصرة سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا سوف نجدها ترجع بالدرجة الأولى إلى ضعف دول العالم الإسلامي، الذي يعيش الآن مرحلة ضعف وتراجع كبيرة نظرًا لتخلفه عن ركب الحضارة والتطور والحداثة العلمية المعاصرة.. ومن ثم، لم يستطع أن يبني الدولة الحديثة القوية المعاصرة ذات الاقتصاد الصناعي، وأن يكون له مكانة علمية في سلم التطور المعاصر.

وما نسعى إليه الآن هو أن نحقق من خلال التضامن والتعاون استكمال إنشاء البنى التحتية في دول العالم الإسلامي، والسعي نحو مزيد من التقدم الاقتصادي والصناعي.. وفي الوقت نفسه لا نتجاهل ضرورة التعاون مع الكتل الاقتصادية الأخرى والدول المتقدمة في إطار من تنسيق المواقف بين الدول الإسلامية؛ ليكون لها توجه عام مشترك وثقل ووزن يُحسب له حساب من قبل الآخرين، ومكانة لائقة في عالم اليوم ذي الكيانات الكبرى والتكتلات الاقتصادية العملاقة.

هذا في المجال الاقتصادي.. أما في المجال السياسي، فنحن نسعى إلى ترسيخ وجود الدول الإسلامية في المؤسسات الدولية؛ حيث يوجد الآن أربع دول «أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي» في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.. ونسعى كذلك إلى أن تكون للدول الإسلامية عضوية دائمة بمجلس الأمن؛ لكي تكون من القوى المؤثرة والمشاركة في صنع القرار السياسي العالمي.

أما سؤالكم عن التحديات التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، فهو سؤال كبير وإجاباته متشعبة، وقد أردت في هذه العجالة أن أشير إلى أهمها، ودور منظمة المؤتمر الإسلامي في مواجهة تلك التحديات المتعددة والمتلاحقة.

مرصد «الإسلاموفوبيا»

  • عقب وقوع أحداث سبتمبر ٢٠٠١م أصبحت المجتمعات الغربية تنظر إلى الإسلام والمسلمين -خاصة المقيمين فيها- نظرة شك وريبة واتهام، فما دور المنظمة لدحض مثل هذه النظرة الخاطئة، خاصة أن «إسرائيل» استغلت الموقف وصعدت من اعتداءاتها ضد الشعب العربي في لبنان ثم في غزة؟
  • منذ أكثر من أربع سنوات ومنظمة المؤتمر الإسلامي تنشط في مجال محاربة مخاوف الغرب غير المبررة من كل ما هو إسلامي، أو ما اصطلح على تسميته بـ «الإسلاموفوبيا»، ومع التسليم بجهود منظمات إسلامية أخرى إلا أن منظمة المؤتمر الإسلامي أصبحت هي الأولى والباذلة للجهد الأكبر في معالجة مثل هذا الموضوع المهم، الأمر الذي اضطرنا لإنشاء مرصد أطلق عليه «مرصد الإسلاموفوبيا»، مهمته رصد أي إساءة للإسلام والمسلمين؛ بأي صورة من الصور، وفي أي مكان من العالم خاصة الدول الغربية، وأعني بها الدول الأوروبية، ودول أمريكا الشمالية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

ويقوم هذا المرصد بنشر تقارير دورية قدم أولها إلى القمة الإسلامية التي عُقدت خلال العام الماضي، وكذلك أودع نسخة بمنظمة الأمم المتحدة لاطلاع الدول الأعضاء من غير الدول الإسلامية بالخصوص على محتواها.

وهناك موقع للمرصد على شبكة الإنترنت، ينشر من خلاله تقاريره اليومية التي تعبر عن أنشطته الدائمة حول هذا الموضوع العام والحيوي.. كما يقوم مسؤولو المرصد بمتابعة أعماله والتنسيق مع إدارات منظمة الأمم المتحدة؛ من أجل تصحيح الرؤى واستصدار قرارات من شأنها إبراز الحقائق عن الإسلام السمح، ووقف ممارسة سياسة التمييز ضد المسلمين في المجتمعات الغربية، خاصة بعد أن أصبحت قرارات المنظمة الأممية والهيئات التابعة لها محل اهتمام المجتمع الدولي خلال الفترة الماضية؛ الأمر الذي جعل بعض الدوائر الغربية تنظر لنشاط منظمة المؤتمر الإسلامي من خلال أنشطة «مرصد الإسلاموفوبيا» بعدم الارتياح في بعض الأوقات، وبعداوة في أوقات كثيرة.

تهويد القدس

  • تعاني مدينة القدس حاليًا من تقطيع الأوصال وتغيير المعالم وتهويد المقدسات الإسلامية.. ما دور المنظمة وأجهزتها المتخصصة في التصدي لهذه المخططات الصهيونية، في ظل الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية؟
  • المنظمة تقوم بجهود كبيرة منذ سنوات، وأيضًا الهيئات التابعة لها، والتي من اختصاصها مثل هذه القضايا، مثل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية «إرسيكا» في «إسطنبول».

هذه المؤسسات المتخصصة بذلت جهودًا كبيرة للوقوف ضد تهويد القدس، والتصدي لما يتم ترويجه زيفًا، وتقديم الحقائق الدامغة والتاريخية إلى منظمة الأمم المتحدة، والمؤسسات التابعة لها ذات الاختصاص مثل منظمة «اليونسكو».

ورغم هذه الجهود المبذولة من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات التابعة لها، فأنا أقر بأن المعركة بيننا وبين «إسرائيل» غير متكافئة، ذلك أننا نقاوم تغييرًا يتم على أرض الواقع بأوراق تاريخية.. نكسب قرارات دولية تحتاج إلى آلية تنفيذ، والقضية بالدرجة الأولى قضية سياسية تعود إلى ستين عامًا، وتفتقد اليوم إلى إرادة سياسية عربية إسلامية للتصدي لها في المحافل الدولية وعلى أرض الواقع.

النموذج الاقتصادي الإسلامي

  • وماذا عن التطوير في المجال الاقتصادي بين الدول الإسلامية خاصة أن التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعالمية لها الكلمة الأولى في عالم اليوم؟
  • هناك أشياء أخرى تم للمنظمة إنجازها خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا منذ تقديم برنامج تطوير المنظمة والوكالات التابعة لها.. من أهم هذه الأعمال العمل على تفعيل التجارة البينية بين الدول الإسلامية بعضها بعضًا وقد استطعنا تحقيق تقدم ملموس نحو إنجاز هذا الهدف، وصل تحديدًا إلى نحو ١٧%، أي أننا نقترب من تخطي حاجز الـ ٢٠% قريبًا.. وهذا إنجاز بالمقارنة لحجم التجارة البينية المتواضع منذ بضع سنوات.

ونتمنى أن تكون الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة باعثًا ودافعًا لمزيد من التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية؛ تعويضًا عن تراجع حجم التصدير من المنتجات الإسلامية إلى الأسواق العالمية، أو فقدان هذه الأسواق كليًا، ومن ثم التوجه إلى أسواق الدول الإسلامية للبيع وتبادل السلع.

ونأمل -أيضًا- أن يتم تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ليس فقط بزيادة التجارة البينية بل بإقامة مشاريع مشتركة كبرى تفي باحتياجاتها، وذلك عن طريق توظيف رأس المال الإسلامي -خاصة المتراكم بالمصارف الغربية- مع الأفكار التجارية واليد العاملة الإسلامية.. فدول المنظمة تمتلك مقومات اقتصادية لنموذج تجاري ناجح؛ من رأسمال وعمالة ماهرة أثبتت كفاءتها في مشاريع إقليمية وغربية، فضلًا عن توافر الأسواق الكبيرة ذات القوى الشرائية بدولنا الإسلامية.

وقد أثبت النموذج الاقتصادي الإسلامي نجاحه وصموده أمام تداعيات الأزمة العالمية، واعترف خبراء الاقتصاد العالميون بأن النظام الإسلامي المتبع في المصارف الإسلامية هو الأنجع والأنجح، لأنه بعيد كل البعد عن الربحية المبالغ فيها، ولا يتعامل بالربا في أدائه المالي.

الوثيقة العشرية

  • عقب توليكم مسؤولية الأمانة العامة بمنظمة المؤتمر الإسلامي، قدمتم مشروعًا لتطوير المنظمة والأجهزة التابعة لها عُرفت في حينها بـ «الوثيقة العشرية».. وافق على بنودها قادة الدول الإسلامية بقمة «مكة» التي عقدت أواخر عام ٢٠٠٥م... هل لنا أن نتعرف على ما تم تنفيذه من إصلاحات انطلاقًا من هذه الوثيقة؟
  • بعد أقل من عامين -وتحديدًا في مارس ۲۰۰۷م- تم تحديث ميثاق المنظمة كاملًا، ثم عملنا على إصلاح مجمع الفقه الإسلامي وتغيير نظامه الأساسي، وتطوير وظائفه وأهدافه وأسلوب عمله، وتم تعيين أمين عام جديد له.. وقد حدث الشيء نفسه لـ«وكالة الأنباء الإسلامية»، فقد تم مؤخرًا تحديث الوكالة وإداراتها، وتم بناؤها من جديد.. كذلك تم تطوير اتحاد الإذاعات الإسلامية تطويرًا شاملًا.

والآن بدأنا العمل من أجل إنشاء لجنة خاصة لحقوق الإنسان في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهذا العمل أحد أهم نقاط الخطة العشرية لتطوير المنظمة الإسلامية والمنظمات التابعة لها، فنحن ثاني منظمة دولية على مستوى العالم بعد الأمم المتحدة من حيث عدد الأعضاء البالغ ٥٧ دولة إسلامية، ترعى مصالح أكثر من مليار وثلث المليار مسلم في جميع أنحاء العالم.

وضمن جهود المنظمة للتقريب بين المذاهب، وفي «قمة مكة» عام ٢٠٠٥م، تم -ولأول مرة في تاريخ الإسلام- المساواة بين أربعة مذاهب سُنية وأربعة مذاهب شيعية.. وعقب تلك الخطوة غير المسبوقة في التاريخ الإسلامي، نجحت المنظمة عام ٢٠٠٦م في عقد اجتماع لعلماء مسلمين من كل من المذاهب السنية والمذاهب الشيعية المعتدلة بالعراق، وتم التأليف بين قلوبهم في «مكة» ومن ثم الاتفاق فيما بينهم على وثيقة من عشر مواد ارتضاها الجميع، واعتبرت حجر الأساس ونقطة التحول بين أشقاء الدين الواحد، وأوقفت الصراع المذهبي، وحولته إلى وئام وأخوة مرة أخرى بالعراق.

استهداف السودان

  • ما دور المنظمة في الهجمة الشرسة على السودان الشقيق، والتصدي لهذه المؤامرة، وإفشال تحقيق أهدافها الخفية من تمزيق الوطن وتفريق أهله وسلب خيراته؟
  • أصدرت المنظمة بيانًا فور صدور قرار المحكمة الدولية تضمن محورين.. 

أولًا: رفض هذا القرار، وثانيًا: كيف يمكن الدول العالم الإسلامي الأعضاء بالمنظمة ومن خلال أجهزتها مساعدة السودان على تخطي هذه الأزمة.. ونحن نرى للخروج من هذه الأزمة ضرورة تأجيل تنفيذ هذا القرار إذا تعذر إلغاؤه، وأيضًا حتمية التعامل مع القرار بصورة ذكية من خلال القنوات الدبلوماسية في مجلس الأمن باعتباره الجهة الوحيدة المنوط بها إصدار قرار سياسي يُلزم المحكمة الدولية بوقف التنفيذ والانصياع لرأي المجتمع الدولي.

ومن جانب آخر، لا بد أن نعترف بأن مشكلة «دارفور» لم يتم التعامل معها منذ بدايتها، الأمر الذي أدى إلى تفاقمها ومن ثم استغلالها من قبل المؤسسات والمنظمات الدولية ضد الحكومة السودانية.. فالمسؤولون المتهمون بارتكاب جرائم لم يقدموا إلى العدالة من أجل تبرئة ساحتهم أو محاسبتهم حال إيجاد تهم حقيقية ضدهم، وعلى الحكومة السودانية العمل من أجل تنفيذ ذلك لإجلاء الموقف، وليس فقط لإرضاء تلك المنظمات الدولية وتفويت الفرصة على المتربصين بهذا البلد العربي الإسلامي.

هذا من الجانب السياسي والقانوني، أما عن الجانب الاقتصادي بهذا الإقليم الشاسع المترامي الأطراف، فيجب على الحكومة السودانية العمل بكل قوة من أجل التخفيف من آثار التقلبات المناخية التي انعكست بشكل سلبي كبير على الأوضاع الاقتصادية بالإقليم، وزادت من معاناة سكانه، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، فضلًا عن الصراعات والمعارك التي وقعت بهذه المنطقة بين الأطراف المتصارعة، فعملت على تفاقم الأزمة الغذائية بين سكانه حتى كادت أن تصل إلى حد المجاعة، وراح ضحيتها العديد من الأفراد، فضلًا عن آلاف المهجرين والمهاجرين إما بحثًا عن الغذاء أو هربًا من الحروب والصراعات أو طمعًا في ملاذ آمن.

كذلك يجب على الحكومة المركزية بالخرطوم الاستمرار في الاجتماع مع زعماء التكتلات القبلية بإقليم «دارفور»، ومواصلة الحوار والتباحث مع ممثليهم من أجل الوصول إلى حلول مرضية لجميع الأطراف؛ درءًا لإثارة المشكلات من جانب تلك الجماعات التي تجد كل المساعدة من جهات خارجية، وهي مساعدات «في ظاهرها حق يراد بها باطل» ضد السودان وشعبه.

الرابط المختصر :