العنوان (تراجم)من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة :الإمام الرباني السيد الشيخ أبو الحسن الندوي (1999م-1914/1333- 1420ه)
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 49
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 46
السبت 18-فبراير-2006
(*)الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي سابقاً
وهبه الله همة عالية وجلدًا على تحمل التبعات ونفسًا صادقة وقلبًا حيًا بالإيمان
واجه الغزو الفكري بأسلوب علمي رصين وهاجم الحضارة الغربية باعتدال يجمع بين الأصالة والمعـــاصــرة
من أقواله: «يدل التاريخ على أن الظلم كان في بعض الأحيان السبب الرئيس في انهيار المجتمعات»
مؤلفاته زادت على ال150 كتاباً بالعربية والإنجليزية والأوردية
هو العلامة الكبير والداعية الرباني سماحة الشيخ علي أبو الحسن بن عبد الحي بن فخر الدين الحسني. ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، ولد بقرية «تكية» بمديرية «راي بريلي» في الولاية الشمالية بالهند في ٦ محرم سنة ١٣٣٣ هـ / الموافق ١٩١٤ م، ونشأ في أسرة ذات أصل عربي عريق. تعلم القرآن الكريم في البيت بمعاونة أمه التي كانت من المربيات الفاضلات، تحفظ القرآن وتكتب وتقول الشعر، وأبوه هو علامة الهند ومؤرخها السيد عبد الحي بن فخر الدين الحسني صاحب المصنفات المشهورة، ومنها «نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر في تراجم علماء الهند وأعيانها».
كما كان شديد التأثر بعلماء الهند الكبار: أحمد بن عرفان الشهيد ولي الله الدهلوي والسرهندي وغيرهم. وقد وهب الله الأستاذ الندوي همة عالية، وجلدًا على تحمل التبعات ونفسًا صادقة وقلبًا حيًا بالإيمان، ولسانًا نظيفًا، وعقلًا كبيرًا وحرصًا شديدًا على تربية النشء وإعداد العلماء والدعاة، وكان فقهه الدعوي يرتكز على تعميق الإيمان في مواجهة المادية، وإعلاء الوحي على العقل، وتوثيق الصلة بالقرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية، وإشعال الجذوة الروحية والانصراف إلى البناء لا الهدم، وجمع كلمة الأمة لا تفريق صفوفها، واستحياء التاريخ الإسلامي وبطولاته، ونقد الفكرة الغربية والحضارة المادية، ونبذ القوميات والعصبيات الجاهلية، وتأكيد عقيدة ختم النبوة ومقاومة الفتنة القاديانية والتصدي للردة الفكرية، وتأكيد دور الأمة المسلمة في هداية البشرية، والشهادة على الأمم الأخرى، وبيان فضل الصحابة ومنزلتهم لأنهم الجيل المثالي في هذه الأمة، والاهتمام بقضية فلسطين، لأنها قضية المسلمين جميعًا، والعناية بالتربية الإسلامية الحرة التي تستمد فلسفتها من الإسلام وترشيد الصحوة الإسلامية، والاهتمام بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
شيوخه
وقد تعلم العربية على الشيخ خليل الأنصاري اليماني، واللغة وأدابها من عمه الشيخ عزيز الرحمن وعمه محمد طلحة، ثم توسع فيها وتخصص على الأستاذ الدكتور تقي الدين الهلالي سنة ١٩٣٠ م. كما درس اللغة الإنجليزية والتحق بدار العلوم لندوة العلماء، وحضر دروس التفسير والحديث والفقه للمشايخ: حيدر حسن خان، خليل الأنصاري، شبلي الأعظمي، عبد الرحيم الفاروقي، أحمد علي اللاهوري، حسين أحمد المدني، إعزاز علي أصغر علي وغيرهم.
أعماله ونشاطه حياته العملية
في سنة ١٩٣٤ م عيّن مدرسًا في دار العلوم لندوة العلماء، حيث درس التفسير والحديث والأدب العربي وتاريخه واستفاد من الصحف العربية، حيث عرف أحوال العالم العربي واستفاد من كتب المعاصرين من الدعاة والمفكرين العرب، وكان يكتب في مجلة «الضياء» العربية الصادرة من الهند.
وقام برحلة استطلاعية للمراكز الدينية في الهند، وتعرف على الشيخ عبد القادر الراي بوري، والداعية محمد إلياس الكاندهلوي، وفي سنة ١٩٦١ م أختير أمينًا عامًا لندوة العلماء، وشارك في تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند سنة ١٩٦٤ م، وتأسيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند سنة ١٩٧٢ م. كما كان عضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والمجلس الأعلى العالمي للدعوة الإسلامية بالقاهرة، ورئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ورئيس المجمع الإسلامي في لكنهؤ «الهند». ورئيس مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية ببريطانيا، وعضوية مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة والأردن، ورابطة الجامعات الإسلامية بباكستان. وحصل على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام سنة ١٤٠٠ هـ، وشارك في المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية الذي عُقد بالدوحة بقطر سنة ١٤٠٠ هـ، كما حاز على جائزة الشخصية الإسلامية الأولى لعام ١٤١٩ هـ في دبي.
نشر أول مقال له بالعربية في مجلة «المنار» لصاحبها رشيد رضا سنة ١٩٣١ م حول حركة الإمام السيد أحمد بن عرفان الشهيد، وظهر له أول كتاب بالأوردية سنة ۱۹۳۸ م، وكان أول كتبه بالعربية سنة ١٩٤٠ م کتاب «مختارات في أدب العرب» ثم «قصص النبيين» و «القراءة الراشدة» وفي سنة ١٩٤٤ م بدأ تأليف كتابه المشهور « ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»
منهجه وأسلوبه
كان يدعو إلى العودة إلى الإسلام في عصر غلبة الأفكار الأجنبية، فواجه الغزو بأسلوب علمي رزين مقنع، وهاجم الحضارة الغربية بأسلوب معتدل بين الأصالة والمعاصرة، فلم يكن يدعو إلى الرفض الكامل للحضارة الغربية، ولا إلى القبول الكامل، وإنما كان منهجه الجمع بين القديم والجديد.
رحلاته الدعوية
رحلته الأولى كانت في ربوع الهند سنة ۱۹۳۹ م، حيث طاف في معظم أنحاء البلاد، ثم في سنة ١٩٤٧ م كانت رحلته للحج الأول مرة ثم أتبعها برحلة أخرى سنة ١٩٥١ م. عرج بعدها إلى القاهرة، حيث سعدنا بلقائه، وكنا وقتها طلبة في كليات الأزهر «يوسف القرضاوي، أحمد العسال، محمد الدمرداش، عبد الله العقيل، وياسين الشريف»، وكنا نكثر التردد عليه ونصحبه في زياراته للعلماء والأدباء والمفكرين والأندية والجمعيات ونحضر محاضراته و دروسه العامة والخاصة، وبخاصة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كان يقضي معظم وقته في لقاءات مع قاداتها ومسؤوليها ومفكريها وشبابها وطلابها ويزور مراكزها في القطر المصري، وقد التقى بمصر بالمشايخ: عبد المجيد سليم، محمود شلتوت، أحمد محمد شاكر، حسنين محمد مخلوف، حامد الفقي، محمد عبداللطيف دراز، محمد فؤاد عبدالباقي، مصطفى صبري، محمد الشربيني، محمد يوسف موسى، أحمد عبد الرحمن البنا «والد البنا»، كما التقى بمفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني، والأمير بطل الريف عبد الكريم الخطابي، واللواء صالح حرب، وسيد قطب، ومحب الدين الخطيب، وأحمد الشرباصي، ومحمد الغزالي، وسعيد رمضان، وصالح عشماوي، وعبد الحكيم عابدين، والبهي الخولي، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، وعباس محمود العقاد وغيرهم.
ثم سافر إلى السودان والشام والقدس والأردن، وكانت له لقـاءات وندوات ومحاضرات وقد طبعت مذكراته لهذه الرحلة بعنوان: «مذكرات سائح في الشرق العربي»، حيث مكث بمصر ستة أشهر، ثم أتبع ذلك في رحلات أخرى إلى لبنان وتركيا والكويت والإمارات وقطر وأفغانستان وإيران والعراق واليمن والمغرب الأقصى والجزائر وبورما وباكستان وسريلانكا وبنجلاديش وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وأمريكا وكندا وماليزيا وطشقند و سمرقند وبخارى وغيرها.
معرفتي به
أول معرفتي به كانت بمصر حين زارنا سنة ١٩٥١ م، حيث كنت مرافقًا له في معظم زياراته للأشخاص والهيئات والمحاضرات والندوات، وقد فاجأني في أول لقاءات بأنه تعرف علي من خلال كتاب زميله مسعود الندوي «شهور في ديار العرب» الذي حكى فيه عن زيارته للعراق سنة ١٩٤٩ م ولقائه معنا في البصرة والزبير مع إخواني عبد العزيز الربيعة وعبد الواحد أمان وعبد الهادي الباحسين وسررت بهذه المعرفة، وسر هو بهذا اللقاء وشرفني في البيت الذي أسكنه بالقاهرة مع زميلي يعقوب الباحسين وتناول طعام الغداء من صنع أيدينا وأثنى عليه.
وقد رافقته في زيارة الغزالي والبهي الخولي، وسعيد رمضان، وصالح عشماوي، وعبد الحكيم عابدين، وجمعية الشبان المسلمين والمحكمة، ولقاءات طلبة البعوث بالأزهر، وشباب الإخوان المسلمين ومكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين، حيث ألقى كلمة فيهم بعنوان: أريد أن أتحدث إلى الإخوان كان لها أكبر الأثر في نفوسهم وعلق عليها الأستاذ عبد الحكيم عابدين بالثناء الحسن والشكر الجزيل، وبقيت ملازمًا له حتى غادر مصر، وكانت تلك من أسعد الأيام، حيث انتفعنا بتوجيهاته وعلومه ونصائحه وخبرته وتجاربه.
ثم تتابعت لقاءاتي معه بعد ذلك في الكويت، حيث زارني في البيت وحضر الندوة الأسبوعية وتكلم عن الإخوان المسلمين، وأثنى عليهم، كما التقيته في السعودية والأردن والهند عشرات المرات ولم تنقطع الصلة به حتى وفاته رحمه الله.
مؤلفاته
وهي كثيرة جدًا باللغة العربية والإنجليزية والأوردية تجاوزت المائة والخمسين كتابًا ورسالة، نذكر أهمها بالعربية هي:
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين مذكرات سائح في الشرق العربي، الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة، أريد أن أتحدث إلى الإخوان، أحاديث صريحة مع إخواننا العرب والمسلمين، إذا هبت رياح الإيمان، الإسلام أثره في الحضارة وفضله على الإنسانية، أسبوعان في المغرب الأقصى، إلى الإسلام من جديد، بين الدين والمدينة، تأملات في القرآن الكريم، التربية الإسلامية الحرة، التفسير السياسي للإسلام، حديث مع الغرب، الداعية محمد إلياس الكاندهلولي، رجال الفكرة والدعوة في الإسلام، رسائل الإعلام، رسالة التوحيد، روائع إقبال، روائع من أدب الدعوة في القرآن والسيرة، سيرة خاتم النبيين، السيرة النبوية، شخصيات وكتب، الصراع بين الإيمان والمادية، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، صورتان متضادتان، الطريق إلى السعادة والقيادة، الطريق إلى المدينة المنورة، العرب والإسلام، العقيدة والعبادة والسلوك، في مسيرة الحياة، القادياني والقاديانية، كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز والجزيرة العربية؟، مختارات من أدب العرب، المدخل إلى الدراسات القرآنية، سيرة علي بن أبي طالب، المسلمون في الهند، المسلمون وقضية فلسطين، من نهر كابل إلى نهر اليرموك، موقف العالم الإسلامي من الحضارة الغربية، النبوة والأنبياء في ضوء القرآن، نظرات في الأدب، نفحات الإيمان بين صنعاء وعمان، أحاديث صريحة في أمريكا، الإسلام والمستشرقون، أضواء على الحركات والدعوات الدينية والإصلاحية، أحمد بن عرفان الشهيد، أمريكا وأوروبا وإسرائيل، ترشيد الصحوة الإسلامية، حاجة البشرية إلى معرفة صحيحة ومجتمع إسلامي، الحضارة الغربية الوافدة وأثرها في الجيل، الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها، الدعوة والدعاة مسؤولية وتاريخ، دور الإسلام الإصلاحي، دور الجامعات الإسلامية المطلوب في تربية العلماء وتكوين الدعاة، دور الحديث في تكوين المناخ الإسلامي وصيانته، ربانية لا رهبانية، شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال، صلاح الدين الأيوبي، عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي، غارة التتار على العالم الإسلامي وظهور معجزة الإسلام، فضل البعثة المحمدية على الإنسانية، القرن الخامس عشر الهجري الجديد في ضوء التاريخ والواقع، قصص من التاريخ الإسلامي، قصص النبيين، قيمة الأمة الإسلامية بين الأمم، محمد رسول الله صاحب المنة الكبرى على العالم، المدخل إلى دراسات الحديث، المد والجزر في تاريخ الإسلام، المسلمون تجاه الحضارة الغربية، المسلمون ودورهم مع الإسلام، موقف المسلم إزاء أسلافه الجاهليين، النبي الخاتم، نظرات على الجامع الصحيح للإمام البخاري، واقع العالم الإسلامي وما هو الطريق السديد لمواجهته وإصلاحه، دراسة للسيرة النبوية من خلال الأدعية المأثورة المرورية، أزمة إيمان وأخلاق، الإسلام فوق القوميات والعصبيات، الإسلام في عالم متغير، الإسلام والحكم، الإسلام والغرب، أسمعوها مني صريحة أيها العرب، اسمعي يا إيران، اسمعي يا زهرة الصحراء، اسمعي يا سورية، اسمعي يا مصر، أكبر خطر على العالم العربي، قطع العرب عن الإسلام، إلى الراية المحمدية أيها العرب، إلى شاطئ النجاة، إلى ممثلي البلاد الإسلامية، الأمة الإسلامية وحدتها ووسطيتها وآفاق المستقبل، بين الجباية والهداية، بين الصورة والحقيقة، بين نظرتين، حكمة الدعوة وصفة الدعاة، ردة ولا أبا بكر لها، رسالة سيرة النبي الأمين إلى إنسان القرن العشرين، إلى عشرات الرسائل والكتيبات والمحاضرات التي لا يمكن حصرها في هذه العجالة.
من أقواله
يدل التاريخ على أن الظلم كان في بعض الأحيان السبب الرئيس لانهيار المجتمعات ولاندثار الامبراطوريات، وانطفاء نورها والقضاء على ما تكون فيها من حضارة وثقافة وما نشأ فيها من ثروة علمية وأدبية.
«إن الإسلام دين حي ورسالة خالدة، إنه كالحياة نفسها، وخالد كخلود الحقائق الطبيعية ونواميس الحياة، إنه تقدير العزيز العليم، وصنع الله الذي أتقن كل شيء وقد ظهر في شكله النهائي وطوره الكامل وأعلن يوم عرفة: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِیناۚ﴾ (المائدة: ٣) فهو يجمع بين الكمال الذي لا انتظار بعده لدين آخر، ولا حاجة معه الرسالة جديدة.
«لم يكن انحطاط المسلمين أولًا، وفشلهم وانعزالهم عن قيادة الأمم بعدها، وانسحابهم من ميدان الحياة والعمل أخيرًا، حادثًا من نوع ما وقع وتكرر في التاريخ من انحطاط الشعوب والأمم، وانقراض الحكومات والدول وانكسار الملوك والفاتحين وانهزام الغزاة المنتصرين وتقلص المدنيات والجزر السياسي بعد المد، فما أكثر ما وقع مثل هذا في تاريخ كل أمة، وما أكثر أمثاله في تاريخ الإنسان العام، ولكن هذا الحادث كان غريبًا لا مثيل له في التاريخ، مع أن في التاريخ مثلًا وأمثلة في كل حادث غريب»
قائمة مشرفة
إن لهؤلاء المجاهدين الدعاة المصلحين قائمة مشرفة يتجمل بها تاريخ الإصلاح والدعوة، ولا يخلو منهم زمان أو مكان، وقد كان الإمام الشهيد حسن البنا من هذه الشخصيات التي هيأتها القدرة الإلهية، وصنعتها التربية الربانية، وأبرزتها في أوانها ومكانها، وإن كل من يتعرف على سيرة هذا الرجل وهو سليم الصدر، مجرد الفكرة بعيدًا عن العصبية والمكابرة، يقتنع بأنه رجل موهوب مهيأ، وليس من سوانح الرجال ولا صنيعة بيئة أو مدرسة، ولا صنيع تجربة أو ممارسة، إنما هو من صنائع التوفيق والحكمة الإلهية والعناية بهذا الدين وبهذه الأمة، والغرس الكريم الذي يهيأ لأمر عظيم ولأمل عظيم، في زمن تشتد إليه حاجته وفي بيئة تعظم فيها قيمته.
إن هذه الشخصية جمع الله فيها مواهب وطاقات هي: العقل الهائل النير والفهم المشرق الواسع والعاطفة القوية الجياشة والقلب المبارك الفياض والروح المشبوبة النضرة واللسان الذرب البليغ والزهد والقناعة والنفس الولوعة الطموح والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة والتواضع في كل ما يخص النفس.
وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيرًا، وأكثر إنتاجًا منها منذ قرون.
قالوا عنه
المحبون للندوي لا يحصى عددهم، والمتأثرون به على الساحة العربية والإسلامية لا يمكن حصرهم، والذين كتبوا عنه وأشادوا بفضله لا تحيط بهم ذاكرتي وأكتفي بأربعة فقط:
يقول عنه د. عبد القدوس أبو صالح: تبكي الأمهات والآباء فلذات أكبادهم لما أودع الله في قلوبهم من حب وحنان، ويبكي الناس عظماء الأمة، من حاكم عادل في حكمه، أو عالم متفوق في مجاله، أو تقي يشهد له الناس بالتقوى، ولكن قلما يكون في الأمة رجال مثل أبي الحسن، يجمعون بين محبة الناس وتقدير الحكام، وبين التفوق في شتى المجالات، فهو الفقيه المتمكن، والداعية المتفرد، والمربي الجليل والمفكر الأمين، والخطيب المفوه، والأديب الذواقة إنه الرجل الذي ألقى الله محبته في سويداء القلوب، ووهبه فراسة المؤمن، وحكمة الشيخ المجرب، وتوقد القلب الحي النابض، وتقوى العابد الزاهد، فلا عجب بعد ذلك أن يكون أمة في رجال، وأن يكون حقًا بركة عصره وفريد دهره.
ويقول عنه الشيخ د.يوسف القرضاوي: «هو شخصية ثرية متعددة المواهب متنوعة العطاء، فهو إمام من أئمة الدعوة، وعلم من أعلام الإصلاح، ونجم من نجوم الهداية، وجبل من جبال العلم، ورائد من رواد الربانية وقائد من قادة الإسلام.
كان أحد الرجال الربانيين الذين يدلك على الله منطقهم، ويذكرك بالآخرة سلوكهم، ويزهدك في الدنيا حالهم، وهو بطبيعته رجل معتدل في تفكيره، وفي سلوكه وفي حياته كلها، فهو قديم جديد وهو تراثي وعصري وهو سلفي وصوفي في لين الحرير وصلابة الحديد».
زارنا في قطر، وكان يشكو قلة موارد دار العلوم بندوة العلماء، فاقترح عليه البعض زيارة بعض التجار وطلب العون منهم، فرفض الندوي ذلك وقال: إن هؤلاء القوم مرضى ومرضهم حب الدنيا، ونحن أطباؤهم، فكيف يستطيع الطبيب أن يداوي مريضه إذا مد يده إليه يطلب معونة؟
ويقول عنه الدكتور محمد رجب البيومي: كان أشد ما يلفتني في سيرة أبو الحسن أنه أشرق في محيط العالم الإسلامي بدرًا مكتملًا، فعهدنا بصاحب الفكرة، وعاشق البحث أن يتتبع سنة التطور، فيبدو ناشئًا صغيرًا ثم تمر به الأعوام حتى يكتمل نضوجه، كما يبدو البدر في أول الشهر هلالًا، ثم يسير نحو الكمال، حتى يكتمل إشراقه في الليلة الرابعة عشرة، ولكن أبا الحسن أصدر كتابه باللغة العربية «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» في مطلع حياته الفكرية، فكان حدثًا هائلًا في دنيا الفكر، لأنه رج القراء رجًا، وكأنه نفخ في الصور فأحيا نفوسًا وأشعل أرواحًا، وأخذ الناس يقرأون مبهورين يخافون أن تنفد صفحات الكتاب.
ويقول عنه الأديب العلامة علي الطنطاوي: «قد يشتغل غير العربي بعلوم العربية حتى يكون إمامًا فيها، في اللغة والنحو والصرف والاشتقاق، وفي سعة الرواية، بل إن أكثر علماء العربية كانوا -في الواقع- من غير العرب، ولكن من النادر أن يكون فيهم من له هذا الذوق الأدبي الذي نعرفه لأبي الحسن الندوي، فلو لم تثبت عربيته بصحة النسب لثبتت بأصالة الأدب.
وصيته
كتب فيما كتب بمكة المكرمة يقول: اسمعوها مني صريحة أيها العرب: بالإسلام أعزكم الله، لو جمع لي العرب في صعيد واحد، واستطعت أن أوجه إليهم خطابًا تسمعه أذانهم، وتعيه قلوبهم لقلت لهم: أيها السادة إن الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد العربي هو منبع حياتكم، ومن أفقه طلع صبحكم الصادق، وإن النبي- صلى الله عليه وسلم- هو مصدر شرفكم وسبب ذكركم، وكل خير جاءكم. بل كل خير جاء العالم. فإنما على طريقه وعلى يديه، أبى الله أن تتشرفوا إلا بانتسابكم إليه، وتمسككم بأذياله، والاضطلاع برسالته، والاستماتة في سبيل دينه، ولا راد لقضاء الله، ولا تبديل لكلمات الله، إن العالم العربي بحر بلا ماء كبحر العروض، حتى يتخذ سيدنا محمد ﷺ إمامًا وقائدًا لحياته وجهاده، وينهض برسالة الإسلام، كما نهض في العهد الأول، ويخلص العالم المظلوم من براثين مجانين أوروبا الذين يأبون إلا أن يدمروا المدنية ويقضوا على الإنسانية القضاء الأخير، بأنانيتهم واستكبارهم وجهلهم. ويوجه العالم من الانهيار إلى الازدهار، ومن الخراب والدمار والفوضى والاضطراب إلى التقدم والانتظام والأمن والسلام، ومن الكفر والطغيان إلى الطاعة والإيمان، وإنه حق على العالم العربي سوف يسأل عنه عند ربه، فلينظر بماذا يجيب؟
وفاته
ذلكم هو الإمام الندوي وتلك هي سيرته بإيجاز، غادر دنيانا إلى الدار الآخرة يوم الجمعة ٢٣ رمضان ١٤٢٠ هـ الموافق ۳۱ / ۱۲ / ۱۹۹۹ م، في قرية «راي بريلي» القريبة من مدينة لكنهؤ بالهند. وكان ذلك قبل صلاة الجمعة، حيث توضأ واستعد للصلاة، وشرع يقرأ سورة الكهف.
وبوفاته يكون خامس العلماء الكبار الذين فقدتهم الأمة الإسلامية في عام واحد، وهم: علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز، وأديب الفقهاء وفقيه الأدباء العلامة الأستاذ علي الطنطاوي، والفقيه الكبير المجدد العلامة مصطفى الزرقاء، والمحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل