العنوان تربية (العدد 558)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1982
مشاهدات 55
نشر في العدد 558
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-يناير-1982
عقيدتنا حركية
قبل أن ندخل الفلسفة والسفسطة والمنطق في الدراسات الإسلامية لتصبح قضايا نظرية، كانت العقيدة تزكية للنفس وطهارة للمجتمع وعدالة في النظم الإدارية للدولة الإسلامية، كانت العقيدة سهلةً واضحةً لا تحتاج إلى هذه الأبحاث المطولة الغامضة، ولا تحتاج إلى هذه الفرق الكلامية، التي فرقت الأمة ومزقت جهودها في منازعات ومهاترات، غايتها الوصول إلى الجاه والسلطان وحب الغلبة على الخصوم والتعالي على الأقران.
إذا سمع العربي بالشهادتين، فإما أن يؤمن بهما ويبذل حياته وماله في سبيلهما، وأما أن يكفر بهما ويبذل راحته وأمنه وماله لمحاربتهما.
عقيدة سهلة واضحة، لا تحتاج إلى أين ذات الله، ولا كيفيتها، ولا هل الصفات من الذات أم خارج عنها، وهل يد الله ثابتة أم منفية وعين الله وقدمه إلخ. هذه الآيات الواردة في القرآن، وهم يرون يد الإنسان لا تشبه يد الفيل أو النملة، وكذلك بقية الجوارح للمخلوقات لا تشبه بعضها بعضًا.
وانتشر الإسلام في ربوع العالم بهذه البساطة وهذا الوضوح. فلما اختلطت المفاهيم الإسلامية في البلاد المفتوحة، وأصبح النطق بالشهادتين بلا دلالة ترسخ في القلب ويتحول إلى واقع، لم يعد التلفظ بالشهادتين أثرًا على حياة المسلم والمجتمع الإسلامي -إلا من رحم ربك- وكلما تقدم الزمن على الأمة الإسلامية في عصور التأخر والجمود والجهل بحقائق الدين؛ كلما زاد المسلمون بعدًا عن معنى الشهادتين، وكلما دخلت المفاهيم الجاهلية وقيمها ووجودها إلى المسلمين؛ زادوا جهلًا بالإسلام وقيمه ومفاهيمه.
ونتيجة ذلك إن غزي المسلمون في عقر دارهم من التتر والصليبيين، وكانت كارثة على المسلمين بضياع الأندلس وسقوط بغداد والمسجد الأقصى مائة عام تحت وطأة الكفر والضلال. ثم أحيانا الله بالإسلام مرة ثانية، وعاد مجد الإسلام عاليًا، وحكمه مسيطرًا وعلمه مرفوعًا. وهذه المرة الثانية غزي المسلمون بالاستعمار الغربي وهم أجهل خلق الله بمعنى لا إله إلا الله وآثار الجمود والتخلف العقلي والروحي بين المسلمين وبقيت العلوم الإسلامية نظرية لا واقعية وأبحاثًا مطولة لا علاقة لها بالحياة الخاصة والعامة، وظن المسلم أنه بقي على إسلامه وهو يعادي أنصار الله في خدمة الاستعمار، وحربًا على هذا الدين في فكره وسلوكه ولباسه وعاداته الغربية الكافرة، ظن أنه بقي على إسلامه لأنه ينطق بالشهادتين وما علم أنه خلع رقبة الإسلام من عنقه.
وقد أجمع الصحابة - رضوان الله عليهم - مع أبي بكر الصديق أن مانع الزكاة مرتد عن دينه وإن نطق بالشهادتين، وقاتلهم كما يقاتل الكفار؛ لأن من حق لا إله إلا الله طاعة الله تعالى في كل ما أمر، والبعد عما نهي عنه، فمن منع الزكاة وترك الصلاة وحكم بغير حكم الله واتخذ نفسه ربًّا وإلهًا على البشر، يأمرهم بغير أمر الله؛ فقد كفر كفرًا بواحًا، فيه دليل من شرع الله.
فالشهادتان لا تنفع إلا من عرف وعمل بمدلولهما نفيًا وإثباتًا لله وحده، أما من قالها من غير علم ولا عمل بمدلولهما؛ فلا تنفعه في الآخرة ولا تدخله الجنة. وقد نعى الله سبحانه وتعالى على المشركين الذين يعبدون ما كان آباؤهم يعبدون بلا علم سليم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ﴾ فعقيدة لا إله إلا الله بمعناها الوارد في كتاب الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فلا حكم للهوى على سلوك المسلم وإلا كان ممن قال تعالى فيهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًاۗ﴾ (الفرقان: ٤٣).
فالمسلم من استجاب الله وخضع لأوامره في أعماله وسلوكه لا تبعًا لهواه ومصلحته الذاتية. فالعقيدة تطهر النفس من الاستجابة لدواعي الغرائز، وتزكي سلوكه من الرياء والغش والخداع، والتضليل، والكذب، والمكر. ولذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فالأخلاق في الإسلام جزء لا يتجزأ من العقيدة، فمن كانت عقيدته بـ «لا إله إلا الله» قوية مفهومة واضحة؛ كان خلقه متينًا، ومن صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ وذلك أثر العقيدة في –النفس الإنسانية التربيةوالتقويم.
وكذلك لا حكم لبشر على بشر، ولا سيطرة لأحد على أحد. فلا قانون ولا دستور من البشر على البشر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فجميع القوانين البشرية ساقطة في نظر المسلم، لا تصلح للحياة البشرية، وليس لها أي تقدير أو مكانة في نفسه. وذلك ما قاله الله سبحانه وتعالى على لسان فرعون لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: 29)، ولم يخضع موسى لألوهية فرعون المتمثلة في قوانينه وأنظمته، وهذا معنى «لا إله» فهو يدعو الناس رفض ألوهية فرعون على الناس وإقرار ألوهية الله وحدها في الحياة الإنسانية. وهذا معنى «إلا الله» وهي ثورة على كل الأنظمة – الحاكمة بغير ما أنزل الله.
فالمسلم بعقيدته لا يخضع لقوانين الشرق أو الغرب؛ بل خضوعه كله إلى الله تعالى.
فالعقيدة الإسلامية حركة تحريرية من حكم البشر للبشر إلى حكم الله تعالى، فمن رضى الله بحكم البشر وعطل حكم الله؛ كان كافرًا دخل النار، والخزي في الحياة الدنيا، فهو يعتقد أنه كلما أخلص – في تنفيذ أوامر البشر؛ كلما أعلوه منصبًا ومكانًه وجاهًا ومالًا، وظن أنه عزيز مع غير الله من البشر. وإنه ذليل فقير إذا لم يطيعهم. إن اعتقاده هذا أن غير الله يعز ويذل، ويغني ويفقر؛ هو الكفر بذاته. ولذلك جميع الوظائف الحكومية التي تنفذ بغير ما أنزل الله هي محرمة شرعًا، كمن يعمل في خمارة أو مرقص؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان ظالمًا ولو بشق كلمة إلا أدخله الله مدخله» فكيف بمن أطاع الكافرين في هدم الإسلام وقتل المسلمين؟ كيف بمن قال: أمر الله رجعيًة وتخلفًا، وأمر البشر مدنيًة وحضارًة؟ كيف بمن يستهزئ بالمؤمنين الصادقين، ويطاردهم بالسجون والمعتقلات، ويكمم أفواههم؟ كيف بمن يشيع الفاحشة بين المسلمين باسم الفن ويبيح الاختلاط والدعارة المكشوفة بين المسلمين؟
فالعقيدة الإسلامية حركية تربوية للنفس البشرية كما أنها حركية إصلاحية للحياة البشرية من حكم الطغاة والمفسدين إلى حكم رب العالمين.
محمد عبد الغني أبو شرخ
معنى كلمة إسلام
الإسلام في اللغة: الخضوع والانقياد، يقال: فلان أسلم أي خضع وانقاد، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: ٨٣) ويطلق لفظ «الإسلام» ويراد به مجموعة التعاليم التي أوحاها الله إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي داعية إلى توحيد الله والخضوع لأحكامه والانقياد للأصول العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل، يقول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ (الشوري: ١٣).
ومن ثم فقد أطلق لفظ مسلم على كل من اتبع هذه التعاليم، فيقال: إن نوحًا مسلم وإبراهيم مسلم وموسى مسلم وعيسى مسلم، وكذلك يسمى بهذا الاسم كل من تبعهم وانقاد لتعاليمهم. ولما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- آخر من حمل هذه التعاليم ودعا إليها أطلق عليه اسم مسلم، وأطلق على أتباعه المسلمين، وسُمِّي الدين الذي دعا إليه بالإسلام وهذه التسمية ليست من اختراع أحد، وإنما هي من الله سبحانه يقول الله تعالى: ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينً﴾ (المائدة: ٣) فالإسلام ليس بجديد على الناس ودعوة سيدنا محمد ليست بدعة من البدع، وإنما الإسلام هو المنهج الذي ارتضاه الله للناس جميعًا من أول الرسل إلى خاتم الأنبياء، يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ وكل ما خالف هذا المنهج فليس بدين عند الله، والله لا يقبل أي عمل من الأعمال التي لا تتفق معه، يقول الله تعالي: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥) أي ومن يطلب دينًا غير الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء؛ فلن يقبل منه، ولذا يكون في الآخرة من الخاسرين لكل خير، فالآية تعني جميع البشر، فكل فرد من الأفراد لا يعتنق الإسلام ولا يدين به؛ فإنه يجري عليه حكم هذه الآية، ويكون في الآخرة من الخاسرين؛ لأنه بعدم انقياده للإسلام يكون خارجًا عن منهج جميع الأنبياء والرسل.
وقد جاء الإسلام ليعيد لتعاليم الله صفاءها، وليخلص الدين مما علق به من رواسب وما لحق به من تحريف، فهو إصلاح عام، ودعوة إلى تآلف الشعوب، وتقارب الأمم، وتوحيد العالم، ودعوة الناس جميعًا إلى منهاج واحد في العقيدة والسلوك؛ ليعيشوا في سلام ومحبة، وتكافل وتعاون وتأزر؛ كي يصل المجتمع الإنساني إلى المستوى الراقي الرفيع.
بو يوسف
الهند – بوفا
قيمة الوقت
إن تصحيح المفاهيم بالالتزام القيم بأبعادها وحدودها الموضوعية يأتي في مقدمة الشروط لقيام تجمع سليم؛ بل يكاد يكون ضرورة حياتية لذلك المجتمع، ومن أهم القيم التي يجب أن يتشبث بها المجتمع الإخواني قيمة الوقت، إن الوقت في جملته يعتبر وعاء للنشاط الإنساني، هذا ولا يمكن انفصال أي عمل من أعمال الإنسان عن اعتبار الوقت أو الزمن.
وإذا ما نظرنا في القرآن يبرز إلينا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ﴾ (البقرة:١٨٩) إذًا المبدأ العام في الأهلة أن تكون للتوقيت؛ أي معرفة الوقت وتصنيفه وتنظيم؛ لذلك نجد أن الله تعالى قد ربط بين العبادة وبين أوقات معينة اختارها لها، وجعل وقت المسلم كله عبادة متى ما كان في طاعته واجتناب نواهيه.
قال بعض الحكماء: «كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله، فأقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل» إن الوقت في نظر الإسلام هو أثمن من الذهب، وإنه هو الحياة، لذلك نجد الإسلام يربي الفرد على الإحساس بقيمة الوقت من خلال العبادات كلها، ما أحوجنا نحن الدعاة إلى أن تلهب إحساسنا بقيمة الوقت وأهميته. (محمد عبد الرحمن بيصار- كتاب الهلال عدد ٢٥٠).
هذا وأعلم أن الناس كلهم في هذه الدنيا تجار، وإن اختلفت سلع تجارتهم باختلاف ميولهم ومطامعهم وآمالهم، وهذه التجارة لا تزن عند الله جناح بعوضة ما لم تكن قائمة على حدود الله وتعاليم الدين الحنيف والذود عن حياض الفضيلة.
ولقد عرض الله على عباده خير تجارة حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف:١٠ ،١١).
أعلم أخي الداعية أن خير الأوقات ما صرف في مثل هذه التجارة التي دلنا الله عليها، وأن وقتك محسوب ما لك أو عليك. وأنك بين عمر مضى وعمر مستقبل أو ساعة حاضرة. فما مضى من عمرك قد انتهى وفات فلا سبيل الى إرجاعه، وأما تستقبله من عمر فهو الأمل في ثقة نرجو الله أن يحققه، وأما الساعة التي أنت فيها فهذه وقتك، وأنت محاسب عليها فاغتنمها بما تعطيك من خير العمل الصالح للدين والدنيا، فالسعيد من اغتنم وقته قبل ضياعه، هذا وقد أقسم الله بالعصر لما فيه من أعاجيب العبر بالنسبة للغابرة، ولما فيه من عظمه وخطره بالنسبة لحاضره، ولله در الشاعر حيث يقول:
دقات قلب المرء قائلة لهج *** أن الحياة دقائق وثوانج
فاحفظ لنفسك بعد الموت ذكرها ** فالذكر للإنسان عمر ثان