العنوان تربية - العدد 553
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
مشاهدات 67
نشر في العدد 553
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
القوة هي آخر السبل
إن الدعوة إلى الله لا تنمو ولا تزدهر إلا على الأشواك والجراح، ولا يصلب عود المؤمنين إلا هذا الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يستطيع أن يسلك طرقًا أخف من ذلك، مثال ذلك ترك المشركين على ما هم عليه من مخالفة شرع الله والالتفات إلى المسلمين ومداهنة الكفار حتى يعد العدة، ثم بعد ذلك يشتبك مع العدو، أو أن يقبل عرض المشركين بأن يجعلوه ملكًا عليهم وبعد ذلك يغير من الأوضاع شيئًا فشيئًا أو يأخذ منهم الأموال ويستعد بها، وكلا الحالات يبعد الأذى عن المؤمنين ويدرأ عنهم العذاب.
ولكن لا لأن هذه الطرق لا تؤدي إلى قيام حكم الله في الأرض، ولو كانت ناجحة لسار بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في حالة الضعف، والمؤمنون يعذبون تحت السياط وعلى الرمال الحارة كان يهدد المشركين، فبعد أن اشتد أمر قريش من إغراء سفائهم بتكذيب الرسول وأذيته ورميه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله مظهر لأمر الله لا يخفي به، مجاهر لهم بما يكرهون من عيب دينهم واعتزال أوثانهم وفرقه إياهم على كفرهم.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل، سفه أحلامنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم على ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال فعرفت ذلك على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما مر بهم الثانية غمزوه أيضًا، فلما مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح»، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا وكان على رأسه طير واقع، حتى إن أشدهم له عداوة وأكثرهم أذى يسكن الرسول بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولًا. فلما جاء الغد تجمعوا على الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنت الذي تقول كذا وكذا فيقول لهم: نعم أنا الذي أقول ذلك.
حتى جاء أبو بكر ودافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله.
هذه الحوادث تدل على حماية الله للرسول والمؤمنين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (الحج: 38).
ولم يكن سكوت رسول الله وتحمله أذى المشركين في المرحلة الأولى من الدعوة عن خنوع أو ذلك، ولكن سكوت خاضع لتخطيط دقيق وضعه قائد المسيرة محمد r، أنه سيبقى متحملًا للأذى، لا يبدي أي مقاومة حتى يصلب عوده ويستكمل قوته ويقيم دولته، وعندئذ يبدأ بالصدام بقوة تمكنه من انتزاع النصر بفضل الله ... وقد تم تنفيذ هذا المخطط بكثير من الحرص، ولو أن أي مقاومة قد بدت من الرسول في فجر الدعوة لكانت هذه المقاومة الشرارة التي تقع في برميل البارود، وتفجر الموقف تفجيرًا عنيفًا، ولن يكون ذلك في صالح محمد صلى الله عليه وسلمولا صالح الدعوة نظرًا لقلة أصحابه وضعفهم، وكثرة عدوه وقوته.
وتحمل رسول الله ... وتحمل ... وما إن حان التوقيت الذي وضعه للمعركة حتى شهر السيف ونزل إلى الساحة يبادل عدوه ضربة بضربة ... وكان له النصر بإذن الله. وبفضل هذا المخطط بنيت دولة الإسلام وخفقت راياته فوق الآفاق.
يتضح لنا مما سبق المعالم الآتية:
1- لا للذل ولا للصبر على حالة الشرك والكفر إنما الصبر على تحمل المشاق بعد الجهر بالدعوة كاملة.
2- ليس من صالح الدعوة الاستهتار والتعجل باستعمال القوة، فذلك يقضي عليها وهي في المهد.
3- الاستعداد للجهاد بالقوة في الوقت نفسه الذي يمارس فيه جهاد الكلمة.
4- جهاد الكلمة إنما يمثل الاستعداد المعنوي للجهاد بالقوة وفترة تمحيص للمسلمين وإقامة الحجة على الفاسقين وإنذار الكافرين والمشركين.
هذه المعالم النبوية على طريق الدعوة يمكن بها تقريب الفجوة بين كثير من المسلمين، فالذين يقولون بأن الاستهتار والتعجل يقضي على الدعوة، نقول لهم: صحيح ما تقولون، ولكن الاستهتار والتعجل إنما يكون باستعمال القوة وليس الجهر بالدعوة والدفاع عن الحق استهتار إنما هو واجب، والذين يقولون يجب الصبر حتى نعد العدة نقول لهم إنما يكون الصبر بعد الجهر بالدعوة بكل معانيها وبكل شموليتها.
والذين يريدون استعمال القوة أيضًا نقول لهم القوة هي آخر سبيل للداعي ويجب الاستعداد لها وآخر الدواء الكي.
لعمري هذا هو طريق محمد r إلى الله، فعلى دعاة المسلمين الرجوع لسنة نبيهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإلى اللقاء في العدد القادم.
المرجع: تهذيب السيرة لابن هشام
شذرات
من مظاهر السخاء:
1) أن يعطى الرجل العطاء في غير مَنٍّ ولا أذى.
2) أن يفرح المعطي بالسائل الذي سأله، ويسر لعطائه.
3) أن ينفق المنفق من غير إسراف ولا تقتير.
4) أن يعطي المكثر من كثيره، والمقل من قليله في رضا نفس وانبساط وجه وطيب قول.
موعظة:
شيع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر، فقال: إن أمرًا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وان أمرًا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره، إخواني كيف الأمن وهذا الفاروق يقول: لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا وفضة لافتديت بها، كيف الأمن من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر، لما طعن عمر قال لابنه ضع خدي على التراب فوضعه فبكى حتى لصق الطين بعينيه وجعل يقول «ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي».
شذرات متفرقة:
* قال أحد الصالحين، أعجز الناس من فرط من طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من تودد إليه من إخوانه.
* إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما تخفي عليه يغيب
* قال يسارة بن الحكم: الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب، فأيهما غلب كان الآخر تبعًا له.
* قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله ألا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل