العنوان تربية العارفين "لا تقض دينًا بدين"
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 75
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 20-أبريل-1993
لله خواص من عباده ألهم قلوبهم
المعرفة، وأجرى على ألسنتهم الحكمة، ورزقهم الإخلاص والورع، والزهد في متاع الدنيا
وزخرفها. صفت قلوبهم فلم تتكدر مشاربهم، وسمت أرواحهم فهان لديهم كل عظيم سوى الله
-عز وجل- لا يتوانون في إسداء النصيحة وقول الحق، مهما عظمت منزلة من يخاطبون؛ لأن
غايتهم إرضاء الله -عز وجل- والنجاة من عذابه ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا
بَنُونَ﴾ (الشعراء: 88). كل همهم أن يعرف الناس الغاية من خلقهم، والحكمة من
إيجادهم؛ فيؤدون ما هو مطلوب منهم، مما يعلي منزلتهم عند خالقهم سبحانه وتعالى
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ
مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذريات: 56-57).
وكل أعمال المسلم عبادات متى أخلص
النية، وأحسن القصد، واتبع المشروع من الوسائل. تولى الله -تعالى- تربيتهم، ورزقهم
العقل والفهم، وهيأ لهم أسباب القرب منه، حماهم من كل ما يشغلهم عن خالقهم، وصرف
عنهم كل ما يقطعهم عن أسباب الأنس بجنابه، وإناخة مطيهم ببابه. إنهم أحبابه لا ترد
لهم دعوة، ولا يحجبون عن مسألة، ولا يخيب لهم رجاء؛ هم أهل طاعته الأدنون، وخاصته
المجتبون، بنوره ينظرون، وبشرعه يتكلمون، جعل الحق في قلوبهم فجرى على ألسنتهم، لا
يمنعهم من الجهر به رغبة ولا رهبة، فهم في أنفسهم سلاطين فوق السلاطين، وملوك يترفعون
أن تقبل الملوك أيديهم، يتنعمون بكنف الإيمان، ويجنون ثمرات الأنس والمناجاة لذات
لو عرفها الجبابرة لقاتلوهم عليها بالسيوف.
لقد تكفل الله -سبحانه- ألا يخلي من
هذا الصنف المميز مكانًا من الأرض، ولا جيلًا من الناس: «ولا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وهم -في غالب
حالهم- ليس لهم شارة تميزهم، ولا مركز يلفت الأنظار إليهم، بل ربما كان الواحد
منهم ممن تزدريه الأعين لرثاثة ملبسه، أو تنصرف عنه الوجوه لتواضع مكانته؛ إذا حضر
لا يعرف، وإذا غاب لا يذكر، رغم أنه عند الله -تعالى- عظيم جد عظيم. وصفهم لنا
المعصوم -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على
الله لأبره» (متفق عليه).
وكيف لا يبر الله -تعالى- قسم من قصر
همه على طاعته، وحصر جهده في تبليغ شريعته ونشر دعوته، وبيان مكارم الأخلاق،
ومحاسن الأفعال، وتوجيه الناس إلى حقائق الأشياء، وعدم الانخداع بمظاهرها، أو
الوقوف عند ظواهرها. فكم من ضال على يديهم اهتدى، وكم من مفسد أصاب فساده البلاد
والعباد، ردوه إلى حظيرة الهدى ورحابة الإيمان، حتى غدا ممن يشار إليهم بالبنان في
سلامة الحال، وطهارة الطوية، ونشر الخير والرشاد. وكم من حاكم أعماه السلطان،
فتجبر وبغى، وجار واعتدى، ثم ترك أبهة الملك، وترف العيش، ومظاهر الخدمة والوجاهة،
والأتباع والخدم والحشم، عندما أسمعوه صوت النذير ﴿إِنَّ رَبَّكَ
لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 14). وكم من مسرف على نفسه، أرخى لها عنان الشهوات حتى
قادته إلى المهالك، وأوردته موارد التلف، وأحكمت حوله حبالًا لا يقوى معها على
فكاك، فألف ذل المعصية، وخنع لبؤس الشقاء، ثم جاءته النجاة على أيديهم بصوت البشير
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (الزمر: 53-54)، فهب كأنما نشط من
عقال، وأقبل على مولاه بقلب كسير، وأمل كبير يقلقه الخوف، ويدنيه الرجاء، فما هي
إلا لمحة حتى تمت «الصلحة»، وفتحت الأبواب، وانزاح الحجاب عمن ارتمى على الأعتاب،
ولزم الجناب، فغدا من زمرة الأحباب، ولسان الحال يناديه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَحِيمًا﴾ (النساء: 110).
لقد كانت مواعظهم تنبع من قلوبهم،
ونصائحهم مبعثها الإخلاص وأداء الواجب، لا يشوبها شيء من علائق الدنيا أو أغراضها؛
فلا عجب أن تأخذ بالألباب، وتستقر في القلوب.
ومن هذه الأمثلة الرائعة ما ذكره ابن
عساكر في كتابه «تاريخ دمشق الكبير» عن الفضل بن الربيع قال: حججت مع أمير
المؤمنين هارون الرشيد، فمررنا بالكوفة، فإذا ببهلول المجنون قاعد يهذي، فقلت له:
اسكت، قد أقبل أمير المؤمنين؛ فسكت. فلما جاء الهودج قال: يا أمير المؤمنين، حدثني
أيمن بن نابل، حدثنا قدامة بن عبدالله العامري، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه
وسلم- بمنى، على جمل يقوده رجل رث الثياب، فلم يكن ثم طرد، ولا ضرب، ولا إليك،
إليك! فقال الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، إنه بهلول المجنون. قال: قد عرفته
وبلغني كلامه، قل يا بهلول. فقال له: يا أمير المؤمنين:
هب
أنك ملكت الأرض طرا ودان لك
العباد فكان ماذا؟
أليس
تصير في قبر ويحوي تراثك بعد هذا
ثم هذا؟
فقال الرشيد: أجدت يا بهلول، فزدني.
قال: نعم يا أمير المؤمنين، من رزقه الله جمالًا ومالًا فعف في جماله، وواسى في
ماله، كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال له: قد أمرنا أن
نقضي دينك. فقال بهلول: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقض دينًا بدين، اردد الحق
إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك؛ فإن نفسي هذه نفس واحدة، وإن ملكت -والله- ما
انجبرت عليها. قال الرشيد: فإنا قد أمرنا أن نجري عليك عطاءً. قال: لا تفعل يا
أمير المؤمنين، إن الله لا يعطيك وينساني، لا حاجة لي في عطائك، ثم تركه وانصرف.
عبر وعظات
يحرص أتباع السلطان دائمًا على ألا
ينفذ إليه من أمر الرعية إلا ما يحبون، وألا يسمع من القول إلا ما يزيدها إعجابًا
بنفسه، ورضا عمن حوله وقناعة بواقعه؛ لذلك حرص الفضل على إسكات بهلول، وتنحيته عن
طريق الخليفة، فلما فشل في ذلك استخف به، وهون أمره: إنه بهلول المجنون! فكأنه
يقول للرشيد: إن وقتك أثمن من أن يضيع في الإصغاء لكلامه، وسماع هذيانه.
موقف الرشيد
لقد كان عقل الرشيد من الرجاحة بحيث
لم يصرفه كلام الفضل عن الإفادة مما يلقى إليه، بل طلب منه المزيد؛ لأنه يعلم أن
هذا النوع من الرجال قد ألهم الله قلوبهم الحكمة، وسخرهم لهداية الناس ونصحهم، وهم
لا يبتغون من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا، ويعلم كذلك أن ترفع الإنسان عن سماع
النصيحة، وعدم الإصغاء إلى الموعظة نقص في العقل، وانحدار في الفكر، لا تليق بآحاد
الناس، فضلًا عن عظمائهم، ولهذا لم يعرض عنه، وإنما تحرش به ودعاه إلى المزيد من
الكلام.
كياسة الناصح
كلما زاد حظ الداعية من اللباقة
والكياسة، كلما اقترب من هدفه وأثمر جهده، ومالت إليه القلوب، وأصبح لكلامه وقع،
ولوعظه تأثير. ومن اللباقة أن يتلطف الداعية بتبليغ ما يريد، فلا يجبه المخاطب
بغليظ القول، ولا بتقطيب الجبين، وليقدم بين يدي كلامه من أحوال المصطفى -صلى الله
عليه وسلم- ومن سيرة السلف -رضوان الله عليهم- ما يمهد القبول لما يأمر به أو ينهى
عنه؛ لأن النفوس تتطامن أمام عظمة هؤلاء العظماء، والقلوب تخشع وتتأسى بكريم
فعالهم. ثم يلفت الأنظار إلى النتائج التي سيجنونها من واقعهم، دون المبالغة في ذم
الواقع وتشنيعه؛ فليس من الكياسة أن ينغص على الناس حياتهم، ويكرههم في عيشهم، بل
يوجههم لأن يأخذوا من العيش أحسن وأطهر ما فيه، وما يعلي منزلتهم عند ربهم، ويخفف
حسابهم يوم يعرضون على الله، ويذكرهم بحسن استغلال النعم والإفادة منها،
واستعمالها فيما خلقت له، فيبين لهم أن من رزقه الله جاهًا ومكانةً بين الناس، فإن
شكر ذلك في تسخيره لإغاثة الملهوف وعون المحتاج وإجابة المضطر، والسعي -على قدر
الاستطاعة- في قضاء حاجات ذوي الحاجات؛ حيث أن أجر الساعي في حاجة أخيه يفوق أجر
المعتكف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك المال.. فإنه من جلائل النعم،
فمن آتاه الله سعة منه؛ فليؤد حقوق واهب النعمة، وليجعله سبيلًا إلى فك العاني،
وإطعام الجائع، وحمل الكل، وإكساب المعدوم، وستر ذوي المروءات ممن جارت عليهم
الأيام، وحلت بهم النكبات، وأن يبذله بخاصة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا
يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة: 273). ويحذره كل الحذر من أن يملك
المال قلبه، ويوجه دفة حياته، فيكون مثله مثل بهيمة مرت بواد خصيب، فلم يكن همها
إلا الشبع، وإنما حتفها في الشبع.
وعلى الداعية أن ينوع الخطاب بما
يلائم حال المخاطبين علمًا وثقافةً، غنىً وفقرًا، خلقًا وعقلًا، منصبًا وجاهًا،
ويوجه كلًا إلى ما تقتضيه حاله، وما يتفق مع وضعه وإمكاناته؛ فيواسي الفقير، ويجبر
كسر قلبه، ويحثه على الرضا والقناعة، والضرب في الأرض للعمل والكسب، والتماس
الوسائل والأسباب، ويحث الغني على البذل وكل ما يقربه إلى الله. ويذكر الجميع
بعظمة الخالق، واطلاعه على القلوب والنوايا، وأنه -تعالى- لا يهمل ولا يغفل، وقبل
هذا وبعده يجدر بالداعية أن يكون صادقًا مع نفسه، مخلصًا في قوله وفعله.
وهذا ما فعله البهلول مع الرشيد، فقد
أفهمه -بلباقة- أن حاله مخالف لهدي المصطفى الذي وقف في حجه بين الناس، لم ينفرهم
أحد عن طريقه، ولا زاحمهم في مواقفهم التي سبقوا إليها، وألان له القول، فلفت نظره
إلى نهاية ما هو فيه أنه القبر، ثم يوزع تراثه بين المحبين والمبغضين!
أليس الأجدر به أن يحرص على نفسه
لينجو يوم الفزع الأكبر ويكتب في ديوان الأبرار؟ ولا سبيل إلى هذا إلا إذا اتخذ
تقوى الله -تعالى- شعارًا ودثارًا، وحافظ على أموال الأمة فلم ينفقها في غير
مصالحها.
وأعظم ما في هذه النصيحة أنه ترفع عن
أخذ شيء من عطاء الرشيد، وأشعره أنه إنما فعل ذلك ثقة بما عند الله: «إن الذي
أعطاك لن يحرمني». فلكل إنسان رزقه المقدر كأجله المحتوم: «لن تموت نفس حتى تستوفي
رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب».
ونحن على يقين أن في صفوف الدعاة من
يتحلى بهذه الصفات، ويؤثر ما عند الله على كل ما سواه، ولا يعطي الدنية من نفسه،
مهما كانت المغريات، فمن هؤلاء ننشد المزيد ليكونوا أمثلة تحتذى، ومنارات تدل على
الخير والهدى، ونطالب من سواهم بجميل الاتباع، وحسن الأسوة، ليفوز الجميع ﴿فِي
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30).
سدد الله الخطى، ووفق الجميع.
اقرأ أيضًا: